|
إن عملية التراكم المعرفي لهي من الضروريات البارزة لعملية مواكبة العصر كي يتسنى للمتلقي للمعارف مواكبة روح الحداثة .
إن الإنسان بامتلاكه المعارف وحفاظه عليها يجعله في عملية تراكم معرفي كي يستطيع أن يحل بعض الألغاز في عالم المعرفة قد يتعرف الإنسان على معارف نهضوية ويستطيع أن يهضمها آنياً ولكن لا يتعرف على فلسفتها بسهولة مثل هكذا إنسان بحاجة إلى عملية تراكم معرفي نظري وتطبيقي على مستوى النظرية والتطبيق كي يتسنى له معرفة فلسفة النظرية المعرفية التي تلقاها في يوم ما .
إن تراكم المعارف يحد من أزمة المعرفة على حد تعبير بعض المفكرين أي أن مواكبة المعارف بحاجة إلى عملية تراكم معرفي ولكن هذه العملية بحاجة إلى تصنيف واضح لصاحب المعرفة المتراكمة أي أنه لا تراكم المعارف على حساب نظريات معرفية معهودة ومهمة.
إن العلوم الاجتماعية تقوم على حقيقتين أساسيتين احداهما أن الإنسان كائن اجتماعي أما الأخرى فتتصل بالسلوك الإنساني الذي يصدر وفي أشكال أو أنماط مختلفة وفي صورة على قدر كبير من الاطراد والتواتر إننا إذا لاحظنا الإنسان في ممارسته لشؤون حياته اليومية وما يتطلبه ذلك من ألوان النشاط نجد أن أنواع معينة من هذا النشاط تتكرر بنفس الصورة تقريباً أو بمعنى آخر يميل الناس في المجتمع إلى الاتفاق أو التشابه فما يصدر عنهم من سلوك في المواقف المختلفة أو يميلون إلى السلوك بشكل معين إلى حد كبير إن ملاحظة هذه الأنماط السلوكية وإن كانت لا تعني الاتفاق التام بين سلوك الناس في المجتمع إلا أنها تعني أن هناك عناصر مشتركة في هذا السلوك يمكن تجريدها.
والواقع أن صفة الأطراد والتواتر في الظواهر الإنسانية تشكل أساساً لا يمكن إنكاره بالنسبة للعلوم الاجتماعية إذ لولا هذا التواتر لما نشأت العلوم الاجتماعية ودونه لن يتأتى الوصول إلى قواعد عامة أو قوانين هذه الخصائص السلوكية المتواترة التي نلاحظها في علاقات الناس ومعاملاتهم بعضهم مع البعض الآخر وفي حياتهم المشتركة إنما ترجع في المقام الأول إلى الطبيعة الاجتماعية للإنسان وهكذا عني الباحثون في العلوم الاجتماعية بدراسة هذا التواتر بالسلوك الإنساني وفي الحياة الجمعية وقد استخدموا لذلك مفهومين ما زالا من المفاهيم الأساسية في الحقل الاجتماعي وهما الثقافة والمجتمع ومعروف أن العلاقة وثيقة بين المفهومين نظرياً .
وفي الواقع الاجتماعي كذلك وحتى لو أمكن التفرقة نظرياً بينهما إلا أن الظواهر التي يعبران عنها لا ينفصل بعضها عن بعض في الحقيقة والواقع فالثقافة لا توجد إلا بوجود المجتمع ثم أن المجتمع لا يقوم ولا يبقى إلا بوجود الثقافة إن الثقافة طريق متميز لحياة الجماعة ونمط متكامل لحياة أفرادها ومن ثم تعتمد الثقافة على وجود المجتمع ثم هي تمد المجتمع بالأدوات اللازمة لاطراد الحياة فيه لا فرق في ذلك بين الثقافات البدائية والحديثة وذلك أن الثقافة واحدة في كنهها ومصادرها ووجودها المجتمعي ولكن تبقى مسألة هل هي ثقافة تنوير أم لا وهذا يعتمد على منظريها ومطبقيها على المستوى العملي والواقع أن الثقافة تعتبر على نحو ما متفقة بين المجتمعات وعلى نحو ما مختلفة كذلك فإذا نظرنا إليها على قدر عال من التجربة نجد قدراً كبيراً من التشابه بين الثقافات.
أو بمعنى آخر إنه الاتفاق في العموميات والاختلاف في التفاصيل وإذا كانت الثقافة قد حظيت في الماضي في اهتمام علماء الانثروبولوجيا الذين تعرفوا على دراسة المجتمعات البدائية فإن هذه الظاهرة قد أصبحت موضوعاً للعديد من العلوم الاجتماعية في مقدمتها علم الاجتماع نسبة للارتباط بين الثقافة والمجتمع إذ تلعب الثقافة دوراً مهماً في حياة الإنسان بل هي جزء مهم في حياته كعضو في المجتمع ومن هنا تمثل الثقافة مكاناً بارزاً في دراسات علم الاجتماع والانثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية إذ بغير هذه الدراسة لا يستطيع الباحث أن يتعرف على الفرد أو الجماعة أو المجتمع أو يفرق بينهم إن الثقافة بصورة عامة تساعد على التمييز بين فرد وآخر وبين جماعة وأخرى وبين مجتمع وآخر بل أن الثقافة هي التي تميز الجنس البشري عن غيره من الاجناس لأن الثقافة هي التي تؤكد الصفة الإنسانية في الجنس البشري إن الفرد في المجتمع يتفق مع بعض الناس في كل النواحي كما يتفق مع بعض الناس في نواحٍ اخرى ولا يتفق مع أي من الناس في نواح ثالثه وتهتم علوم الفسيولوجي بدراسة الجانب الأول كما تهتم علوم النفس بدراسة الجانب الثالث أما الجانب الثاني فيشكل مجال للدراسة في علوم الاجتماع والانثروبولوجيا تلك هي مظاهر الاتفاق والاختلاف بين الأفراد والجماعات والمجتمعات بناءً على ذلك تصبح الثقافة عنصراً أساسي في حياة المجتمع وفي دراسة المجتمع كذلك فالأسلوب الذي يسير عليه الناس في حياتهم إنما يعتمد على طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع مع بعض الآثار التي تتركها العوامل الجغرافية والبيولوجية وهنا تبرز أهمية الثقافة كعنصر لا غنى عنه في الدراسة التي تهدف إلى التعرف على الحياة الاجتماعية للناس وتفسيرها وفهمها وهي موضوع للبحث العلمي الذي يعنى التحليل والتنظير إزاء هذه الأهمية الاجتماعية والعلمية للثقافة حاول كثير من العلماء الاجتماعيين منذ القرن الماضي وما زالوا يحاولون الوصول إلى تعريف أو تحديد لمفهوم الثقافة وهو أمر ليس باليسير.
|