ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الانسان.. كائن مفكر/ الجزء الاول

د. حسين علي
لا شك ان النمر يسبق الانسان في العدو, كما يستطيع الاسد ان يقاتل افضل من الانسان, وتمتلك الطيور قدرة فائقة في الطيران,ولكن الانسان يتميز عن كل هذه الكائنات بميزة كبرى تلك هي العقل.
يستطيع الانسان بفضل عقله هذا ان ينظم الاصوات المركبة ويكون منها كلاماً ذا معنى لتوصيل افكاره الى غيره من الناس كما يستطيع ان يسجل هذه الافكار بالكتابة والطباعة لينقلها الى سواه, وان يتأمل هذه الافكار ويعيد تنظيمها بأشكال شتى ليحصل على معلومات جديدة, او يصل الى نتائج عن اشياء لا يستطيع ان يراها او يسمعها او يلمسها, وبعبارة اخرى انه يستطيع ان يعقل.
وفي هذا الصدد تتمكن عقولنا من الوصول الى مجالات هي ابعد ما تكون عن ان تصل اليها الحيوانات.
وقد تمكن الانسان بفضل قدرته على التفكير, فضلاً عن قدرته على الكلام واستخدام يديه بمهارة, من ان يخترع السيارات التي تسبق النمر في سرعة عدوها, والطائرات التي تخلف اسرع من الطيور وراءها والالات الرافعة, والجرافات التي ترفع اضعافا ما يستطيع اي حيوان ان يرفعه.
اذا كان الانسان هو امتداد لبقية الكائنات الحية, فانه في الوقت نفسه يختلف عن بقية افراد هذه المملكة, وهو بصورة تجسيد للوحدة الجدلية التي تقوم على التناقض, هذا التناقض قوامه التشابه والاختلاف.
ان الطبيعة البشرية فريدة تماماً لانها تجمع بين صفتين تبدوان متعارضتين في الظاهرة, وهما: الحيوانية والتفكير, لذلك درج اغلب المفكرين منذ قديم الزمان على تعريف الانسان بانه حيوان مفكر, فهو حيوان لانه يسارك بقية جنسه الحيواني في النزوع الى اشباع حاجات الجسد, وتحقيق مطالب الغريزة فيسعى الى طلب المأكل والملبس والمأوى والانيس استمراراً لحياته وحافظاً على نوعه, ويصدر في سلوكه عن بعض المنازع الطبيعية مثل الحب زالكراهية والتملك, ويسعى بحكم دوافعه الطبيعية الى الانتماء لجماعة يعيش بينها حفظاً وتأميناً لسلامته.
غير ان الانسان – على الرغم مما فيه من هذا الجانب الحيواني – يمتاز بجانب اخر فريد لا نجد له نظيراً عند غيره من الحيوانات. فما عسى ان يكون هذا الجانب الانساني الفريد الذي يتميز به الانسان عن الحيوان؟ هنا اختلف المفكرون في تحديد هذا الجانب, وتباينت بشأنه اجاباتهم.
فحاول بعضهم ان يلتمسه في صفة "الاجتماعية" تلك التي لا تظهر بصورتها الدقيقة الا في افراد الانسان, فقيل: ان الانسان "حيوان اجتماعي", وشاء بعضهم ان يصل اليه على اساس تنظيم المجتمعات من الناحية السياسية, فقيل: ان الانسان "حيوان سياسي", وذهب اخرون الى انه "حيوان اخلاقي"... الخ.
ومن الملاحظ ان هذه التعريفات وما اليها انما تفترض مقدماً ان الانسان – على عكس الحيوان – قادر على ان يتدبر شئون حياته, ويعي امور معيشته ويزن نتائج عمله, اي اه – باختصار – يصدر في سلوكه عن رؤية وتعقل وتفكير.
ومن هنا تأتي قوة التعريف التقليدي للانسان بانه "كائن مفكر" او "حيوان عاقل". لاننا لو سلمنا بان الانسان مفكر او عاقل كان من الطبيعي ان يصبح اجتماعياً او سياسياً او اخلاقياً, وبذلك ترتد جميع التعريفات السابقة الى هذا التعريف الاخير.
ولكن رب سائل يسأل: هل صفة التفكير هي صفة فريدة في الانسان؟ الا نستطيع ان نلتمس في سلوك الحيوان حين يواجه مشكلة معينة ضرباً من ضروب التفكير؟ الواقع ان سائلنا هذا ليس مجافياً الصواب تماماً, اذ قد ينطوي سلوك بعض الحيوانات في مواقف معينة على شكل من اشكال التفكير, حقيقة ان التفكير عند الانسان يختلف – من حيث الدرجة على الاقل – عن "التفكير" عند الحيوان ويبدو ان هذه الدرجة قد بلغت حداً من العظم يتعذر معه ان تطلق صفة "مفكر" بمعنى واحد على كل من الانسان والحيوان, ويصبح استخدام هذه الصفة مقصوراً على الانسان, فهو وحده – دون سائر الحيوانات – الذي يتمتع بنعمة الذكاء او العقل.
غير ان بعض المفكرين من رجال علم النفس يأبون ان يجعلوا الحيوان خلوا من هذه النعمة, فراحوا يتحدثون عن "العقل الحيواني" و "الذكاء الحيواني" وكأنهم يريدون تضييق الفجوة التي نتوهمها قائمة بين الانسان والحيوان, ولعل التجارب التي يجريها بعض علماء النفس على سلوك بعض الحيوانات, ويأخذون نتائجها ليطبقوها – ولو بحذر شديد – على سلوك الانسان دليل على اعتقادهم بأن ذكاء الانسان لا يختلف اختلافاً جوهرياً عن ذكاء الحيوان.
يتشابه الانسان مع الحيوان في مبادئ التعلم الشرطي, ويمكننا في هذا الصدد ان نشير سريعاً الى تجارب العالم الروسي الشهير "بافلوف" التي اجراها على الكلاب.
لقد اكتشف هذا العالم وجود نوعين من الاستجابات او الافعال المنعكسة هما:
1- الفعل المنعكس.
2- الفعل المنعكس الشرطي.
وجد ان الكلب يستجيب – عندما يكون جائعاً – لرؤية الطعام, أو شم رائحته بافراز اللعاب. افراز اللعاب في حالة الجوع هو الفعل المنعكس الطبيعي التلقائي الذي لا يحتاج الى تعلم او تدريب. وهو مشؤوط بالتكوين العصبي للكائن الحي, بقدراته الحسية: القدرة على الابصار, على الشم, على السمع, ... الخ.
اننا اذا ما غرسنا دبوساً في ذراع شخص ما فانه يسارع بسحب ذراعه, وهذا ايضاً فعل منعكس, كما ان انكماش حدقة العين عند رؤية ضوء ساظع هو ايضاً نموذج للفعل المنعكس.
هذا فيما يتعلق بالفعل المنعكس, فماذا عن الفعل المنعكس الشرطي؟
لاحظ "بافلوف" ان الحيوان "الكلب" موضع التجريب كان لعابه يسيل ليس فقط عند اطعامه, وانما يتم ذلك ايضاً عند سماعه وقع اقدام المجرب قادماً نحوه. فبدأ يجري تجارب استوفي لها كل شروط الدقة المألوفة في التجريب المعملي, بما في ذلك القياس الكمي. فاذا طرق شوكة رنانة ذات تردد معلوم قبيل الاطعام مباشرة, وكرر ذلك عدة مرات فان لعاب الكلب كان يسيل لمجرد سماعه الرنين دون طعام. ويظل الحيوان يستجيب على هذا النحو فترة طويلة "تنطفئ" بعدها الاستجابة, اذا لم تعزز بتقديم الطعام. اطلق "بافلوف" على هذه الاستجابة: "الفعل المنعكس الشرطي" من حيث ان المنبه "الشوكة الرنانة" ليس منبهاً طبيعياً لافراز اللعاب, وانما اكتسب هذه الصفة فأصبح منبهاً "مشروطاً" لسبق اقترانه بالطعام, وهو المنبه "غير المشروط".
وهكذا كشف هذا العالم عن امكان وجود عقل لدى الحيوان يحكم استجابته للعالم المحيط به. ان المنبه الشرطي والاستجابة الشرطية هما نوعان من التعلم يستطيع الحيوان اكتسابهما. واصبح القانون هو انه:
"اذا ما ارتبط منبه محايد بمنبه طبيعي واقترن به, ادى هذا المنبه البديل – او الشرطي – الى احداث الاستجابة التي كان يحدثها المنبه الاصلي".
واصبحت هذه الاستجابة تسمى الاستجابة الشرطية.
وهذا هو اساس نظريات التعلم السلوكية.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R