|
* محمد الأوراغي
يصدق الإكراه الثقافي على ما يوضع من آليات لصَرف الباحث عن مدارسة المادة الثقافية التي خلَّفها السلفُ في مجال تخصصه، وتوجيهه إلى تعلم مثلها ضمن ما أنتجتَه الحضارة المعاصرة. وبنقل هذا المعنى الذي ذكرناه إلى حقل اللسانيات خاصة تكون آليات الإكراه اللساني على ضربين: يتمثل أولهما في إتقان الغربيين لصنعة الصياغة العلمية لأعمالهم اللسانية، فاجتمع فيها من الخصائص البنيوية والوصايا النظرية ما يغري بالإذعان لها وتقليد أصحابها. من تلك الخصائص والوصايا نذكر ما يلي:
1 ـ إحكام البناء المنطقي للنماذج النحوية المعاصرة حتى إذا قُورنت، من هذه الجهة، بلغويات العربية نشأت بينهما هوة معرفية واسعة، وارتفعت حظوظ إهمال المحي وتقليد الجديد العصري.
2 ـ تأطير النماذج النحوية بنظريات لسانية يستدل من خلالها على كلية مبادئ النحو وقواعده، وعلى صلاحيته لوصف جميع اللغات البشرية، وإن كانت قواعد النحو الكلي مستنبطة من لغة خاصة كالإنجليزية. ولإتقان عملية الاستدلال قد لا يظهر الخلل في مثل هذه العبارة ونحوها الكثيرة: ((ما ثَبَت صحتهُ في اللغة الإنجليزية يتوقع أن يكون كلياً يستغرق جميع اللغات البشرية)).
3 ـ تصنيف اللغات البشرية باعتبار علاقاتها بتقويم النظرية اللسانية إلى صنفين، لغات مركزية فاعلة كالإنجليزية تؤثر في النظرية اللسانية بسبب جوهريتها واكتمال نضجها، ولغات هامشية منفعلة كالعربية ونحوها الكثير تتأثر بالنظرية ولا يؤخذ بها في تقويم النظرية والحكم عليها.
4 ـ إذا تعارضت توقعات النظرية اللسانية مع معطيات اللغات المنفعلة وجب تغيير المعطيات وتكييفها والمحافظة على النظرية وتحصينها من النقض. وعليه ليس للمستعين بنظرية غيره في وصف لغته الخاصة أن يغير شيئاً في البناء المنطقي للنظرية، لكن له أن يغير في البناء النسقي للغته حتى يعود التوافق بينهما.
5 ـ يمكن توسيع النظرية اللسانية المستنبطة من نحو اللغة الإنجليزية حتى تنطبق قواعدها على سائر اللغات البشرية، ولا يجوز العكس، إذ لا تنطبق على الإنجليزية قواعد النظرية الموسعة المستنبطة من لغات أخرى. فمع إقرار صاحب النحو الكلي بكون اللغات البشرية منقسمة إلى لغات شجرية، كالإنجليزية والفرنسية ولغات غير شجرية كالعربية واليابانية، فإنه لا يكف عن تصريحه المتكرر باستحالة تطبيق قواعد النمط الثاني من اللغات على لغات النمط الأول، وبإمكان توسيع الإطار النظري للغات الشجرية ليتناول اللغات غير الشجرية.
6 ـ إذا تعارض وصف النحاة القدماء للغاتهم، كوصف سيبويه للعربية مثلاً، مع وصف النظرية اللسانية المعاصرة لنفس اللغة وجب تغليب الوصف الأخير، لأنه يستجيب للشروط العلمية والصياغة الرياضية، ونَعتُ صاحب الوصف القديم بالغفلة وقصور النظر.
إن النماذج الستة المسرودة أعلاه كافية لتوضيح القسم الأول من آليات الإكراه اللساني. إلا أن محتوى هذا الفرع لا يكون له المفعول المطلوب بغير وجود طائفة من (التقليديين الحداثيين)، وهذا المصطلح استعرناه من الدكتور طه عبدالرحمن كما وظفه في أ‘ماله الأخيرة. وبدعاوى هؤلاء يكتمل جهاز صرف الباحث عن الاشتغال بثقافة السلف في مجال تخصصه، وشغله بالتقليد المطلق لأفكار المعاصرين. ولأهمية هذا المكون في آلية الإكراه الثقافي سنفرده بالمبحث الموالي.
|