مرت الثقافة في الفترات القريبة بالعديد من المتغيرات المتسارعة التي تحمل في طياتها أيدلوجية التنميط والاختراق الثقافي, وهي تتجلى في صياغة ثقافة عالمية منمذجة لها قيم ومعايير وسلوك وعادات, وسيطرة ثقافية غربية على سائر الثقافات بواسطة استثمار مكتسبات العلوم والتقدم التكنولوجي في مجال ثورة الاتصالات وثورة المعلومات والتتويج التاريخي لتجربة مديدة من السيطرة بدأت منذ انطلاق عملية الغزو, الأمر الذي يؤدي الى نشوء قيم ثقافية وأنماط سلوكية ليس هناك من رابط يربطها بنظامها الاقتصادي والاجتماعي, وهو مايؤدي بالتالي الى حدوث تشويش للهوية الثقافية, والى فقدان التوازن نظراً الى ان هذه القيم الثقافية والافكار ليست من إنتاج التطور العلمي والاقتصادي والاجتماعي في هذه المجتمعات.
والثقافة لكونها نتاجاً اجتماعياً أصبحت تتحول في ظل الهيمنة الى سلعة ينطبق عليها ماينطبق على السلعة المادية, ونظراً لوجود ثقافات مدعمة بوسائل التكنولوجيا وثقافات اخرى شبه مجردة من تلك الوسائل والتي قد لاتحسن استخدامها, فإن التبادل الثقافي العالمي يكون تبادلا غير متكافىء, أكثر مما هو نقل ثقافي بين الشعوب والثقافات.
وتتعرض الثقافة العربية الى تغير عميق لاعلاقة له بالإرادة الواعية, وذلك نتيجة التطور في أسلوب افنتاج ودخول تقنيات حديثة في الإنتاج ساهمت في تفتيت البنى الاجتماعية التقلدية, فضلاً عن التحول الذي حدث للثقافة والتي تحولت بفعل الرأسمالية ذات الصبغة العالمية الى ثقافة قادرة على الانتقال العفوي.
فعلى رغم الصراع ضد الاستعمار في الشرق العربي, كانت هناك افكار أوروبية تجد سلبيتها لدى الثقافة العربية الواعية التي أصبحت جزءاً من ثقافة المستعمر دون أن يبذل اي مجهود لفرضها, ومن هنا تبرز قيمة ثقافة الأمة الساعية الى حريتها.
www.balagh.com
|