|
زهير حطب
يولد الطفل دون أن تكون لديه أية خبرات في ميدان اللغة، كل ما يملكه هو مجرد ملكات واستعدادات فطرية. فهو لا يكاد ينطق إلا بأصوات مبهمة المعنى، لا ترابط بينها. ومع الوقت يتعلم اللغة المتداولة في محيطه عن طريق عمليات لاشعورية، تستمر معه مدة من الزمن، حتى يصبح قادراً على السيطرة بطريقة آلية على ما يخرجه من ألفاظ. وهنا يلعب الأهل دوراً اجتماعياً مهماً، يتجسد في إعطاء تلك الألفاظ دلالات يستمدونها سواء من الوضعيات التي ينوجد فيها الطفل نفسه، أو من خلال جعله يقلد بعض الأصوات التي يسمعها من حوله. فأفراد الأسرة يعملون على تلقينه الألفاظ الضرورية المرتبطة، بتقديرهم، في وضعيات معينة، وعن طريق تقليدها وتكرارها يتجمع لدى الطفل محصول من الأصوات والكلمات والألفاظ والجمل التي تمتلك معاني خاصة، مستمدة من الوسط الذي يعيش فيه. وتتوسع هذه العمليات وتكتسب الأصوات، مع الوقت، قدرتها الرمزية والتعبيرية والإيحائية عن الوضعيات الأساسية التي سبق أن تزامنت معها.
"والإنسان هو الكائن الوحيد القادر على ضمّ الأصوات أو الكلمات التي تتضمن المعاني الرمزية إلى بعضها البعض مكوناً منها جملاً مفيدة، إنه الوحيد الذي يستطيع القيام بعملية الاتصال الاجتماعي عن طريق الكلام. ولكن، ينبغي ألاّ يفهم أن التعبير اللفظي يجري حسب أهواء الأفراد، وانه بهذا المعنى مجرد ظاهرة فردية أو شخصية تتعلق بمزاج هذا الفرد أو ذاك، بل يحكمه نظام من الرموز الصوتية، متعارف عليها في بيئة لغوية معينة، تستعمل حسب قواعد وشروط محددة لا يمكن تجاوزها ومجموعها يؤلف ما يُسمّى باللغة، وهي من هذا المنظور ظاهرة اجتماعية غير منفصلة عن الظروف الاجتماعية والتاريخية والبشرية والموضوعية التي أفرزتها".
فاللغة كظاهرة اجتماعية ترتبط مباشرة بمجتمع معين، تعبّر عن المرحلة التاريخية التي يعيشها، وهي تنعكس وتعكس منمطاته الثقافية التي تعتبر حصيلة لتطور المجتمع نفسه ولدرجة تعقيد النظام فيه. فاللغة تجسد ثقافة المجتمع وتفرض على أفراده طريقة معينة في إدراك العالم والتصرف حياله، لأن انبناء الكلام يحدد إلى درجة كبيرة، كيفية رؤية الواقع من جهة، ويرتبط بخبرة المجتمع وثقافته من جهة ثانية.
يقول سابير: "لغة مجتمع إنسانيّ ما، ليست سوى الإطار الحيوي الناظم والمتضمن لتجربته التاريخية، وبذلك تشكل عالمه وواقعه الاجتماعي في آن معاً. فكل لغة تحتوي رؤية خاصة للعالم، فهي ليست أداة اتصال بين الأفراد، ولا قالباً لثقافة المجتمع فحسب، بل إنها بمعنى ما ثقافته نفسها، فتحددت نتيجة لتفاعل الأفراد في مجتمعهم بمعطياته الراهنة ومع أصوله الحضارية السالفة".
لقد أسدت اللغة للمجتمع البشري خدمات جليلة: منها تحقيق التماسك بين عناصره، التجانس من ناحية العلاقات التي تربط الأفراد بعضهم ببعض، وتوثق ما بينهم الصلات، بالإضافة إلى أنها جعلت من الممكن الانكباب على الثقافة باعتبارها المخزون الاجتماعي للخبرات المادية والفكرية التي حققها المجتمع والتي لا يمكن الإلمام بها من دون توسل اللغة.
إنّ صلة اللغة بالثقافة هي صلة عضوية ولازمة، فإذا ما نظرنا إلى هذا الأمر من هذه الزاوية نجد أن اللغة والثقافة هما شيء واحد، هما وجهان لحقيقة واحدة، وأمكننا بالتالي اعتبار أن اللغة هي من عناصر الثقافة، وأن الثقافة هي مظهر من مظاهر اللغة.
www.balagh.com
|