|
د.قاسم عبده قاسم
هذا السؤال بحد ذاته يثير العديد من الأسئلة حول المقصود بـ "التاريخ" هنا.
ذلك أن كلمة "التاريخ" لاتحمل معنى اصطلاحيا محددا يتفق عليه المتخصصون وعامة المثقفين كما أنها لاتحمل معنى لغويا واحدا يمكن ان ينصرف اليه الذهن عند سماعها,فعلى مستوى اللغة قد تعني كلمة "التاريخ" التعريف بالوقت,مثل تاريخ الميلاد,أو تاريخ التخرج أو ماشابه ذلك من المعاني.
وقد تعني عملية مرور الزمن وما حفل به من أحداث,وقد تعني أيضاً لحظة فارقة في الزمن بسبب أهميتها,وهو مايسرف السياسيون كثيرا في استخداماتها عندما يصفون حدثا سياسيا ما,أو حربا,أو حتى خطايا لأحدهم بأنه "حدث تاريخي" أو "معركة تاريخية" أو خطاب تاريخي,ومن ناحية أخرى,لايتفق المؤرخون على تحديد واحد لمصطلح التاريخ,إذ إن مجال الدراسة التاريخية بات معقدا ومركبا بدرجة تكاد تستعصي معها محاولة الوصول الى مصطلح يحظى بالموافقة الجماعية,فهناك من يرى ان التاريخ سجل للماضي,ولكن دراسة التاريخ ليست هي دراسة الماضي برمته,وإنما تنصب على دراسة مسيرة الإنسان في هذا الماضي,ويعني هذا اعتبار "التاريخ" سجلا للماضي من حيث ارتباطه بالإنسان.
وإذا نظرنا الى محاولات تعريف كلمة "التاريخ" التي ساقها المؤرخون وفلاسفة التاريخ في كل الأزمنة وفي جميع الثقافات وجدنا أتفاقا على أن تطور مسيرة البشر في الماضي هو موضوع التاريخ,ولكن هذا الاتفاق ذاته يخلق مشكلات أخرى,إذ إن هناك ثلاثة مستويات لمعنى مصطلح التاريخ (بصرف النظر عن المستوى اللغوي الذي اشرنا اليه),وهذه المستويات يمكن تلخيصها على النحو التالي:
1- يغلب على استخدام هذا المصطلح معنى الدلالة على مجمل النشاط الإنساني في الماضي برمته,وهذا المستوى لايدل إلا على عملية التتابع الزمني لوجود الانسان على سطح هذا الكوكب ونشاطه وأحواله في اثناء ذلك,وهنا يصير كل فعل إنساني تاريخيا بالضرورة ويعني هذا المستوى أن "التاريخ" يشبه نهرا يتدفق من المنبع الى المصب حاملا كل التفاصيل.
ومن المؤكد أن التاريخ ,عند هذا المستوى من المعنى الاصطرحي,لايمكن تزويره بأي حال من الاحوال,ذلك أن الأحداث,كبيرها,وصغيرها,قد وقعت بالفعل وصارت تاريخا في ذمة الماضي,بحيث لايمكن اتعادتها والعبث بها.
2- أما الاستخدام الثاني لمصطاح "التاريخ" وهو أكثر شيوعا من الاستخدام الاول,فهو ذلك الذي ينظر الى "التاريخ" باعتباره سجلا للحوادث في تتابعها الزمني,وليس باعتبار أنه الحوادث نفسها,كما هي الحال في الاستخدام الأول وهذا المستوى الثاني ينطوي في الواقع على مستويين فرعيين:
أ- التاريخ من حيث هدفه: محاولة معرفة كل ما فعله الإنسان في الماضي وكل الافكار التي أنتجها العقل الإنساني حول نشاطه: تبريراً أو تفسيرا,ورصدا أو دراسة.
وهنا أيضا لايمكن ان تصل يد المزورين ,فالرغبة في المعرفة تتناقص تناقصا واضحا وموضوعيا مع الدوافع الى التزوير.
ب- التاريخ من حيث موضوعه :يمكن اعتباره سجلا للأحداث التي وقعت داخل إطار الوعي الإنساني منذ بداية الوجود الإنساني,واكتسبت بعدا حضاريا بسبب صيغتها الجماعية,وفي هذا الصدد ايضا يبقى التزوير بعيدا عن سجل الحوادث التاريخية.
3- وهناك استخدام ثالث لمصطلح "التاريخ" باعتباره علما,ونظاما دراسيا وتعليميا,وهنا يصبح "التاريخ" مصطلحا دالا على حرفة المؤرخ,أي محاولة وصف الماضي وتفسيره من خلال قراءة الأحداث التاريخية ,واعادة قراءتها مرات ومرات لخدمة الحاضر واستشراف المستقبل.
هنا يكمن مايسميه البعض "تزوير" التاريخ,ومن المهم ان نلاحظ هنا ان "التزوير" لايكون "تزويرا" للأحداث,وإنما هو قراءة "منحازة" لهذه الأحداث تركز على بعضها وتهمل شأن البعض الأخر,ذلك أن الحوادث التاريخية تقع مرة واحدة,ولكن تتم قراءتها عدة مرات في ما يسميه البعض كتابة "التاريخ" والواقع أنها قراءة وليست كتابة,فإذا كان المقصود تسجيل أحداث التاريخ,فإن ذلك ايضا يحدث مرة واحدة عندما يقع الحدث,أو تحدث الظاهرة التاريخية وتسجل من خلال روايات معاصرة وشهود العيان,او من الوثائق العامة والخاصة,أو بالاستعانة بالآثار... وما الى ذلك من المصادر التاريخيةوولكن محاولة استرداد الحدث من ذمة الماضي تتم من خلال قراءة هذه المصادر,وهو مايعني في التحليل الأخيرإعادة قراءة التاريخ لاكتابته,فالكتابة التاريخية ليست عملية إنشائية إبداعية ,وإنما هي في الواقع "قراءة" تتم مرة بعد المرة تلبية لاحتياجات الحاضر,وفي هذه "القراءة" قد يحدث مايسميه البعض "تزوير" التاريخ.
www.balagh.com
|