ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

ما بين ثقافة الإنسان وحضارة الآلة

بين كلمتي الثقافة Culture والحضارة Civilization هنالك فرقٌ واضح واختلاف يظهر في اللغات الأوروبية ولا يظهر هذا الاختلاف في لغتنا العربية إلا في الأصل الاشتقاقي. ويظهر الترادف بين الكلمتين بمجرد أن ننظر فيما نعنيه بالمثقف والمتحضر. فالمثقف هو المصقول المهذّب. وقيلَ عن الرمح المثقف الكثير، أي الرمح المقوّم المصقول. كذلك الحال بالنسبة للمتحضر. فهو أيضاً صَقَلَتْهُ حياة الحضر وَنَعِمَ بثمرات المدنية فاتسعت مداركه وتغيرت أساليب فكره وسلوكه بفضل ما استحدثه الحياة الحضرية من طرق وأساليب لا تعرفها حياة البداوة أو الفِطرة.
أما ما تبيّنه لنا اللغات من اختلاف بين معنى الثقافة والحضارة فيظهر من مجرد النظر إلى ما تعنيه الثقافة Culture في أصلها اللاتيني، إذْ نرى أن الأصل فيها هو كلمة Cultura وتُفيدُ معنى الزراعة والإنماء. فهي في حقيقة الأمر تعني في معناها التأويلي تعامل الإنسان مع الطبيعة ولرعايته لها وتمهيد الطريق السوي لرعاية ما هو موجود لينمو ويزدهر.
فالثقافة على ضوء هذا التفسير هي نوعٌ من السلوك والتفكير والإحساس بكسب صاحبه شخصية معينة يتلقاها من بيئته الاجتماعية ويستنشق عبيرها على نحو ما يكتسب الكائن الطبيعي شكله ولونه من البيئة التي ينمو بها وهي تسري إلى الأفراد بلا وعي منهم كما يقول المفكر والفيلسوف الانجليزي هربرت ريد. فالثقافة تنعكس في أسلوب السلوك والعمل والاستجابة بمعزلٍ عن نصيب الإنسان من المَدَنيّة أو الحضارة. فمن هنا، مثلاً، يمكن أن يُنسَب لصنّاع الأواني الفخارية أو للفنان عند تزيينه لبيته أو لطريقة بناء المساجد ثقافة خاصة تميّز كل منهم. فالثقافة تنعكس إذن في السلوك والإنتاج والأخلاق والفنون وتنتشر بين أفراد مجتمع معين لتقترب بينهم وتٌكسِبَهم طابعاً خاصاً يتميزون به عن غيرهم.
وبهذا المعنى، يمكن أن نتحدث عن ثقافات مختلفة بغير تفصيل بينها بل يمكن أن نتحدث عن ثقافة بدائية Savage Culture بغير أن نقع في تناقض. وليس الأمر كذلك بالنسبة للحضارة إذ من التناقض أن نتحدث عن حضارة بدائية Savage Civilization وذلك لأن نتاج الحضارة اختراعات واكتشافات وصناعات وهي الشكل الواعي للاكتساب وثمرة للخلق الجديد لا يعتمد على أثر البيئة الطبيعية وحدها.
والحضارة بهذا المعنى تصنع وتجلب وقد تنقل من بيئة إلى أخرى ولذلك تتميز بالاختراعات الصناعية والتقدم التكنولوجي لمجتمع من المجتمعات ومن ثم فقد كان العامل الأساسي في حضارة اليونان هو استخدام الحديد وتعميم صناعته في الآلات الحربية التي هيأت للانتصار الحربي. في الحضارة العربية، تبدو الانطلاقة الحضارية مغايرة قليلاً. فالعامل الأساسي فيها كان ما أُنجِزَ من تقدم في حسابات علم الفلك ساعدت على الكشف الجغرافي والاطلاع على أحوال الأمم الأخرى. أما الحضارة الغربية فهي حضارة البخار والكهرباء والذرة والأزياء والمعلوماتية. وتتميز حضارتها بأن ثمارها سريعة الانتشار وهي تحمل مع آثارها المادية الثقافية الإنسانية التي تتشكّل فيها فتنعكس في الفكر والدين والأخلاق والفنون. بمعنى آخر، تٌكَوّن الحضارة المضمون، بينما تكوّن الثقافة الشكل الذي يعكس هذا المضمون المادي في أسلوب معين من السلوك الأخلاقي أو من الفكر الديني والأخلاقي أو التعبير الفني.
والغزو الثقافي وإنْ كان يتبع انتصار حضارة على أخرى، مرتبطاً بالنصر السياسي، إلا أنه لا يُصدّق دائماً. فتاريخ الفكر يبين لنا كيف سادت الحضارة والثقافة اليونانية الدولة الرومانية وبهذا انتصرت اليونان ثقافياً على غزاتهم من الرومان، وثقافة العرب تغلّبت بدورها على غزاتهم من المغول وامتدت إلى الشرق الأقصى.
واليوم نرى الحضارة الغربية الحديثة قد حققت من التقدم العلمي والتكنولوجي ما يفوق كل خيال، وبفضل اكتشافاتها العلمية هذه أمكنَ للإنسان السيطرة على كثير من الآفات والأمراض التي فتكت بالبشر دهوراً طويلة، وبالتكنولوجيا الحديثة تمكّن الإنسان من الحركة وسط المجموعة الشمسية وقربت سرعة الحركة والاتصالات، وبذلك تغيرت مفاهيم الإنسان عن المكان والزمان. كل ذلك دون أن ننسى أن لهذه الحضارة كان هنالك ولما يزل وجهها في التسليح واستعمالاته الدموية.
وما من شك في أن كل تقدم علمي يصل إليه الإنسان إنما هو ثمرةٌ مدينٌ به للآلة التي أبدعته، إذ بغير الآلة وبغير التقنيات لا يتقدم العلم ولا يتسع آفاق العلم. فبغير المجهر ما كان لعلم الفلك أن يصل إلى ما قد وصل إليه من تقدم. وبغير الميكروسكوب ما كان لعلم الأحياء، البيولوجيا، أن يكتشف البكتيريا وأن يقوم بما قام به من خدمة في سبيل تقدم علوم الأحياء والطب. بل أن أكثر العلوم تجريداً وعقلانية مدينة بتقدمها للآلة. فعلوم الرياضيات والطبيعة قد قفزت قفزات هائلة بفضل الآلات الحاسبة التي أمكن باستخدامها الوصول إلى المسائل والمعادلات التي لم يكن يُتاح للعقل البشري أن يصل إليها إلا بعد مجهود قد يدوم آلاف السنين.
إن الحضارة بآثارها العلمية والتكنولوجي، وإن ترعرعت ونمت في ظل أمة ومجتمع معين، إلا أنها عالمية في طبيعتها لأنها ملكٌ للإنسانية، وانتقال العلم والتكنولوجيا سريع الحدوث، ومن المستحيل على الإنسان في أي مجتمع كان أن يرفض تطبيقاً معينا لاكتشاف يحرره من مرضه أو يحقق له معيشة أفضل أو أسهل وليس هناك مجتمع من المجتمعات متحضرٌ أو فطري أو بدائي يمانع في أن ينعم بثمار الصناعة الحديثة أو يرفض ما هيأّته له هذه الصناعة من اختراعات توفر عليه مجهوده. إذ من الطبيعي أن يفضل الإنسان ضوء الكهرباء على ضوء الشموع، وأن يمتلك السيارة التي تقطع الطريق في ساعات بدلاً من أن يقضي الأيام على ظهر حصان أو جمل.
غير أن الحضارة العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية لا تسود بغير أن تسود معها الثقافة الفكرية المواكبة لها. إذ من الطبيعي أن تنعكس آثار الحضارة المادية على سلوك وعقائد ومشاعر أهل المجتمع الذي يحياها وهي تتمثل في آثاره الفنية وقيمه الأخلاقية. ولو طبقنا ذلك على موقف المجتمعات الشرقية من الحضارة التكنولوجية الأوروبية فسوف يتضح كم يُرحَّب باستخدام اختراعاتها التكنولوجية ولكنه كثيراً ما يتردد عندما يواجه القيم الأخلاقية والبدع الفنية والأفكار والمعتقدات التي لم يألفها والتي تصدم أحياناً معتقداته وتقاليده وعاداته.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R