|
محمد دكروب
ذات يوم, قبل مئة وخمسة أعوام تماماً من ايامنا هذه – (9 شباط 1886) – ولد في قرية لبنانية, شبه مقطوعة عن العالم في ذلك الزمان, طفل كان – عندما ولد – كسائر الاطفال في هذه الدنيا.
وكان اسم تلك القرية – "عين كفاع" – اسم لا يكاد يعرفه أحد سوى أبناء القرية نفسها وبعض القرى المحيطة..
أما الطفل فقد أطلقوا عليه اسم: مارون.د
ولم يكن أحد يعرف ماذا سيصير هذا المارون.. وفي أي موقع من ذاكرة العالم سيصير اسم تلك القرية شبه المقطوعة عن العالم: عين كفاع.
ويروي مارون – فيما بعد – كيف تجمع الناس في بيتهم, منذ عرفوا "أ عددهم سيزداد واحداً.. وهكذا – يقول مارون – توطدت العلاقات بيني وبين أصحاب المروءة وصاحباتها.. أرسلوا الي نجدة تلو النجدة, قبل تشريفي هذه الدنيا, ليحفظوا حياتي الغالية, فلا اذهب طرحاً.. وتخسر الانسانية واحداً..".
ولكن الانسانية, بهذا, لم تكتسب فقط طفلاً جديداً.. بل هي اغتنت بأديب مبدع, وباحث موسوعي كبير عرفة لبنان, وعرفته دنيا العرب, وعرفه العالم باسم: مارون عبود.
أما تلك الضيعة – التي كانت ضائعة وسط عدد من الجبال المحيطة بها, والتي كانت مجهولة وشبه مقطوعة عن العالم – فقد دخلت الذاكرة الثقافية لهذا العالم, ليس فقط بوصفها مكان ولادة اديب كبير, بل لان هذا الاديب الكبير ادخل قريته هذه – بناسها وطبيعتها وسائر مخلوقاتها – في اجمل ما كتبه من صفحات, فاذا هي حاضرة, على الاخص, في جميع فصول ادبه القصصي.
وأقاصيص مارون عبود هذه هي, في الوقت نفسه, من اجمل وأصدق وأدق ما كتب عن القرية اللبنانية في أدبنا اللبناني الحديث.
مارون عبود اعطى الثقافة اللبنانية العربية نتاجاً كثير التنوع كثير الغنى, وله تلك الصفة الشمولية التي يتميز بها نتاج كل اديب كبير. فهو قد مارس, تقريباً, مختلف انواع الكتابة: ابتداء من المقالة الصحفية في السياسة والاجتماع.. الى نظم الشعر.. فالدراسة الادبية, والبحث في التراث الثقافي العربي, وكتابة السيرة.. والنقد الادبي.. والقصة والرواية.
اشتهر مارون عبود, ناقداً, يتتبع النتاج الادبي والثقافي في لبنان وسائر البلدان العربية, ويقول رأيه, صريحاً, في الكثير والكثير من هذا النتاج. ولكن الجانب الاهم في كتابات مارون عبود هو: كتاباته القصصية, ثم دراستها عن رجال الثقافة العربية القديمة, ورجال الثقافة العرب في عهد النهضة.
وعلى مدى مسيرته, في العمل الثقافي وفي النشاط العملي (اهتمامه الدائم بشؤون الناس) كانت تربط مارون عبود بكتابنا التقجميين, وبالحركة النضالية الشعبية والتقدمية ايضاً, علاقة صداقة حميمة صافية صدقة. ولكن الاساس الاعمق لهذه الصداقة الحميمة نجده في ادب مارون عبود نفسه, وفي نزوعه الديمقراطي الاصيل, الكامن في العمق من كتاباته جميعاً, وفي مجمل مواقفه, وفي صدقه مع كل ما هو اساسي في كتاباته ومواقفه.
فلاح حتى ابسط البسيط في تصرفاته.. ولكنه فلاح يقرأ ويكتب ويؤلف ويتفلسف.. لبناني, بمعنى بمعنى اندماجه الفعلي بالارض وبالفلاح الكادح.. عربي في اعمق اعماق جذوره, في ثقافته ودراساته ومواقفه وسلوكه اليومي.. ديمقراطي النزعة, تقدمي الهوى والاتجاه والبديهة.. وأحد أهم وأكبر شواهد الواقعية, في ادبه القصصي خصوصاً, وفي توجهات دراساته التراثية, وفي العديد من اشاراته النقدية التي كانت تؤكد قرابته مع كبار الكتاب الواقعيين في العالم, ومع الكتاب الواقعيين الروس بشكل خاص.
.. من "عين كفاع", القرية الصغيرة الضائعة بين جرود كسروان, نهض مارون عبود, انساناً وكتابة وسلوكاً.. وانطلق الى انحاء لبنان والعالم العربي والعالم الاوسع.
ولكن صديقه الروائي توفيق يوسف عواد وصفه يوماً. بهذه الكلمات: "لعل عظمة مارون عبود أنه طاف العالم, ومد يديه الى كل افق, وقدماه راسختان في لبنان"..
.. وفي "عين كفاع" خصوصاً, بقدر ما هي "عين كفاع" راسخة حاضرة ونضرة حية في أدبه القصصي الجميل.
www.balagh.com
|