ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الأقلام كأدوات للكتابة.. كيف تطورت تاريخياً؟

د . مازن عرفة
إن الكابة على الورق لا تتم دون أداة لخط وتسجيل رموزها , أي دون استخدام الأقلام التي تطورت تاريخيا من خلال مهنة النساخ , بدءا من تلك المصنوعة من القصب وريش الطيور وصولا إلى المعدنية والبلاستيكية منها , وبعيدا عن التطور التاريخي لهذه الأدوات يوجد الآن منها تنوعات عديدة بأغراءات جذابة يقدمها السوق كتجارة رابحة مرافقة لبيع الورق , فلا كتابة على الورق دون أقلام , والجميع يستخدمها تقريبا بشكل شبه يومي , ولذك كانت صناعة أقلام الكتابة بأنواعها المختلفة واحدة من المبتكرات العملية جدا في المجتمعات المعاصرة , والتي لبت حاجات اجتماعية مهمة مرتبطة بانتشار معرفة القرأة والكتابة .
وبعيدا عن أداة الكتابة المصنوعة من القصب أو ريش الطيور فإن الإبتكارات التقنية في مجال الأقلام بدأت منذ القرن السادس عشر , وتطورت بطرق متسارعة في القرون اللاحقة لتلبية احتياجات اجتماعية متزايدة , فلقد تم ابتكار قلم الرصاص عام 1564 , في حين ظهرت أولى الأقلام التي تعبأ بالحبر السائل عام 1780 , واخترع لويس ووترمان قلم الحبر السائل الحديث والمشهور بأسمه عام 1884 , ليبدأ بعدها سيل من التطورات التقنية في صناعة هذا النوع . حيث ظهرت بحلول عام 1960 أقلام الحبر المرنة الريشة والحادة الريشة , وتم انتاج أول قلم حبر جاف عام 1895 , إلا أن صناعته ومن ثم تسويقه التجاري لم ينجح إلا في الثلاثينات من القرن الماضي , حيث استخدم فيه نوع من الحبر السميك القوام الشبيه بالمعجون , أما قلم الرصاص فلم يفقد شعبيته أبدا , علما بأن شكله الذي يعمل بالدفع قد ظهر فقط عام 1915 . وآخر التقنيات الحديثة في مجال الأقلام هي اختراع القلم الفضائي , القادر على التسجيل في ظروف انعدام الجاذبية وعلى كافة السطوح , إذ يمكن الكتابة به في درجات حرارة تتراوح بين 45 درجة مئوية تحت الصفر و 120 درجة مئوية فوق الصفر , إضافة إلى إمكانية استخدامه في الكتابة تحت الماء , كما أن قلم الحبر الفضائي يتخلص نم السمة العامة لكافة الأقلام التي لا تستمر بالكتابة إلا بسحب الحبر إلى الأٍسفل عن طريق الجاذبية الأرضية .
تمثل أقلام الرصاص الخشببية والممحاة أداة عملية في الكتابة والرسم على الورق , من حيث إمكانية إلغاء بعض الرموز الكتابية أو الرسوم أو تعديل أخطاء غير مرغوب فيها أثناء التسجيل , في حين حلت المبراة مكان المطوات , التي كانت أداة غير عملية بالمقارنة معها في بري الأقلام , وبالمقابل انتشرت أقلام الحبر مع زجاجات الحبر المرافقة لها انتشارا كبيرا في القرن العشرين , وارتبط ذلك بقدرتها العملية على تثبيت التسجيل الكتابي على الورق بطريقة دائمة مالم يتعرض للسوائل التي تحل الحبر , إضافة إلى تسهيلها الكتابة بخطوط أنيقة ورشيقة , إلا أن أقلام الأحبار الناشفة نافستها في الأستخدام اليومي , فهي لا تحتاج إلى ملء يدوي بالأحبار , ولا تترك بقعا منها أثناء الكتابة على الورق أو على الملابس وتتحمل الصدمات أكثر , وبالتالي فهي مناسبة أكثر للحمل والكتابة أثناء ممارسة مهن مختلفة , وبشكل خاص للتلاميذ والطلاب وأصحاب المهن الحرفية , وإضافة إلى ذلك يمكن الكتابة بألوان مختلفة بواسطة هذه الأقلام , مما يترك المجال واسعا أمام الأفراد للأختيار بما يتناسب مع حاجاتهم ورغباتهم ومزاجهم الشخصي , وإلى جانب الأقلام الخشبية وأقلام الأحبار توجد أنواع أخرى من الأقلام للأستخدامات الخاصة , كالأقلام الفحمية والأقلام الشمعية , والتي تستخدم عادة في الرسم والتخطيط والتلوين .
وعلى طريق التنافس في السيطرة على الأسواق الواسعة المنتشرة في العالم كلها تقوم شركات صناعة الأقلام بتحسين إنتاجها وتقديمها بأشكال ونماذج مختلفة , وذلك تلبية لاحتياجات المستهلكين من حيث الأستخدام والأذواق الشخصية , ومع أنه يتم التركيز على أقلام عملية ومتينة في الأستخدام وبرؤوس مميزة من أجل الكتابة وبأسعار رخيصة , إلا ان العامل الجمالي يأخذ دوره هنا لقدرته على إغراء الزبائن وجذبهم للشراء , ويبرز هذا العامل الجمالي في الأشكال والأحجام التي يتم بها صنع الأقلام , إضافة إلى الألوان والرسوم التي يتم تزيينها بها والأشكال والألعاب التي تعلق بها , وقد يصل الأهتمام بالعامل الجمالي إلى أن تستغل الأفلام لأبراز أشكال جمالية تبعدها عن استخدامها الوظيفي الأصلي , كصنعها بحجم كبير لاستخدامها بشكل تزييني على الحائط أو على المكتب , وضمن هذا الأهتمام بالعامل الجمالي كوسيلة جذب استهلاكية تصنع الأقلام على أشكال العاب وتمثيلات لشخصيات مشهورة , وخاصة التاريخية منها أو المرتبطة بحكايات الأطفال .
ويصل الأغراء في تقديم نماذج مثيرة من الأقلام إلى صناعة أنواع تبعث روئح عطور مميزة من خلال أحبارها أو من خلال أجزاء منها مشبعة بها , وأخرى تكتب خطوطا بلونين معا , وقد تستغلها الدول الصانعة بتقديم رموزها الوطنية لنشر بعض من أشكال ثقافتها , وذلك من خلال الرسوم والألوان والأشكال , كصور أعلامها أو شخصياتها القومية , وكثيرا ما تلجأ المؤسسات والشركات الى الدعاية لنفسها ومنتجاتها من خلال توزيع مجاني لعدد كبير من الأقلام التي تحمل أسمها وشعارها .
وعادة ما ينعكس بعض من شخصية الأفراد ليش فقط من خلال تصرفاتهم بل ومن خلال اختيارهم للأشياء التي يستخدمونها , ويمكن لاختيار الأقلام أن يعبر أيضا عن ذلك , فأمام تنوع كبير للجماليات التي تقدم بها الأقلام في نوعيتها وطرق استخدامها تنفتح مجالات واسعة للأختيارات الفردية , وبالتالي إمكانيات التعبير عن الذات من خلالها , ويصبح حمل الأقلام باليد أو في الجيب أو في الحقيبة أو تعليقها بالملابس أو طريقة وضعها على المكتب أو تركها عند الصفحات المقرؤة في كتاب مرتبطا ليس فقط بطرق استخدامها والحاجة اليها وإنما أيضا كتعبير أيضا عن ذوق وخصوصية الشخص , فإذا كان بعض المهنيين , مثل النجارين والبنائين , يحملون قلم الرصاص فوق اذنهم أثناء عملهم بسبب الحاجة أليه في حركتهم المهنية الدائبة , فإن تعليق الأقلام في الجيب أو الملابس يأخذ مظهرا تزينيا بالدرجة الأولى , وخاصة عند رجال الأعمال , وإذا كان الأطفال والمراهقون يميلون إلى الأقلام ذات الأشكال الغريبة وبألوان حارة ورسوم تزيينية فإن رجال الأعمال هؤلاء يميلون إلى أقلام الحبر ذات الأسعار الغالية والألوان القاتمة والأجزاء المذهبة فيها تعبيرا عن رفاهيتهم ورقيهم الأجتماعي , وتدخل مثل هذه الخيارات في التعبير عن الذات وامتلاك إشارات فردية للتمايز الشخصي , أو إشارات جماعية بالأنتماء إلى مجموعة محددة أو فئة مهنية في المجتمع .
وتظهر النزوات الفردية في استخدام الأقلام في الكتابة عند الجميع , وهو ما لا يمكن فهمه إلا في إطار التفاعل النفسي مع الأشياء المحيطة بالأنسان والتي يقوم باستخدامها , وتبرز هذه النزوات أكثر ما تبرز لدى الأطفال ولدى محترفي الكتابة , من صحفيين وأدباء وباحثين علميين , وكثيرا ما يلجأ التلاميذ إلى استخدام أقلام بعدة ألوان في الكتابة , ورسم الخطوط والجداول في وظائفهم المدرسية , وهو ما يميز عالمهم الجمالي الأولي كأطفال ومن ثم كمراهقين , أما في عالم الكبار فإن البعض يفضل الكتابة بأقلام الرصاص واستخدام الممحاة معها , وذلك لسهولة تصحيح مخطوطاتهم , ويصل الأمر ببعضهم إلى أنه لا يستطيع البدء بالكتابة إلا بوجود عدة أقلام دفعة واحدة أمامه , مبرية بشكل جيد , أما تحضير رأس القلم أثناء الكتابة فقد يؤدي بالنسبة لهؤلاء إلى انقطاع تداعي الأفكار في أذهانهم لأضطرارهم لقطع عملهم الفكري بعمل يدوي , أما الذين يكتبون بأقلام الأحبار الملونة أو الأقلام الجافة الملونة فقد يستخدمون لونا معينا بداية في حين تتم التصحيحات والأضافات بلون آخر بعدة ألوان بقدر عدد التعديلات .
ولا يخلو اختيار الألوان للكتابة من دلالات نفسية معينة , سواء من خلال الأحبار أو أقلام الحبر الجاف , ومعظم الأشخاص يكتبون باللون الأزرق , ليس لأنه ينتشر في الأسواق فقط , بل لأنه يوحي بالصفاء والهدوء ويعطي الثقة بالنفس , كما أنه يعطيل الإحساس بالأنسجام في التسجيل على الورق الأبيض من خلال التضاد معها , وإن كان هذا اللون يرتبط بالغموض , أما اختيار الألوان الأخرى فيحمل كل منها دلالته باستعمال مقصود مرتبط بأيحاءات الألوان وتأثيرها , ويلعب أستعمال عدة ألوان في الكتابة دورا وظيفيا في ترتيب المعلومات والأفكار وإجراء التصحيحات باعتبارات شخصية فردية , وذلك إضافة إلى الجماليات التي تضيفها على الصفحة المكتوبة والإيحاءات النفسية التي تثيرها .
ومع أن محترفي الكتابة وخاصة الصحفيين منهم , قد يلجؤون إلى الآلة الكاتبة مباشرة ويعتادون العمل عليها , إلا أن ظاهرة الكتابة بالقلم هي الأساس , إذ لا يقتصر الأمر هنا على أن مثل هذه العملية الميكانيكية قد تساعد على توليد الأفكار فقط , بل أن خط الفرد نفسه يمتلك سمة شخصية له , مفتقدة عند الكتابة بالآلة الكاتبة , وتنعكس نوعية الأقلام وجودتها , وخاصة تقنية صنع رؤوسها , على جمالية الخط , إلا أن فردية كل شخص تظهر في شكل كتابته , بحيث لا توجد خطوط متشابهة لشخصين اثنين , كما في التوقيع المكتوب , ومن هنا فأن شكل الخطوط يعطي مجالا واسعا لدراسة شخصية من يخطها , مثل الشخصية النزقة أو الهادئة أو المحبة للنظام والترتيب .
وعند التعبير عن الأفكار شفهيا يلجأ البعض إلى تحريك اليدين بحركات مختلفة , هي على الأغلب لا شعورية , إذ يشعر المتحدث آنئذ بأن حركة اليدين تساعد إلى جانب القائه الشفهي على أيصال أوضح لأفكاره وإقناع مستمعيه بها , وفي مثل هذه الحالات , التي تحدث أثناء إلقاء محاضرة أو اجراء مقابلة تلفزيونية مثلا , يصبح القلم نفسه أحيانا جزءا مكملا لليدين في تعبيراتها الإشارية عن الأفكار والذات , متجاوزا جميع وظائفه المذكورة سابقا .
إن الأوراق والأقلام هي الأشكال الأساسية لتسجيل الكتابة في مجتمع الحداثة , وهي أدوات التعبير الفردي عن التواصل والأنسجام بين العالم الداخلي للأنسان والعالم الخارجي المحيط به , حيث يتم نقل أفكاره ورؤاه الداخلية بواسطة مثل هذه الأدوات الصنعية , وتختفي بالطبع هذه السمة الفردية في التعامل مع الأوراق والأفلام في حالة الأوراق المطبوعة , إذ تتدخل التقنية عندئذ لتسجيل الأفكار والرؤى بشكل صنعي محدد , وبطريقة لا تسمح فيها الصفات المادية من تحديد بعض سمات الشخصية الفردية .
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R