إن دخول العصر الرقمي يفترض التلاؤم مع مختلف إنجازاته برؤية واضحة واستراتيجية بعيدة المدى. ومعنى ذلك, بتعبير اخر, هو أننا بدأنا "ندخل" عالم الرقميات ولكننا محمولون بذهنية ما قبل رقمية.
والغريب هو اننا نتصور, ونحن نمارس هذا الدخول أننا ننتقل فعلا الى العصر الرقمي. يعود السبب في ذلك الى أننا نتعامل مع الوسيط الجديد (الحاسوب والفضاء الشبكي) باعتباره أداة أو وسيلة (تكنولوجيا), لكن بدون روح تتلاءم نعها.
يبدو ذلك في كوننا نتعامل, في غياب وعي رقمي, مع هذه التكنولوجيا تعاملاً ذرائعياً, فالحاسوب ليس سوى الة كتابة متطورة, والتجوال في الفضاء الشبكي لا يختلف عنه في المكتبات غير المنظمة. وابداعاتنا ومختلف أنماط كتاباتنا ومكتباتنا التي نقلناها الى الفضاء الشبكي ظلت محافظة على كل مكوناتها ما قبل الرقمية. ولذلك كان ما يزخر به الفضاء الشبكي العربي هو فقط عبارة عن نصوص "ورقية" ذات بعد كتابي "طباعي" حولت, بواسطة ترقيمها, الى شاشة الحاسوب.
عندما لا تتغير أنماط كتاباتنا, تلقياً وإبداعاً, وتتلاءم مع مقتضيات الوسيط الجديد ومتطلباته, يكون لذلك معنى واحد هو: عدم التلاؤم مع العصر. لذلك فاننا بتمييزنا بين الالكتروني والرقمي, نكون نحدد نمط الدخول الذي قمنا به, ونحن نتعامل مع هذه التكنلوجيا, باعتبارها أداة فقط.
ان هذا النمط يؤكد أننا ما نزال في المرحلة الالكترونية ويتعين علينا لدخول العصر الرقمي والتلاؤم معه, العمل على الارتقاء الى المرحلة الرقمية.
لا يمكننا الحديث عن مرحلة رقمية في الانتاج والتلقي بدون حضور وعي رقمي, وتفكير رقمي, ورؤية وفلسفة رقمية للأشياء والعالم. ودون تحقيق ذلك حديث ونقاش فلسفي واجتماعي ومعرفي,, لم نتجاذب أطرافه بعد لتحديد نمط هذا الوعي وذاك التفكير وتلك الفلسفة والرؤية. إن الاسئلة التي تقودنا الى خوض مثل هذا النقاش لتجديد الرؤية والتفكير هي من قبيل:
- كيف نعيش عصرنا؟
- كيف يمكننا أن نفكر رقميا؟
- كيف يمكننا أن نكتب رقميا؟ وكيف يمكننا أن "نقرأ" رقمياً؟
- هل طرق التفكير والكتابة التي انتهجناها في غياب "الرقميات" و"الوسائط المتفاعلة" هي نفسها التي علينا مزاولتها في حضورها؟
- هل التفكير في الادب وتدريسه, على سبيل التمثيل, يجب أن يظل كما كان في القرن الماضي؟ أم أن عليه التلاؤم مع مراغمات الوسائط الجديدة وشروطها ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين؟ هل حصل تطور حقيقي؟ أم أنه تطور شكلي أداتي فقط؟
- هل على الكتابة الصحفية في الفضاء الشبكي, مثلا, أن تظل متصلة بالنمط الذي كان سائداً قبيل الكتابة الرقمية؟ أم أن عليها الارتقاء الى المتطلبات الجديدة؟
- لما يطرح عندنا بعد الحديث عن الدولة والانتخابات الرقمية, فهل سنمارس الانتخابات, وقد صارت هذه الامور واقعاً, بالشكل الذي يمارس الان؟ أم أن الرقميات, في المجال السياسي, ستظل بمنأى عن الانتقال اليها, وان صار الان من الممكن الحديث عن "الهوية الرقمية" في العديد من البلاد العربية؟!..
ما أكثر الاسئلة التي يفرضها علينا العصر الرقمي, وما أكثر ما علينا تحقيقه للتلاؤم معه.
إن رهان الثقافة العربية ومستقبلها موصولان باقتحام العصر الرقمي بوعي جديد وبرؤية جديدة. أما العيش فيه بذهنية تقليدية فلن يسهم في تطورنا البتة. قد تكثر المواقع الالكترونية والمدونات,, ولكن بدون تجديد: الذهنية, واللغة والكتابة, وطرائق التفكير,, سنظل بمنأى عن التلاؤم مع العالم الذي يحيط بنا, وتكون مساهمتنا فيه محدودة وضيقة كما هو الامر الان.
ان دخولنا العصر الرقمي وتلاؤمنا معه يتم عبر انتاج "النص المترابط" وانتهاج "الترابط النصي" محوراً اساسياً في النظر والعمل. ولا يمكن أن يتحقق ذلك بالطريقة المناسبة دون تجديد الكتابة العربية. هذا التجديد ينبغي أن يبدأ من:
أ. رد الاعتبار اللغة في النحو والصرف والاملاء, وعلامات الترقيم والوقف وتنظيم النص تنظيماً يراعي بناءه التركيبي والدلالي. إننا نلاحظ ان النطق باللغة العربية والكتابة بها في الفضاء الشبكي وفي الفضائيات العربية وصلا أقصى درجات الانحطاط التي لم تصلها حتى في ما يسمى بعصور الانحطاط التي سادت فيها الامية والجهل.
ب. التمرس بالمعلومات تمرساً حقيقياً, وجعل محاربة الامية المعلوماتية مدخلاً لمحاربة مختلف أنواع الامية التي تسود المجتمع العربي, وهذه هي المناسبة. وعلينا عدم الاكتفاء بالتعامل مع المعلوميات تعاملاً أداتيا فقط, وذلك للانتقال الى مزاولة الكتابة الرقمية مع الزمن باعتبارها الشكل الكتابي المستقبلي.
عندما نفكر في, ونعمل من أجل, تجديد الكتابة العربية لتكو رقمية, نكون نجدد لغة التواصل بيننا, ونقدم بذلك خدمة جليلة للغة العربية, فنرتقي بالابداع بها والتواصل بها الى أسمى الدرجات. وبذلك يمكننا تجديد ثقافتنا العربية وضمان مستقبلها الذي هو مستقبل الانسان العربي.
www.balagh.com
|