يعد الكتاب مادة أستخدام يومي في المجتمعات الحداثية المعاصرة,يرافق الفرد منذ طفولته ويستمر معه أثناء مراحل تعلمه,وينتقل معه دائماً بشكل أوبأخر في حياته المهنية وفي ملء أوقات فراغه.
وإذ تشكل نصوصه نظاماً تراكمياً تاريخياً من الإنتاج الإبداعي للإنسانية فإنه يقوم من خلالها بتلبية الاحتياجات الروحية والفكرية والثقافية والعملية للأفراد في المجتمع,ويدعم المشاريع التنموية فيه.
ولكن الى جانب هذه الأدوار الاجتماعية للكتاب في العصور الحديثة فإن للأفراد ارتباطاً نفسياً عميقاً به وبكيفية التعامل معه واستخدامه كمادة من الأشياء المحيطة بهم,وذلك من خلال اشكال طباعته وطرق تداوله وانتشاره,وهو مايدل أيضاً على تراكم تاريخي في الحياة من قبل أجيال متعاقبة.
يتكون الكتاب,مثله بقية أوعية المعلومات الأخرى,من ثلاثة عناصر تحدده وتميزه عن أشياء كثيرة محيطة بنا,ونتعامل معها يومياً.
فهو يتكون أولاً من أفكار ومعلومات,هي نتاج الفكر الإنساني في إبداعاته تارخياً.
وهو ثانياً تجسيد مادي لهذاالنتاج في رموز وإشارات ذات دلالات,تحددها منظومات لغوية,لتكون نصوصاً مطبوعة تضمها بنية مادية حاملة لها بأشكال محددة.
ويتضافر المضمون مع البنية المادية معاً ليقررا العنصر الثالث للكتاب وهو ظيفته كأداة اتصال اجتماعية,وما يتفرع عنها من وظائف تابعة.
ويعني هذا تلازم العناصر الثلاثة معاً لتحديد مفهوم الكتاب في كونه أداة اتصال رمزية,تمثل المشاركة الاجتماعية في نظام تراكمي متنوع,أسهمت في انتاجه عدة جهات ابداعية متوزعة زمانياً ومكانياً وفي مختلف المجالات المعرفية,ليحقق بذلك وظائف فكرية وروحية وعملية في المجتمع.
ويرتبط هذا المفهوم بكون طريقة تنظيم مادة الكتاب الفكرية والمعلوماتية وطرق وأشكال عرضها المادي تلعب دوراً حاسماً في تحقيق وظيفته الاتصالية والاجتماعية.
عادة ما يبحث القارىء في الكتاب عن المضمون ,اي عن الأفكار والمعلومات المجسدة في نصوص,في حين تشكل بنيته المادية الوعاء الحاوي لها,والتي تؤمن الاتصال البصري لرمزها المطبوعة على صفحاته.
وتأتي عالمية الكتاب وسيطرته حتى الآن,كأهم وعاء معلومات وأكثر أداة إيصال اجتماعية فعالية في المجتمعات المعاصرة,من الشمولية الكاملة للمواضيع التي يحملها مضمونه ومن الأشكال المادية العملية التي يعرض بها.
فهو أداة مفتوحة لكل النصوص بمختلف تنوعاتها ومستوياتها,والتي تعبر في تجسدها على الورق عن وجود الإنسان بفعله وتفكيره وضمن إطار معيشته في بيئة طبيعية واجتماعية محددة.
وتعرض هذه النصوص انعكاس عوالمه الداخلية برؤاه وطرق تفكيره وانفعالاته ومشاعره,المترابطة جدلياً مع فعله المنتج ضمن بيئته الطبيعية وضمن شبكات التنظيم الاجتماعي التي تؤطر حياته.
ويعني هذا أن الكتاب أداة مفتوحة بنصوصه لجميع نشاطات الإنسان في مجالات الحياة كلها وبتنوعاتها الغنية.
ومن هنا ينبع تنوع وتعدد الفروع المعرفية التي يحاول الإنسان أن يمنهج بها ويقونن ويؤطر معارفه التي وصل اليها,ومن هنا أيضاً يأتي غناها وتطورها وولادة الجديد منها في مسايرتها وانعكاسها لسيرورة الحياة المعاصرة وتعقيداتها.
والنصوص في الكتاب هي فعل إبداعي للإنسان,يخلق بها عوالم جديدة بما يملكه من طاقة حيوية خلاقة متجددة في داخله,فيشعره هذا بكينونته وتميزه كفرد مبدع يتحكم بما أنتجه.
والانسان لايحقق بعضاً من كماله إلا عندما يجد ذاته بفعل خلق يبدعه,وهو يستخرج هنا على الورق ما بداخله من رؤى وانفعالات ومشاعر ليجسدها في نص مكتوب,هو صورة للتحول الطاقي الفكري الى واقع فعلي موجود.
والإنسان يوجد ويشعر بكيانه عندما يفعل,أي عندما يراقب ويفكر,فيرتب ويسمي ويعبر,ليحول ما هو ضبابي وهلامي وغير مصنوع وغيرمسمى في داخله الى تعبيرات نصية محددة,مجسدة على الورق وما لايستخرجه من الداخل لايصاغ فعلياً ,بل يضيغ في صور الوهم وأحلام اليقظة.
والنصوص المكتوبة هي أحد الأشكال التعبيرية الإبداعية عن حياة الإنسان وفعله وهي بهذه الطرقة تقابل الصورة في العوالم البصرية ,والأنغام والالحان في العوالم السمعية وحركات الجسد ورقصه في العوالم الحركية,وذلك في تجسيدها لمشاعره وعواطفه ووجدانه,وهو ماينسحب على الأشكال الإبداعية الأخرى.
غير ان لكل فعل إبداعي هنا فضاءه الخاص وقوانينه الداخلية وطرق تعبيره بما يميزه عن الأفعال الإبداعية الأخرى,مع أنها تشترك كلها معاً في استخراج مابداخل الانسان وتجسده في شكل مادي تعبيري محسوس.
والنصوص المكتوبة أيضاً,مثلها مثل الأشكال التعبيرية الأخرى,تبقى في نطاق تداول محدود إذا لم تمتلك أداة إيصال قوية وفعالة,فتنحصر عندئذ في إطارتجربة فردية شخصية محدودة.
إلا أنها عندما تطبع في كتاب تصبح تجربة مفتوحة أمام الجميع,وتتحول عندئذ التجارب الفردية الشخصية الى منهل لدائرة واسعة من المتلقين.
ومن خلال هذه التجارب الفردية الشخصية المتنوعة لأفراد مختلفي المشارب والرؤىتغتني دائرة الانسان والمجتمع بمعلومات ومعارف وخبرات جديدة,تساهم في تنظيمها وعقلتنها بتحسين الحياة ومعرفة العالم المادي والروحي بشكل أعمق.
وبالتالي فإن الكتاب ينتمي الى مجموعة الأدوات التي تتعامل مع الثقافة الرمزية,والتي تترك تأثيراتها الفاعلة على بناء شخصية الإنسان وعلى اتخاذ قراراته,مما ينعكس بالتالي على ثقافة وجوده وتفاعله مع أفراد مجتمعه وتعامله مع البيئة الطبيعية المحيطة به.
ان التنوع والغنى في عالم الكتاب ينبع من فضاءاته الشاملة لمجالات الحياة كلها,والمفتوحة على المعارف والفعاليات التي تعكس نشاطات الإنسان جميعها.
وهو مايجعل مواضيعه لاتحدها أية أطر أو آفاق أو حدود معرفية,ولا حتى تقييدات مرتطبة بمحرمات أو ممنوعات سائدة في مجتمعات بعينها,فمواضيع الكتاب مفتوحة انفتاح الحياة بتشابكها ولاتناهيها,لتلبي الرغبات اللامتناهية لأفراد ينتمون الى تركيبات اجتماعية – ثقافية مختلفة.
حيث الفروق نفسها تتمظهر وتتنوع بشكل كبير جداً في التركيبة الواحدة,فإلى جانب التقسيم التقليدي للفروع المعرفية وموضوعاتها,والتي يتلقاها الأفراد عادة في المؤسسات التعليمية والتربوية,فإن الكتاب يتناول أيضاً تفاصيل الحياة اليومية البسطة والعملية,المتعلقة بالحياة الفردية والأسرية.
ويدخل في هذا النطاق مسائل الطبخ والتسليات والألعاب والإرشادات الصحية والعناية بالحدائق المنزلية والرياضة والأسفار وتربية الأطفال وكيفية الحصول على عمل واستثمار الأموال.
ومع معالجته لقضايا الفكر والأدب فإن الكتاب يصل الى النصوص الدينية والسياسية التي تمتلك القداسة بفعل مريديها,فينزع عنها سحرها ويجعلها يومية مألوفة ومتداولة لدى الآخرين.
فهو مفتوح لكل المواضيع التي تدخل عالم المحرمات في مجتمعات بعينها,لاعتبارات سياسية أو اخلاقية أو دينية,وهو يقدم مثلاً المواضيع الجنسية الفاضحة,وجرائم التعذيب والقتل الفاحشة,والنصوص المضادة للأديان,والإيديولوجيات المتطرفة عنصرياً أو طائفياً أو أثنياً,والأفكار والتعليمات المتداولة سرياً لطوائف أو جمعيات محددة.
ولهذا فإن التنوع والغنى في الالمواضيع يجعل من الصعب أحياناً تأطيرها داخل فرع معرفي محدد,لتشابكها تشابك تفاصيل الحياة الإنسانية نفسها,في حين تتحدد حقائقها بنسبية معرفية أو أخلاقية لمجتمعات محددة.
وهكذا فبمقدار صعوبة وصف الحياة الإنسانية وتفاصيلها اللانهاية فإن الصعوبة نفسها تنطبق على وصف مواضيع الكتاب ذاته,لأنه يعكس الحياة نفسها.
www.balagh.com
|