ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الإنسان.. كائن مفكر /الجزء الثاني

إن هذه المبادئ نفسها – مبادئ التعلم الشرطي- تنطبق على الإنسان أيضا , فالمنبه الشرطي – السابق على المنبه الطبيعي- يقوم مقام المنبه الطبيعي , ولتوضيح ذلك نقول إن هذا الموقف يتضمن ثلاثة عناصر , هي :
1- الموقف الأصلي : وليكن الطعام.
2- الموقف البديل: وهو صوت رنين الشوكة.
3- الكائن الحي : وقدراته الحسية التي تمكنه من الربط بين الموقف الأصلي والموقف البديل المصاحب له والسابق عليه.
إن هذا الموقف البديل ما هو إلا إشارة أو علاقة تنم عن الموقف الأصلي ووقوعه الوشيك , والجدير بالذكر أن عالم الحيوان عالم حسي أساسا , فهو يعتمد في تعامله مع الأشياء المحيطة به على إمكانياته الحسية الفائقة القوة.
والنشاط العقلي للحيوان هو نشاط إشاري ثلاثي الأبعاد ويستند إلى القدرة على إقامة الروابط الحسية بين المنبهات الأصلية وإشارتها التي تنم عنها , وهي جزء طبيعي من الموقف الأصلي , فالدخان علامة على النار أو إشارة إليها , على الكائن الحي أن يدركه كما هو , فإذا استطاع إدراك هذه الصلة الحسية الطبيعية بادر بالهرب من النار المشتعلة عن البعد في الغابة إذا ما رأى الدخان أو شم رائحته.
عالم الحيوان إذن هو عالم الأحاسيس البسيطة العميقة والدقيقة والشديدة التمايز والثراء , ولكن هذه الأحاسيس تكون على مستوى الحواس فحسب , ومن ثم فإن عالم الحيوان هو عالم الحاضر والتصرف حيال هذا الحاضر , والتواصل لدى الحيوان تواصل حسي آني , فصيحة الجوع لدى ذئب يلتقي بفريسة لا تصدر عنه إلا في هذا الموقف العيني الفعلي الآني , إنه يقدم على فريسته ويلتهمها , لكنه لا يستطيع أن يتناقل بعد ذلك (بعد يوم أو أسبوع أو شهر) مع أفراد نوعه خبر هذه الفريسة وكيف عثر عليها ...الخ, والأمر بالمثل في كل ما يصدر من جميع الحيوانات من أصوات , إنها تماما مثل صرخة الألم عند الإنسان إذا ما لحق به أذى أو إصابة مكروه , فالصرخة عند الإنسان تعبير فسيولوجي مباشر عن الإحساس بالألم , لذلك فهي واحدة لدى جميع البشر , على عكس الكلمات المختلفة والتي تتعدد بتعدد لغات البشر وتصور أحوال الألم والخوف والخطر...الخ
غير أنه من الضروري الإنتباه إلى طبيعة الإنسان الكيفية و وما يعنيه ذلك من ضرورة تمييزه بنوع أو كيف من النشاط العقلي الخاص به والقاصر عليه , وهو النشاط العقلي الرمزي , فالإنسان وحده هو الذي يستطيع التعامل مع الأشياء في غيابها , إننا هنا بإزاء نقلة كيفية , إننا بأزاء وحدة الحضور والغياب .
فما يقع في الماضي وينتهي أمره أصبح غيابا , يصير حاضرا بفضل الحياة النفسية الفعلية الداخلية لدى الإنسان , ممثلة في الصور المستمدة من الذاكرة والتصورات الذهنية , التي يمكن استعادتها بواسطة الرموز اللغوية ومعايشتها , أي تحويل الماضي الغائب إلى حاضر , وهكذا أصبح في مقدور الإنسان أن يدير ظهره لهذا العالم ويبقى محتفظا به مبقيا عليه , يعرف العامة والفلاحين في بلادنا مثلا مهارة الحمير البالغة في حفظ الطريق , ويتندرون بعجز الإنسان –مقارنة بالحمار- عن الإهتداء إلى طريق , ومع ذلك فالإنسان وحده يستطيع القيام بالآتي:
أولا : أن يرسم خريطة لهذا الطريق.
ثانيا : أن يصف هذا الطريق للآخرين.
ثالثا : أن يسير في هذا الطريق دون سابق خبرة أو معرفة ويصل إلى مراده معتمدا على الخريطة أو الوصف.
إن هذا يرجع إلى قدرة الإنسان على التصور الذهني للأتجاه من شمال وجنوب وأعلى وأسفل.
وعلى أية حال فقد فطن الفلاسفة إلى أن أهم ما يميز الإنسان هو عقله , ولذا عرف أرسطو الإنسان بأنه حيوان عاقل , على أن المدرسة الكانطية الجديدة – أي تلاميذ الفيلسوف الألماني إمانويل كانط , وعلى رأسهم أرنست كاسيرر وسوزان لانجر – قد حددت طبيعة هذا العقل في مقابل العقل الحيواني بأنه عقل رمزي , وعلى هذا فإن النشاط العقلي الحيواني هو نشاط إشاري (أي يعتمد على الفعل المنعكس الشرطي) , أما النشاط العقلي الإنساني وفهو نشاط عقلي رمزي , مع العلم بأن الإنسان يشارك الحيوان في النشاط الإشاري.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R