ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

اللغة العربية بين المعرفة والمقدس

د. محمد عابد الجابري
المصدر: مركز دراسات الوحدة العربية
ما هي العناصر التي توفرت لهذه اللغة (اللغة العربية) دون غيرها من اللغات الاسلامية لتجعلها مكوناً مركزياً في بنية تفكيرنا؟ هل لانها فقط لغة النص القراني ام ايضاً لطبيعة نسقها وللعمق التأريخي لتداولها واستعمالها..
مبدئياً جميع اللغات مقدسة عند اهلها. فليس هناك شعب يرى النقص في لغته, فهو ان لم ير فيها الكمال يؤكد قابليتها للكمال.
كنت زرت خلال هذه السنة اليابان فكان من جملة ما لاحظت تمسك اليابانيين بلغتهم اكثر من تمسك العرب بلغتهم, وكمظهر واحد فقط اشير الى ان اليابانيين في الندوة التي حضرتها كانت لغتها الرسمية الانكليزية كانوا يتدخلون كلهم باليابانية ويتركون الترجمة الفورية لتترجم كلامهم الى الانكليزية او العربية. هذا في حين انهم جميعهم يتكلمون الانكليزية. ليس هذا وحسب, بل لقد كان من الامور المثيرة هي انهم عندما وضعوا الواح الاسماء على طاولات الندوة كتبوا اسماء اليابانيين باليابانية وحدها وأسماء الوفود الاخرى بالانكليزية. فعلوا ذلك من دون اي شعور بالنقص ومن دون اي شعور بالتقصير في حق الضيوف وهم جميعاً لا يعرفون اليابانية.
ومنذ سنوات كنت في اسبانيا وطلبت مكالمة هاتفية من بدالة القسم الدولي وكنت اتحدث بالفرنسية فأجابتني: انت الان في اسبانيا وعليك ان تتحدث بالاسبانية ثم قطعت الخط.
اذاً, جميع اللغات مقدسة عند اهلها وجميع الامم تعنى بلغاتها, فهناك مجاميع لغوية عليا في فرنسا وانكلترا والمانيا وغيرها مهمتها ضبط اللغة: ضبط الدخيل والمولد والاشتقاق.. والتقرير في ما يجوز وما لايجوز.
والعرب يحبون لغتهم ويقدسونها, وهذا من حقهم. ولعل انفراد اللغة العربية بنفسها اليوم, اعني عدم ارتباطها بغيرها من اللغات (كما هو الحال في اللغات الاوروبية التي تربط مع بعضها في مجموعتين او ثلاث), لعل اللغة العربية بنفسها هو ما جعل المتحدثين بها يشعرون بانتمائهم الى فضاء لغوي مستقل ويعتزون بهذا الاستقلال.
انا لا اعتقد ان تقديس العرب للغتهم يحمل طابعاً دينياً. فمع ان القران نزل بـ "لسان عربي مبين" فانني لا استطيع ان اجزم بان الجانب الديني له دور في حب العرب للغتهم. واذا نحن استعرضنا اولئك الذين خدموا العربية وتعصبوا لها, فاننا سنجدهم انا مسلمين غير عرب واما عرباً غير مسلمين, اعني مسيحيين. ويكفي ان نشير الى علماء اللغة والبلاغة ومؤلفي القواميس والمعاجم في العصور القديمة لنجد ان الاغلبية الساحقة منهم من اصل غير عربي. اما اذا نظرنا الى العصر الحاضر فانا سنجد ان الذين قاموا بخدمة اللغة العربية وادابها في عصر النهضة الحديثة كانوا من المسيحيين العرب.
اذا, انا اعتقد ان الدين لم يكن له دور اساسي في حب العرب للغتهم, بل ان الانتماء الثقافي وبالتالي اللغوي هو الذي جعل العرب يحبون لغتهم, مثلما يحب غيرهم لغاتهم بفعل الانتماء الثقافي واللغوي.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R