ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

ثقافة الأبيض والأسود المعاصرة

بقلم : المهندس بيير حنا إيواز
الثقافة مرآة عاكسة للحضارة والمدنية ، كما الفن والموسيقى والرياضة . وكلمة الأبيض ( White ) تعني الضوء أو حزمة كامل الألوان للطيف الضوئي من الأحمر بموجات طويلة وترددات منخفضة ومرورا بالبرتقالي ، فالأصفر والأخضر ( في وسط الطيف ) ولغاية الأزرق واللون البنفسجي بموجات قصيرة وترددات عالية . وخارج هذه الحزمة ونطاقها نجد ( الغير – مرئيات ) بالعين المجردة ، مثل مافوق البنفسجية وماتحت الحمراء بترميز ( Ultra -v ) و ( Infra-r ) .
الأبيض حزمة مؤلفة من كل الألوان وخاصة الأساسية ( الاحمر – الاخضر – الازرق ) ، بينما الاسود هو تعريفا ( اللالون ) أي يمتص كل الألوان المرئية .ومصطلح عنواننا ( ثقافة الابيض والاسود المعاصرة ) المقصود به تحديدا تلك الثقافة العالمية السائدة والمعاصرة في ظروف عالمنا اليوم هذا .. وهي بملامح ثقافة عامة وخط عريض وكما يقال ثقافة الجو العام ورياح متغيرات العولمة ، وليس الخاص او المحدد ، كقولنا ملامح الثقافة الفرنسية اليوم ، أو الثقافة العربية وغيرها .
ومع بداية القرن الحادي والعشرين الحالي منذ عام ( 2000 – 2001 ) ، نلاحظ هبوب رياح ثقافية من كافة الاتجاهات الاربعة في كل العالم ، وهي ثقافة تميل شكلا على الانفتاح والحرية ولكن مضمونا ( مباشرا او غير مباشر ) تميل نحو الاستقطاب والتحريض نحو التقوقع في " القرية العالمية الصغيرة " وكذلك العزلة والانعزالية ( كطريقة للدفاع عن النفس وصد الغزو الثقافي ) وظاهرة انتفاخ او تورم او تضخم الذات والأنا واهتمامات تفاصيل فرعية ثانوية واعتبار ( الأنا ) محورا اساسيا سواء الفردية او الجماعية الصغيرة .. على مستوى العائلة والطائفة على اسس قبلية وعشائرية وحتى عائلية مجددة وضيقة ، وبالتالي تنحصر الاهتمامات في التركيز على المحليات والفولكلور ولذات ، وهذا يؤدي الى الانغلاق وحتى نفي الآخر والآخرين ، وعدم وضوح الرؤية الاستراتيجية والمستقبلية وتراجع المصلحة العامة والمصالح الحقيقية للمجموع العام او المجتمع ككل ، حيث العالم والكون لا يسيران وفق الاهاء والعواطف والتمنيات الضيقة ، وانما وفق قواعد ونظام تاريخي خاص .. حيث الدنيا تبتسم وتساعد دائما .. ولكن لمن يرغب ويعمل من أجل البسمة ، تخدم وتعطي وتزرع البسمة ثم تحصدها ، وتساعد نفسك بالبدء بالمحاولات الحثيثة وتجد الدنيا تساعدك .
والتاريخ او التأريخ .. هل هو الذي يصنعنا ونحن جالسون ننتظر ( حبة التمر لتقع من الشجرة في أفواهنا ) أو نحن من نصنع او على الاقل نشارك في صنع وصناعة التاريخ عبر الجد والجدية والارادة ومن يكتب التاريخ ويؤثر على الاحداث .. قوة الحضارة ام حضارة القوة الشاملة بكافة مجالات الحياة ( فكرية ، ثقافية ، اقتصادية وغيرها ) ، ونتساءل لماذا هذا الفرز القاطع والبتر والفصل التام ما بين امور الحياة المتداخلة اصلا ، إما أبيض أو أسود ، علما بأن الطبيعة والحياة ذاتها تعرف ذلك التداخل المتجانس والمتناغم ما بين حلكة وظلام الليل واشعة ضوء ونور النهار ، واليوم يبدأ من الفجر وشروق الشمس والغسق وظهرا يكون الضوء الكامل ثم المغرب والمغيب تدريجيا ، وليس مثلا في ساعة محددة ، مثلا في الساعة ( 6.32 ) هناك الحد الفاصل القطعي وبمعنى أن ( 6.31 ) ضوء وفجأة ( 6.32 ) حيادي و ( 6.33 ) ظلام اسود حالك دامس .. وكما يقال فإن جسر الحياة جسر متواصل وبدون انقطاعات فجائية عشوائية .
الامور سواء الفردية او الجماعية او حتى الدولية لا تسير هكذا .. ولكن المشكلة ليست في المعرفة او عدم المعرفة ، وإنما في ضخ تلك الثقافة السائدة المستندة الى تفسير احادي الجانب ما بين الاسود والابيض وهي ثقافة احتكار الحقيقة المطلقة .
الابيض للخير ترميزا والاسود للشر ، وما على الانسان سوى المحاولات اليومية الحثيثة بالسير في طريق الخير ، طريق المحبة والعطاء والخدمة والبناء والكرم والشجاعة والسعي للتطوير والاصلاح وتوسيع حركاته ( في الحركة بركة ) من الحلقات الضيقة الى الاوسع فالاوسع . والمرونة ليست ميوعة او مياعة والمنطقة ( الرمادية ) ما بين الابيض والاسود ليست هدفا ، بالاضافة الى أنها ليست لا لونا ولا ثقافة ولا فكرا ، ولكن المسألة مرونة وعقلانية مغايرة لثقافة الحسم والقطع والبتر والنفي والالغاء ومطابقة مع ثقلفة العاطفة والعقل والروح وتلبية الاحتياجات ، والمسألة برمتها اليوم ، هل العالم يسير نحو فكرة المجتمعات والمؤسسات والحق والعدالة والتطوير ، أم نحو العصبية والانعزال والتقوقع .. وحتى الانقراض !

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R