|
حول الفرق بين الصحفي والأديب يقول البعض أنه كالفرق بين الصحافة والأدب.. "فالصحافة مهنة والمشتغل بها صانع أما الأدب شعراً أو نثراً أو رسماً فهو فن.. والأديب هو الفنان الذي يغوص في أعماق المناجم لمتابعة ذرات الذهب ليستخرجها وينقيها من الشوائب والأتربة ويصوغها ويشكلها كما يريد..
أما الصحفي فهو الباحث بين المخلفات ليستخرج من بينها ما يمكن بيعه وتسويقه فلا يعدم وجود حلية ثمينة أو لوحة فنية جميلة.. هكذا بدأت العلاقة تتحلل شيئاً فشيئاً وأخذ الطرفان في التباعد عن بعضهما البعض.. ذلك لأن الصحافة لم تعد في نظر القائمين عليها وسيلة ثقافة وإنما هي أداة إرضاء للمستهلك وهي بهذا لا تحاول أن ترفع من مستوى متلقيها بقدر ما تحاول أن تقدم له ما يرضيه في الإطار الذي يعجبه ويفضله.
وبهذا غدا الأدب في الصحافة ضيف ثقيل ينبغي التخلص منه.. فهو تارة يهمل إهمالاً تاماً.. وتارة أخرى يبعد إلى ركن قصي حيث يتوارى في خجل وحياء وهو أن أطل برأسه ففي استحياء وبمبررات تقدمها الصحيفة بين يديه وكأنما تخشى لوم اللائمين."
وفي هذا الصدد يقول فاروق خورشيد:
"هذا الجيل الجديد من الصحفيين ليسوا أدباء ولا يعرفون عن الأدب إلا ما يعرفه أرباع المثقفين الذين يأخذون من كل شيء بطرف.. وهذا الجيل بالذات هو الذي ساد الصحافة بعد دخوله في مجال منافسة غير متكافئة مع أصحاب المدرسة القديمة من الصحفيين الذين دخلوا الصحافة من باب احترام الكلمة والرأي دونما اهتمام أصيل يجذب أكبر عدد من القراء ".
وعن تجربته الخاصة في حقلي الأدب والصحافة يقول الأديب الراحل فاروق خورشيد في كتابه الذي صدر عام 1961م (بين الأدب والصحافة):" بدأت الصحافة عندنا كاهنة في محراب الأدب تستمد منه وجودها وبقاءها.. كتاب الأدب والنقد هم العمد الأساسية في بناء أي صحيفة وقارئ الأدب والنقد هو المستهلك الأول للصحيفة وكانت الصحف تضطر إلى احتكار أكبر عدد من أصحاب الأسماء اللامعة في دنيا الأدب تفرد لهم أهم صفحاتها وتخضع لاحتياجاتهم التي توضع في الاعتبار وعن طريق هذا التجاوب بين الصحافة والأدب تسللت الصحف إلى مجتمعنا المحافظ المتمسك بتقاليده ذلك بأنها كانت تتجاوب مع ثقافته وذوقه باستمرار فتقدم له الغذاء المعتنى به والاسم الرنان الذي يضمن للقارئ عنده الفكر الناضج والرأي الحر".
وعن العلاقة بين الأدب والصحافة يقول المرحوم أمين الخولي: (إن الأدب فن التعبير والصحافة صناعة الاتجار بالخبر.. ولن يصل الأدب في يوم من الأيام إلى مرتبة الحرفة إلا إذا تنازل عن حريته ومسؤوليته ليخضع لعبودية أصحاب الحرف .. ولذلك فالصحافة خبر وموضوع .. والصحافة توزيع وإعلان .. والصحافة وسيلة إعلام ونشر .. والصحافة لهذا عمل له أصوله وقواعده وله ارتباطه بعوامل أخرى .. ولا علاقة للأدب بكل هذه المؤثرات الخارجية .. وإنما ينبع المؤثر على الكتابة من داخل نفس الكاتب لا من خارجها .. وحتى مؤثرات المجتمع والثقافة وتيارات الحياة لا تؤثر إلا بعد أن تصبح حقائق ثابتة).
من يلتهم الآخر؟
الكثير من الأدباء يقولون أن الصحافة تلتهم الأديب من منطلق أنها تجرف الأديب نحو اتجاه آخر وتسرق وقته الذي كان ينبغي أن يكون حكرا على الإبداع وهو الأمر الذي لا يتفق معه الكثير من العاملين في الصحافة من الأدباء ومن هؤلاء الكاتب والاديب والباحث والإعلامي السوري جان الكسان الذي عمل خمسون عاماً في الأدب والصحافة حيث يقول في إحدى المقابلات الصحفية:" أنا لا أرى تناقضا بين مهمة الصحافة والعطاء الأدبي إلا في أدوات التعبير ، فقد يكون الأديب صحافيا ناجحا أو العكس ، خاصة وان أسباب التفرغ للنتاج الأدبي غير متيسرة بصورة عامة للأدباء العرب.
أنا أخالف جميع الذين يقولون أن الصحافة تأكل الأديب ، بل على العكس إنها تفتح أمامه آفاقا واسعة ليغني تجربته الأدبية ، من خلال معايشة طموح الناس ، بين طموح تطلعاتهم من جهة وانكسار أحلامهم من جهة أخرى أو من خلال الاستطلاعات الميدانية التي يقوم بها الأديب ، وقد عمل كبار كتاب العالم في الصحافة سنين طويلة وأنتجوا أعمالا إبداعية متميزة وفي الوقت نفسه كانوا يتابعون الكتابة الآنية في الصحافة.. والأمثلة كثيرة ومعروفة".
ويمكن الإشارة هنا إلى أسبانيا حيث يوجد تقليد يتمثل بظاهرة الكتاب الصحفيين كما يقول الروائي كاميلو خوسيه سيلا الحائز على جائزة نوبل للآداب.
كما يقول الكاتب والصحفي اللبناني حسن داوود في رده على سؤال صحفي عن العلاقة بين الأدب والصحافة وكيف يكتب رواياته وهو يمارس الصحافة:" لحسن الحظ أن ما أكتبه في الصحافة لا يبعد كثيراً عن الكتابة الروائية لكأنني، فيما أكتب المقالة، أجدني تاركاً نفسي للتخيل وللوصف -الأفكار الخالصة والتقرير الخالص الذي لا يحتوي على ذلك القدر من التعبير الشخصي، لا أجيده- منذ سنوات كثيرة يعذبني أن أكتب خبراً عن كتاب صدر أو عن حفلة موسيقية ستقام، بل ويعجزني أن أرتب المعلومات أيها ينبغي أن يسبق سواه فيما في المقالات التي أكتبها لم أكن مرة بعيداً عن الكتابة الأدبية وإن كان القلم يسير بسرعة أكبر بكثير حينما أكتب شيئاً للجريدة- هذه الكتابة الصحفية ربما كانت أسهل وأكثر إمتاعاً إذ إنه لمعذب أن يجلس الكاتب ساعتين أو ثلاث ساعات من دون أن يحظى بجملة واحدة ترضيه، أقصد هنا كتابة الرواية- كأن واحدنا يعلم من تلقائه ومن وعيه الباطن الفرق بين الكتابة الزائلة تلك التي يبقى دويها الخفيف نهاراً واحداً في ذهن قارئها، وبين الكتابة التي يشعر كاتبها أنها باقية إلى أمد أطول وإلى أمد أبعد".
|