ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

لماذا يعتبر العلم أساسي في علم النفس؟

د. فاروق مجذوب
اننا نلاحظ العالم والكائنات التي تحيط بنا, نحلل افعالنا وردات فعلنا امام المثيرات الخارجية, ونلاحظ سلوك الاخرين ونحاول من ثم اعطاء معنى معيناً لكل ما نلاحظ. زتبعاً لذلك, فاننا جميعاً علماء نفس هواة. الا ان علم النفس هو حقل يكون فيه اداء الهواة عادة ضعيفاً بالرغم من ان ذلك ليس تجربتنا الخاصة. فنحن نفكر من خلال تجربتنا اليويمة, بأن رؤية الشيء وادراكه بحواسنا يؤدي بنا الى فهم الشيء وتمثيل حقيقته. الا ان علم النفس يبرهن لنا بأن اجهزتنا الادراكية هي محدودة ومتحيزة وعرضة لكل انواع التشويش والخداع. اننا نتذكر ما حدث لنا سابقاً, وكيف اثر علينا هذا الحدث, الا ان علم النفس يبين لنا بأن ذاكرتنا هي ضعيفة, غير ثابتة ودائماً منحازة باستطاعتها ابدال اوجه حادثة سابقة باوجه مختلفة كلياً عما حدث بها. اننا ندرك كيف ان تجاربنا الماضية اثرت علينا, مكونة خصائص وسمات معينة في شخصيتنا, الا ان علم النفس يبرهن بأن تأثير هذه الاحداث والتجارب على السلوك اللاحق هو ضعيف, وبأن الجينات تلعب دوراً في تحديد شخصيتنا ونمط سلوكنا, اكبر بكثير واهم من تأثير الاحداث السابقة او التجارب الماضية. كما اننا نعتقد بانه كلما وجد عدد كبير من الافراد في موقف معين يتطلب المساعدة, كان حظنا اكبر بان يتقدم احدهم لمساعدتنا حينما نحتاج ذلك. الا ان علم النفس يبين لنا عكس ذلك – اي كلما كثر عدد الافراد في وضعية تتطلب مساعدة, قل حظنا في ان يتقدم احدهم لمساعدتنا حينما نحتاج ذلك. فملخص التفسير, ان ما "نعتقد", أو "ندرك", أو "نعرف", بأنه حقيقي, بالنسبة لعالمنا النفسي, هو غالباً خطأ. فالدراسة العلمية للظواهر النفسية تصدمنا غالباً.
كما ان علم النفس يحمينا من علم النفس الزائف. ان لكل علم تعابيره وتفسيراته التي قد تكون زائفة. فالمجنون يستعملون لغة علم التنجيم في تعابيرهم وتفسيرهم الذي يتضمن التنبؤ بالمستقبل. والخيماويون يستعملون لغة الكيمياء في تفسيرهم لكيفية تحويل الرصاص الى ذهب. الا ان علم النفس هو مثقل بكمية هائلة من التعابير التافهة الزائفة, مصدرها تقريباً افراد غير اختصاصيين في علم النفس. كما ان بعض الاختصاصيين في علم النفس يطرح بشكل واثق وأحياناً متشبث, نظريات حول الشخصية, وعلم النفس المرضي والسلوك الاجتماعي ونمو الطفل. فبعض هذه النظريات هو معقول والبعض الاخر لا معنى له وبعيد, ببساطته العملية, عن الواقع العلمي, ولكنه يلعب دوراً في المنشورات الشعبية, ويشكل مجال مقال, أة قصة في حال كان يتمتع بجاذبية خاصة تروق للقارئ العادي. قد لا يضر معظم هذه النظريات بجمهور القراء. الا ان بعضها يكون له ضرر, ويطرح من قبل اشخاص بسشطاء علمياً, بنية افادة الجمهور. ولنا هنا مثال من الجدل الحاصل حديثاً حول نظرية استرجاع ذكريات الاستغلال الجنسي في الطفولة.
يشير البحث العلمي بان الاستغلال الجنسي في الطفولة هو عملية شائعة جداً أكثر مما كان يعتقد معظم الناس سابقاً. وهو ايضاً مشكلة اجتماعية اساسية بحاجة ماسة للمعالجة. ويظهر ان عدداً كبيراً من المعالجين النفسانيين يرى هذا النمط من الاستغلال عند عدد كبير ومفاجئ من مرضاهم. وهنا يوجه المرضى الاتهام الى الوالد او الوالدة, الى الجد او الجدة, الى المعلم او المعلمة, او الى صديق العائلة. وهذا الاتهام يتم بعد ان يكون الجليس قد استرجع حياته, حول الاستغلال الجنسي, بفضل يقظة وعناية المعالجين النفسايين. ويطرح قليل من الشك حول مدى عناية وفهم المعالجين لفهم مرضاهم, وهم في حالة استرجاع ذكرياتهم, اذ يبين البحث العلمي, بوضوح بأن الطرائف التي اعتمدها المعالجون النفسانيون, في مساعدتهم لمرضاهم, ادت بهؤلاء الاخرين الى ذكر احداث وتجارب, في ماضيهم, من المحتمل انهم لم يمروا بها ابداً, بل كانت من نسيج خيالهم وتوهماتهم. ولسنين قليلة خلت, كان هؤلاء المعالجون النفسانيون يشيرون الى سذاجتنا بالنسبة لعدم معرفتنا بمدى شيوع الاستغلال الجنسي. أما اليوم, فانهم يحاولون اقناع المحلفين, في المحكمة, ببراءتهم بالنسبة لسوء المزاولة من ناحية عدم معرفة الحقائق العلمية الاساسية المرتبطة بذاكرو الانسان, والتي كان من شأنها ان تثنيهم عن اعتماد التقنيات التي كانت وراء احكامهم حول الاستغلال الجنسي في الطفولة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R