|
إن انحراف مفهوم العمل الفني عن دلالته الأصلية إلى مجموعة من العناصرالرقمية المتباينة واستبدال الوسيط النقدي بحدود التواصل التكنولوجية كل هذا قد حث المهتمين بالمجال الفني على إرتياد شكل نقدي جديد يهتم بمجال الإبداع الرقمي . فالتفاعلية قد غيرت من علاقة المتلقي بالأعمال الفنية سواء تعلق الأمربالفن على شبكة الأنترنت أوعلى ساحة الميلتميديا .
إن النقد الفني منذ أن تم تأسيسه لايجب أن يتحول إلى نقد شبكي فحسب بل عليه أن يأخذ في الإعتبار التطورات التالية: إن البعد التكنولوجي للفن هو بمثابة مكون رئيسي للإستتيقا الحديثة ونفس الأمر بالنسبة للحوار الذي يضعه بين الأعمال الفنية والمؤلفين والجمهور.
ولقد إنطلقت أولى التجارب الفنية على الحاسوب في مجال الصورة الرقمية منذ أواخر الستينات وأعتبرت وقتئذ حداثية بخصوص تمكنها من تقنيات الفيديو بنفس الأهداف التي أتى بها جهاز التلفاز سنة 1963 . ومنذ مرحلة التأسيس هذه حيث كان التعامل مع الآلة يمرعبرالشريط المغناطيسي – هذه الوسيلة الرديئة للإبداع الفني – والتقدم المادي ك ( الدارة الحساسة والبرامج المعلوماتية وحدود التواصل ) كل هذه العوامل قد كانت سببا في إستدراج المبدعين إلى مجال التكنولوجيا الرقمية الواعدة.
إن الإنتشارالسريع للميلتميديا والشبكات النتية يعتبروجها لعالم حديث جدا وهو مازال في طريق خلق إهتمام قوي بهذه التكنولوجيا بحيث أننا اعتدنا على القول أن الفن الرقمي بمعنى الفن الذي يتحقق بواسطة وسائل رقمية ، قد إعتدنا أن نقول أنه قد وجد منذ ما يناهز أربعين سنة … إن هذا الفن الرقمي قد إستطاع أن يستقطب فنانين وجمهورا واستطاع أيضا أن يشيد له مشهدا فنيا وعالميا .
أجل إنه مشهد شاسع ورحب غير أنه ما يزال يتعرض للإقصاء من طرف النقد الفني وما فتئ يتجاهله أخصائيو الإستتيقا ، وفي هذا الإطار فقد تحدثت آن كوكلان عن (( الصمت المؤامرة )) إنه صمت صارخ إلى درجة أنه صارغير جدير بالإثارة ، فليس هناك في الواقع نقد فني قائم الذات في مجال الإبداع الرقمي .
وبالرغم من ذلك فهناك مؤلفون حاولوا منذ سنوات اختراق هذا الصمت وهناك بعض الدراسات الحديثة التي قامت بإحصاء وتفسير بعض مظاهر الفن الرقمي في علاقته بالفن التكنولوجي بصفة عامة وكذلك الإلكتروني والوسائطي . وهناك بعض المقالات التي ظهرت على صفحات بعض المجلات والدوريات المتخصصة في الفن : ونشير بهذا الصدد وخلال ثماني سنوات الماضية إلى عددين من مجلة آربريس إذ إهتم العدد الأول بالتكنولوجيا العصرية بينما إهتم العدد الثاني بميدان الشبكات النتية فضلا عن بعض النصوص الأخرى في كاتالوغات المعارض التي إحتضنت أعمالا رقمية . أما إذا توخينا الإشارة إلى بدايات الفكرالنقدي والجمالي في الفن الرقمي فإن هذا الفكرلايمكن مقارنته على الأقل على مستوى سعته وحضوره مع ما تم إنتاجه من نقد فني في مجال فن الفيديو . وسنقوم الآن باقتراح بعض الأجوبة للسؤال الملح والقلق الآتي : لماذا يتغافل النقد الإبداع الرقمي ؟؟ ولرحابة وشساعة هذا السؤال فإننا سنعتبرهذه الدراسة مقدمة فقط لهذه الإشكالية الراهنة.
جمالية الحداثة أو الحياة بزمنين :
لايمكن أن نرجع سبب غياب نقد رقمي لندرة التظاهرات والأنشطة التي تعرض أعمالا رقمية ، فمن المؤكد أن هذه التظاهرات قليلة جدا غيرأنها ذات أهمية أكثر من المتابعات التي تثيرها وتواكبها ، مع أن هذه الندرة التي تسهم من دون شك إلى حد ما في عدم تشجيع الأعمال النقدية ليست هي السبب الرئيسي ، إن غياب النقد الرقمي يعود بالأساس إلى عمق الحركة النقدية في حد ذاتها . ولا يمكننا معرفة هذا النقد والعثورعليه إلا بالعودة إلى الحركة النقدية منذ أواسط القرن الماضي . قد تبدو هذه المهمة عسيرة جدا على المؤرخين والسوسيوفنيين إذ لايمكن إثارة إشكالية النقد الرقمي فقط وإنما أيضا مسألة القاعات وصالات العرض ودورالدولة والمؤسسات والإبداع الرقمي في حد ذاته و بمختلف تجلياته . وأعتقد بالرغم من كل هذا الواقع فإنه بإمكاننا أن نضع تصورا ما لهذا النقد الرقمي …
لقد إهتم النقد في المرحلة السابقة بالمستوى الأخلاقي والجمالي لعامل التواصل ، وقد قام من جهة أخرى بدورالوسيط بين الفن والجمهور ، ليس الجمهورالهاوي للفن فحسب وإنما الجمهورالعريض الأقل إهتماما بالشأن الفني كذلك … وقد إستطاع الفن وخصوصا الفن التشكيلي أن يجلب شيئا فشيئا المتحفيين والجماهيرالبرجوازية والمتوسطة على السواء، وعموما هناك تصوران متعارضان للإبداع الفني : التصور الأول يتعلق برؤيتنا التقليدية للإبداعات الفنية الرائدة أو النموذجية وتصورثان يتعلق بالتجديد وهذا التصور الأخير هو الذي تطور وتألق شيئا فشيئا رغم تناقضاته الداخلية .
ومع مرور السنين ظهر فارق كبير بين المعايير التي تستمد وجودها من التقليد ومن التجديد أيضا وبالتالي إستدعى الأمر إعادة تأسيس الأحكام النقدية ، ومنذ ذلك الحين بدأ تطبيق النقد في شكله العام لكن بطرق مختلفة . فالبعض صار يبحث في الفن القديم عن قواعده الأساسية وأطلق أحكاما مقارنة ، الشيء الذي لم يمنع البعض الآخر من دعم الفنانين بشكل أكاديمي بينما رفض صنف ثالث هذه المرجعية القديمة وأصر وبصوت عال على أهمية التجديد في الفن الحديث .
يقول الناقد (( دورانتي )) عن الإنطباعيين : (( لقد جعلوا من الرسم إكتشافا حقيقيا لايمكن أن توجد أسسه وأصوله في مجال آخر )) وفي خضم هذه التيارات المختلفة سيطرت صورة بودليرالمتعالية ..السامية ، ومن دون شك أنها الصورة الرمزية للفكر النقدي في القرن التاسع عشر . فالبنسبة لبودلير فالنقد كان قبل كل شيء منحازا ومحابيا ووجدانيا وانفعاليا وسياسيا حتى . لقد كان الشاعر ينظر إلى الحركة النقدية مثل معركة والتزام وعلى النقد أن يكون تحليليا وحجاجيا وعالما . غيرأن هذا التفكير البودليري قد ذهب أبعد من النقد حيث إن أفكاره قد أسست لجمالية بصمت القرن التاسع عشر بل لقد إمتدت إلى حدود القرن العشرين فيما سمي ب (( جمالية الحداثة )) التي تأسست على قلق وخشية الإنسان من الزحف الصناعي والتقنيات بصفة عامة والصناعة الفوتوغرافية بصفة خاصة التي رآى فيها بودلير أبرزعلامات التجديد وكان يرى في جانب آخرفي كل هذا تهديدا وخطرا قادما إذا ما أصبحت هذه الصورة معيارا للفن المطلق وفي جانب آخر أيضا فإن جمالية الحداثة هاته قد تأسست على الحذر الذي أبداه بودلير بخصوص الموروث الثقافي المشترك في المجتمع و لدى الإنسان البرجوازي أو الجمهورالعريض ، وباختصارشديد الحذرمن هشاشة التنوع
في الأنماط الفنية الجديدة … غير أن صناعات التقنيات هاته قد شكلت قطيعة مع التقليد أي مع التجديد المستمر ومع كل ماهو مصطنع ، لقد كانت هي البلوغ إلى رحابة وشساعة سوق الصور والعلامات الفنية ، بمعنى البلوغ إلى الثراء الدائم لعالم المرئيات … وأخيرا البلوغ إلى ذروة الحداثة .
|