ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الفن.. والقبض على الزمن الحاضر
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د.خالد الحمزة
يركز الكثير من الدراسات في مجالي تاريخ الفن ونقده على العلاقة بين الأعمال الفنية وبين الزمان والمكان,اللذين أنتجت فيهما تلك الأعمال.
وتختلف درجة أهمية هذه العلاقة باختلاف الفلسفات والمناهج وطرق البحث وزوايا النظر التي يتبعها الباحثون.
ونلحظ تكرار مقولة إن الاعمال الفنية ماهي,بشكل او بآخر,إلا انعكاس لزمانها ومكانها,ويعني ذلك ان الفنان – متمثلاً لعصره,بوعي أو بلا وعي منه – يترك آثار خصائص بيئته الفكرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية في الأعمال الفنية التي يبدعها.
هذا الاهتمام الكبير بالزمن كفترة أو كعصر,كما هو متعارف عليه,أدى من بين عوامل أخرى الى التقسيمات المعروفة في تاريخ الفن بتتايع العصور أو الفترات الفنية.
وتبرز من بينها التقسيمات التي تعتمد على الزمن بالدرجة الاولى دون المكان,أي ان هناك فترات تاريخية اتسم كل منها بخصائص اسلوبية لاتتقيد كلية بمكان محدد بمعناه الاجتماعي أو السياسي,ولكنها تنتشر في بقعة جغرافية تتعدى تلك التقسيمات.
تعتبر الأعمال الفنية كلها – كما العناصر الطبيعية,وكما أيضاً المنجزات المادية الأخرى التي أنتجها الانسان – سجلا للزمن لما يعتريها من تغير بسبب العوامل المؤثرةفيها والتي تستغرق زمنا ما,وهذا التغير هو المقصود بالعبارة الشائعة "أثر الزمن".
والواضح ان هذه العبارة مجازية,فليس للزمن بذاته أي أثر,وإنما الأثر آت من العوامل كما أسلفنا.
ويمكن القول إن أي مجال فني,في هذا السياق ,له تاريخه وتظهر عليه آثار الزمن,وبالطبع وفقا للظروف التي مرت عليه.
وبذا يكون للعمل الفني عمر خاص به يحيا خلاله,ويتمثل هذا العمر في ولادته وتنقله بين المالكين,سواء أكانوا أفرادا أو مؤسسات ,ومايطرأ عليه من تغيرات في أثناء رحلته تلك,وصولا الى حالته الراهنة.
ويلحظ أن الاعمال الفنية تتنوع من حيث معرفتنا بالعمر الخاص بكل منها.
فهناك أعمال فنية بقيت مجهولةولم نعرف حتى بوجودها,فتاريخها مختلف وكامن الآن,ولكنه سيكتب إذا قدر لها الظهور إذا ما رافق هذا الظهور اكتشاف معلومات عنها.
وهناك أعمال عرفنا عنها اليسير من المعلومات المكتوبة,ولكنها لم تعد موجودة ولم يبق لها أي وثائق بصرية بأي وسيلة كانت.
وتوجد أعمال فنية أخرى نعرف عنها أكثر ولها وثائق بصرية ,ولكن هذه الاعمال قد اندثرت واختفت.
وهناك اخيرا أعمال فنية باقية,ونعرف عنها كثيراً أو قليلا عن تاريخها الخاص منذ إبداعها وحتى الآن.
وإذا انتقلنا خطور الى الامام نجد مفهوما أخر للزمن تشترك فيه ايضا الأعمال الفنية مع الأشياء المادية الاخرى,ألا وهو حملها للزمن وبمعنى مجازي كذلك.
ونقصد بهذا الحمل كونها تسجيلا ماديا للزمن الذي استغرقه إنجاز كل منها.
فالعمل الفني يتطلب إنجازه زمنا يعتمد على عوامل شتى,منها مزاج الفنان في العملية الفنية والتقنيات التي يتبعها ,والمراد التي يستعملها والظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة به أو المؤثرة فيه أثناء العمل.
ويبنغي القول إن هناك خاصة للزمن المستغرق في إنتاج العمل الفني على عكس ما حاولت الحداثة تأكيده من أن ليس لهذا الزمن أي أهمية في تقديرنا الفني له,فالمهم في النهائة هو ما يحققه من قيم فنيه.
وهذا التوجه يتفق مع تقدير الحداثة المبكرة عموما للمنتج الفني النهائي,الذي اخذ في التهاوي أمام التوجهات الحديثة المتأخرة ومابعد الحديثة,وتقديرها الأكبر للعملية الفنية نفسها,سواء في الإبداع أو في التلقي أو في التداخل بينهما منخلال تشارك المبدع والمتلقي,"فالزمن الذي اقدره فيما يخص إنتاج العمل الفني يؤثر في المدة التي سأشاهد بها العمل.
ليس الزمن شيئا قد قبض عليه في الفن فحسب,بل يغير الفن الزمن ويغير المتلقون الزمن في الفن".
وهذه التوجهات بدأت في إعادة النظر في جميع جوانب العملية الفنية ,ومنها إعادة الاعتبار الى الزمن باعتباره جانبا مهما في هذه العملية.
فللأعمال الفنية المعاصرة سياق زمني خاص بكل منها,تتوالى مراحله بتناغم متوافق أو متضاد مع الزمن العام أو التاريخي.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R