|
د. مازن عرفة
إن إنتاج المعرفة لدى العقل الفردي,بدءاً من تشكيل البيانات ومروراً باكتساب المعلومات,لاتنحصر في تفاعلات الفضاءات المتشابكة داخل عقل الانسان ووجدانه.
كما أن التركيز على هذه العوالم الداخلية وآليات تفاعلاتها لاعني انفصال الفرد نفسه عن بيئته الطبيعية والاجتماعية.
بل يعود ذلك الى نوع من التحديد النظري الأولي,بهدف دراسة الظاهرة من إحدى جوانبها ومن ثم استكمال البحث في الجوانب الأخرى,مع التأكيد على الروابط المختلفة بين عناصر الظاهرة كلها.
إذ ان اكتساب المعلومات وحدوث التفاعلات داخل عقل الإنسان ووجدانه ليست عمليات ميكانيكية متسلسلة تسير بمنطقية الاتجاه الأحادي,بل هي فعاليات متشابكة متبادلة التأثير بطريقة جدلية,تتنامى خلال سيرورتها لتعطي بالمحصلة خياراً وفعلاً محدداً في لحظة ما.
يستمد الفرد تمايز شخصيته الذاتية من تأثير عوالمه الداخلية,ولكن مايعدل من فردانيته ويدفعه الى التوجه نحو الجماعية,هو ضرورة التعايش المشترك مع أبناء جنسه في بيئة طبيعية أولاً وفي إطار بنى اجتماعية ثانياً.
وبالتالي فإن تشكيل المعرفة لدى الفرد لاينفصل أيضاً عن ارتباطه بالطبيعة وبالمجتمع المحيطين به بسبب التأثيرات الهامة التي يتركانها عليه.
وبمقدار تعقد طبيعة الشخصية الفردية تكتسب المجتمعات تركيباتها المعقدة ايضاً,لأنها تقوم أساساً على عناصرها الأولية المكونة لها,أي الأفراد.
ويقود هذا بالنتيجة الى أن خيارات وأفكار وأفعال الفرد,المرتكزة على معرفته,لاتستند الى آليات التفكير والانفعال في عوالمه الداخلية فقط,بل ويتداخل معها تأثيرات سلوك ونمط الحياة اللذين يعيشهما في إطار بيئته الطبيعية والاجتماعية,أي في إطار ثقافة مجتمع محدد.
ونحن نشير هنا الى الثقافة بمفهومها الانتربولوجي الواسع والشامل لكل نتاجات المجتمع على المستويات المادية والفكرية والروحية جميعها,التي تشكلت بفعل تراكمها التاريخي وفي إطار بيئة طبيعية محددة.
وهكذا يتأطر إنتاج المعرفة الفردية من جديد بشبكة اجتماعية – ثقافية ,تسم افراد مجموعة معينة ضمن اطار حياتهم المشتركة بسمات خاصة,وتنعكس على البناء المعرفي للإنسان باعتباره الوحدة الأولية الأساسية في أي تشكيلة اجتماعية – ثقافية.
وهذا في الحقيقة مايحد من انفلات الفردانية المطلقة,ويدعم بناء التوازنات بين المتطلبات الذاتية والرؤى الجماعية المؤطرة للبنية الاجتماعية بشبكتها القيمية الثقافية.
وهكذا تخضع عملية المعرفة لدى الفرد الى مؤثرات ثقافية متنوعة,تفرضها البيئة الاجتماعية التي يعيش في إطارها,والتي تتدرج داخلها قائمة طويلة من العناصر الفاعلة.
وتضم هذه العناصر العادات والتقاليد وطرق التفكير والرؤى,وخاصة لموقع الانسان في الكون والحياة,إضافة الى نتاجات الممارسات اليومية والإبداعات العملية والفكرية والفنية وأشكال التعامل مع الطبيعة,أي كل مايمكن تأطيره في المحصلة ضمن ثقافة تشكيلة اجتماعية ما.
وتنبع هذه التأثيرات على الفرد من مجموعة معلومات مقبولة جماعياُ, تكونت عبرالتراكم التاريخي التطبيقي,لتشكل في النهاية نوعاً من الخبرات الجماعية التي يستمد منها الأفراد دعماً لقراراتهم وخياراتهم.
وهكذا تتفاعل الخبرات الجماعية مع الخبرات الذاتية الشخصية بطريقة جدلية لتنعكس في ممارسة الأفعال وتشكيل الأفكار.
وعندما نتحدث مثلاً عن تنميط حياة مجموعة ما بعناصر ثقافية مغايرة,تشكلت خارج الإطار التاريخي لبيئتها,فإننا نشيرالى معلومات محددة,هي نتاج أفعال اجتماعية لبيئة أخرى.
وتقوم ببث هذه المعلومات أدوات محددة,هي نتاج أفعال اجتماعية لبيئة أخرى.
وتقوم ببث هذه المعلومات أدوات اتصال قوية التأثير,تستلب عقول ونفوس المتلقين,لتصبح بطريقة قسرية جزءاً من البنى المعرفية التي تتحكم بخياراتهم وأفعالهم.
وهو مايحدث مثلاً في كيفية نشر الثقافة الاستهلاكية العولمية باستخدام المنظومات المسعية – البصرية,التي تسعى الى خلق مواطن استهلاكي عولمي,مستلب الإرادة أمام رغبات اشلراء والاستهلاك.
وفي المجتمع المعلوماتي تقوم العناصر الثقافية,المرتبطة بالإبداعات التقنية وتطبيقاتها,بتكييف الأفراد مع التحولات التقنية الجديدة.
ويتم ذلك من خلال تشكيل بنى معرفية جديدة تساير التحولات الاجتماعية والنفسية الجديدة في هذا المجتمع.
وبقدر ماتتقدم الحضارة الإنسانية تبدأ تعبيرات المعرفة الجماعية في التشكيل أكثر فأكثر من خلال اشكال توثيقية مؤسساتية منظمة,منذ أن وجد الانسان وسائله الأولى لتسجيل وتثبيت معارفه بشكل علمي,بدءاً بالألواح الآجرية مروراً بالحامل الورقي وصولاً الى المنظومات السمعية – البصرية الإلكترونية.
ولاتقتصر هذه المعرفة المنظمة على الفعل المؤسساتي المنتج,أو بشكل خاص على البحث العلمي فيه,وإنما أيضاً على تجميع وتسجيل خبرات الإبداع الإنساني بجانبيه العملي الإنتاجي والشعوري الانفعالي.
وإذا كانت اللغة هي أحد أهم اشكال البنى الرمزية التي تنتظم بها المعرفة الجمعية,من خلال تسجيلاتها المتنوعة,فإن طرق التعبير الموسيقي والفنون التشكيلية وبما فيهما نتاج الثقافة الشعبية تشكل أيضاً مكملاً للجوانب المعرفية,رغم أن طرق تسجيلهما تختلف عن مثيلاتها اللغوية.
وبهذا المعنى تصبح الثقافة والتاريخ والأشكال التنظيمية المختلفة للبنى الاجتماعية مكونات أساسية للمعرفة المؤسساتية المنظمة والمسجلة والمحفوظة للأجيال المتتالية.
ينبغي الإشارة هنا الى إشكالية تحديد مدى النجاحات التي تحققها خيارات العقل في التطبيقات العملية,رغم أن التققيم في مثل هذه الإشكاليات قضية نسبية,تعود الى مدى تمكن العقل من السيطرة على المعلومات المكتسبة ودمجها في السياقات المطلوبة للوصول الى نتائج محددة ذات فعاليات عالية التركيز.
وبعيداً عناختلاف المعرفة بين فرد وآخر,فإن مثل هذه النجاحات لدى فرد دون آخر تتوقف على مانسميه بدرجة الذكاء لديه.
ودون الدخول في تفاصيل الأصول البيولوجية للذكاء ومدى تأثيرات البيئة الطبيعية والاجتماعية على نموه وتطوره,فإن الفروقات بين فرد وآخر بخصوص تشكيل البنى المعرفية وانعكاسها في الأفعال يزيد منها تدخله الحاسم النهائي.
مع الإشارة هنا الى صعوبة قياس المعرفة ودرجة الذكاء عند الأفراد,ذلك أن التعامل يتم هنا مع مفاهيم مجدة ورمزية تعيش داخل الأدمغة,وليس من السهل تحديدها ووضع سلم معياري نموذجي لدرجاتها أو فروقها بين فرد وآخر.
يسيطر الذكاء على آلية تشكيل المعرفة من خلال القدرات العقلية النوعية,حيث تبرز هنا فاعلية العمليات الاستدلالية والمنطقية في معالجة المعلومات المكتسبة.
فالقدرة على التعميم والتجريد واكتشاف الروابط بين الحوادث المتباعدة تسهم في إيجاد حلول لخيارات ومشاكل صعبة,يستيطع الفرد من خلالها التكيف مع المواقف الطارئة والصعبة,لتبرز عندئذ معرفته في التطبيق العملي كأسلوب حياتي ناجح أم لا.
إن فعالية هذه العمليات الفكرية النوعية هي التي تسمح للعقل بالتعامل مع الأخطاء وتحسين الأداء في الأفعال الشبيهة القادمة.
وهكذا يبدو في النهاية أن هناك سيرورة حياة جدلية تنتظم فيها مفاهيم مجردة,يتحدد من خلالها إدراك معنى وجودنا الإنساني وموقعنا في الحياة والكون.
وتبدأ هذه السيرورة "بالبيانات" ثم "المعلومات" فالمعرفة,لتنتهي "بالثقافة".
ولاتنفصل هذه السيرورة عن حياة الانسان نفسها بغناها وتنوعها,فهو مركزها وهو المنظور الذي يتم من خلاله إدراك آليتها,بحيث تمثل الجانب الفكري والوجداني الذي يعطي المعنى لوجود الانسان في الحياة والكون,وذلك مقابل الجانب البيولوجي المرتبط بالحاجيات الأساسية الطبيعية التي تضمن حياته ككائن.
وهذه السيرورة ليست خطية الاتجاه ذات تسلسل منطقي محدد المعالم,بل إن عناصرها تتبادل في كل لحظة العلاقات والتأثيرات فيما بينها من جهة وبينها وبين العالم الداخلي والعالم الخارجي للإنسان من جهة أخرى,ففي حين يكتسب الإنسان المعلومات بشكل مستمر فإن عقله لايتوقف أثناء ذلك عن إنتاج المعرفة,المحكومة في الوقت نفسه بالتأثيرات الثقافية وبسمتويات الذكاء المختلفة,ليمارس فعلاً أو خياراً أو يبدع فكرة في كل لحظة.
www.balagh.com
|