|
لقد أصبحت القصة القصيرة جدا تفرض نفسها رويدا رويدا في عالم الإبداع الأدبي ، فلقد صارت تخوض ساحة الأدب إلى حد نشعر بمنافستها ومغالبتها الشعر الحديث ، إنها تحتوي هذا الأخير فتجعله عنصرا من عنا صرها، علاوة على احتمائيتها بالحدث والذي يجعلها أكثر جاذبية وإثارة للتتبع والتساؤل ، الأمر الذي يُفَعِّل دورها في الدفع بالقارئ ليساهم في التساؤلات التي تطرحها خواتمها ومقدماتها المؤطرة للأحداث والشخصيات المديرة لها ...
القصة القصيرة جدا تناسب الوضع الذي نعيشه من حيث أزمة القراءة...فعادة يميل القارئ الحالي إلى المختزل والقصير من النصوص، وبذلك تصير القصة القصيرة مناسبة ومستجيبة لحاجة الكاتب والقارئ لآمرين:
الأمر الأول: التمكن من القبض على القارئ الذي يعد الهاجس الأساس من إنتاجية الإبداع...فلا نتصور كاتبا يكتب للفراغ . ولا نتصور كتابة بلا هدف في التفسير و إحداث التغيير ضمن قالب فني ممتع أومثير..
الأمر الثاني : التمكن من تضمين القصة الكثير مما نود تبليغه عبر الاختزال اللفظي الموحي إلى دلالات كبرى . فالقصة القصيرة جدا ضد التفسير والتحليل ، فهي تضمينية مختزنة بما يجعلها مولدة للدلالات من قراءة إلى قراء ة ، والحال أن الأدب الفعال هو الأدب المستفز للقارئ ، وهو الأدب الذي نبحث بعده عن المراد والمسكوت عنه، وبذلك نسهم بقليل أوكثير في نسج الرؤية وإعادة التساؤل والمساءلة فتتعدد القصة بتعدد القراء وزوايا النظر إلى فحواها .
القصة القصيرة جدا ستضل النص الفارض لنفسه في سوق الأجناس الأدبية مادام نصا إيحائيا تتكاثف من خلاله الأحداث والمرادات، مما يجعله يستدعي الامتياح من كل الأجناس الأدبية شعرا ونثرا لأن من مزاياه الإيحائية والانزياح والترميز وهذه العناصر هي المشكِّلة لأهم تضاريس الأدب والإبداع بصفة عامة .
القصة القصيرة جدا استجابة للتطور الأدبي وتطور التلقي ، إلا أنها كسائر الأنواع الأدبية ستظل في جزر ومد إلى أن تجد رُسُوًّا مؤقتا يمكننا- نسبيا - من تحديد السمات الملازمة لها ... ومهمة النقد الغربلة والتوجيه والإشارة إلى النقائص والمزايا حتى يتبين الكتاب والقراء الغث والثمين، وحتى يتخلص الأدب عامة القصيرة جدا من شوائب تجعله لا يؤدي دوره كما تجعله ميدانا مغريا يخوضه من قد يسئ إليه بدل خدمته.
|