ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

ثقافة المسدس.. هل أصبحت لغة العصر؟

نزيه الشوقي
يقول هيدغر:السلبية، من أجل الحرية، أجل: الجريمة وهذا يشير إلى أن كل رغباتنا ما هي بالحقيقة سوى عقوبة إذا ما سحبت على المعطى الثقافي المعاصر الذي قدمته الثقافة الجماهيرية منذ الثلاثينات من هذا القرن،حيث بدأت ترتسم معالم الخط الجديد الذي اتجه بالخيالات نحو الواقعية، حيث يتواجد المشاهد والقارئ في البطل.ولعبت الصحافة بالعواطف، ففي فرنسا أخذت بنشر الأحاديث الصريحة، ثم التحدت معها الواقعية بالعاطفة على أرضية درامية.. ومذ ذاك نما الطابع الدرامي، وفيه الغزل ومعاكسة النساء، والفقير واليتيم والمتيم حبا، و"الكاديلاك" والأثرياء.. وكل هذه الوجوه هي من الواقع، فاختلط الخيالي بالحقيقي، والحابل بالنابل...
كما نمت صحافة الطفل، وأفلام الطفل: المغامرة والقسرية- حتى شاهدنا طفلا يقلع عين أخيه بإصبعه أو يرمي بنفسه من عل، بالضبط كما يفعل أبطال أفلام "الكرتون" وأصبح الطيران في الفضاء وجذب الجسد من الأرض هاجس الأطفال، صحيح أن هذا قد نمى خيالهم، لكنه نمى روح التواكل فيهم.. وعلى طريقة: "اذهب وربك" إنها هنا الآن وسوف نطير إذا ما أغمضنا عيوننا..
في الحقيقة إن الفيلم قد نما في الولايات التحدة ما بين 1930 و1940.
وقد شكل نموه "ثورة السينما" كما يقول مورين، وقد تأطر عملها في تعبير الإحتمال.. ما يمكن أن يكون أو يحدث.. باتجاه الواقعية البدائية، على أرضية خيالية، فاممثل يكاد يتقرب من الوضع الطبيعي، والديكور يخدع الرائي وكأن المنظر طبيعي.
أما البطل العاطفي يتميز عن البطل التراجيدي الذي يثير الأسى، بأنه ارتبط أكثر بالمشاهد حتى أضحى محبوب على طول الخط، أصبح نجما "معبودا"..
وفي وسطنا العربي يتفاعل الجمهور مع البطل حتى تهب القاعة بالتصفيق والصفير، والجميع وقوف يزغرد لنجاة البطل أو خروجه من المأزق.. أو لم يحصل هذا في كل صالات السينما العربية حتى الآن؟ (أفلام عنترة العبسي)
وبالمقابل فبدلا من أن يجد البطل مخرجا فإن الموت يواجهه الموت في أفلام التراجيديا (في الصراع مع الطبيعة أوالوسط الاجتماعي، أومع ذاته)..
ففي فيلم زوربا اليوناني نلاحظ صراع الذات من أجل الانفلات(الليبرالية) والضحايا التي قدمها الأنسان من أجلها (موت باربارة مرجومة بالحجارة) كل ذلك لغاية تعميم الحس الليبرالي الذاتي- الفردي- أوالشخصاني المغرق في ذاتيته ولو على حساب حياة الأخرين، تحت اسم الضحايا.. وقد عالج الكاتب (للفيلم) هذه الناحية بحس واقعي تاريخي اجتماعي جمالي أيضا، فخرقه إلى الروح..
صور الفكر الأوربي النهاية السعيدة بأنها ليست تعويضا بل دافعات للتفاؤل، وليست عامل تهدئة وإراحة، بل نوعا من السعادة. وعليه فقد اعتمدت الثورة السينمائية هذه الصورة في إنتاجها أو في غالبيتها على الإطلاق.. وتعمدت فيها أن تكتسي بطالع الواقعية..هذا في السينما الأوربية والأميركية.أما في السينما الهندية التي غزت الوطن العربي لتشابه لأحاسيس التقليدية- تاريخيا- فقد ركزتعلى العاطفة كأساس لها وعلى النهاية السعيدة في الغالب، عبر تعقيدات وآلام البطل الكثيفة واللامعقولة، حتى يكاد يطعى الطابع المأساوي على السعيد، وربما ينتهي إلى بقاء البطل حيا.. ففي فيلم: من أجل أبنائي تتوضح هذه الصورة جلية.. فبعد عذاب المرأة التى مات زوجها، وتاهت في عباب العذاب البشع، كبر ابنها الذي اعتقدت أنه مات في حقل القمح الذي شب فيه الحريق، ووجدته قاضيا مثلث أمامه بتهمة بسيطة.. والتقى المعذبون.. بمعنى آخر لقد تطور الفيلم، ففيلم النهاية السعيدة، إلى واقعية حديثة.. بعد تحقيق الرغبات، أو النجاح.. أو النتهوا إلى سعادة هانئة وكثير من الأبناء.. لكن النهاية السعيدة مسحت الماضي، بالمطلق، في لحظة نادرة. وبهذا أعطت الثقافة الجماهيرية طابعا جماليا واقعيا بديلا للخلاص اللاهوتي، الذي يجد المرء خلاصه فيه (مطلقا، أو مرتبطا بالمجهول)..
و منها أفلام(روايات) الإخوى كارامازوف، آنا كارنيا لديستويفسكي، وجسر على نهر كواي لبييربولا، والصيادون الصغار الأسود، لأروين شو، والدفاع عن الباسيفيك لمار غريت ديري. فرواي بيير بول مثلا انتهت بنجاح. بخطيئة الميجر الإنكليزي على الجسر المبني فوق نهر كواي، الذي لم يطر في الهواء، بل تأذى القطارالياباني. وحاول بول، كاتب الرواية للفيلم، أن يختار نهاية. إلا أن الأحداث كانت ضاغطة، لأن الجسر لا بد وأن يطير. وبدلا من موت عدد كبير من نجوم السينما وجد تعويضا له في بطولة اثنين من المشاة الأميركيين- البريطانيين كي يضحيا، لكن ضغط أحداث الرواية لم يتمكن بول من أن ينهي روايته كما أريد لها، بل استعان بنهاية لشكسبير في "الجنون" قبل أن يوجه عدسة الكاميرا، إلى السماء، لتغطي عمليى موت هذا الباطل- النجم- وتؤكد أن موته ماهو إلا عملية في فيلم وليست حقيقة..
فيما كان أروين شو الداعية اليهودي يقطع طريقه م البداية إلى النهاية السعيدة، ليس في روايته "دعوة الموتى" بل في فيلمه نهاية الصغار الأسود، الذي يروي فيه قصة أولئك الناجين من القتل الهتلري. وأنهاها على الشكل التالي: - أهلابكم في ألمانيا- بالإنككليزية الفصحي - لقد رأيت كيف أن الأميركي قد رفع بندقيته وضغط على الزناد.. فأنهى تلك الحرب العالمية الثانية القذرة... لكن كيف؟ بقنبلة هيروشيما.. وهذا الأمر الذي قتل ملايين اليابانيين لا يهم أرنولد شو أمثاله من العنصريين طبالي الثقافة الأميركية.
يجوز أن هذه الرؤية لعمل شو محايد، لكن ما يجب قوله هنا في إطار بحث الثقافة الجماهيرية الصناعية، المعتمدة على التكنولوجيا، لا على ضمير الكاتب، أن شو قد ذهب بعيدا وأظهر اليهودي مظلوما وإن كان غير عامد(بل لا شيء في الأدب ساذج وغير عامد ومقصود) وعلى طريقة " حامل الكفر ليس بكافر".. على صورة من صور عذاب الإنسانية وشقائها.. ولعل شو يرى الآن أفلام الأسود الصغار الفلسطينيين، فماذا عساه أن يكتب عن شقاء الفلسطينيين الذي صبه على رؤوسهم الغرب دون أن يقترفوا ذنبنا يقترفونه ضد أوربا والغرب ولا ضد الإنسانية، بل إنهم قدموا للإنسانية أم الحضارات التي بدايتها في سومر وليست نهايتها في أثينا أو بابل والقدس..
بالطبع لقد كانت السينما العربية غائبة تماما، وهي الآن متقدمة، في حين أن السينما الصهيونية نامية جدا وقد اكتسحت صالات العالم وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها، لكن هذه السينما على ماذا تعتمد؟على الاطفال والإنسان الساذج لأن روح الثقافة الجماهيرية مسبوغة عليها وتجري في أوردتها وشرايينها.. وهذه السينما هي عماد الاستهلاك الغربي كما هو عماد الثقافة الجماهيرية بطبيعة الحال.
ولنعد إلى مثالنا في السينما العربية على نموذج الثقافة الجماهيرية في معالجتها لحقائق تاريخية، أو اجتماعية أو مسائل وجدانية وعاطفية.. ففي فيلم عنترة بن شداد نرى الطابع البطولي(العنترية) ضافية على روح الفيلم بل في عقلية الإنسان العربي البسيط قاطبة.. فشكل هذا الفيلم حدثا في السينما العربية.
وتدرجت السينما العربية باتجاه الواقعية، وإن كان هذا الكاتب والفيلم بين النهاية السعيدة والمأساة، فلم ينه فاطمة بل ألقاها في مصح الأمراض العقلية، وأعطى كل الأبطال الآخرين نهاية سعيدة، فشقيق فاطمة توصل إلى الفوز بالانتخابات وهو جاسوس الإنكليز.. إلا أن ما يمكن قوله هنا بالرمزية قد نجح الفيلم في معالجته، وهو أنه رمز إلى الشعب يدفع ثمن كابوس الاحتلال.. وهذه افيلم هو من الأفلام الناجحة لا شك، ولا يندرج في إطار الثقافة الجماهيرية قطعا، لكن طابع السينما العربية العام يطغى على الفيلم العربي.. وإن وجدت أفلام ناجحة، فيقابلها مئات الأفلام الاستعراضية القاتلة... لنأخذ الأفلام الكوميدية، فأفلام دريد لحام على سبيل المثال، ومسرحياته التلفزيونية أو السينمائية، تندرج في إطار الثقافة الجماهيرية.. لأنها لا تقدم سوى مخزون من اللفظ والتهريج معتمدة على النكتة كمهيج أو مثير شعبي.. مع العلم أن الإمكانات التي يملكها دريد وثقافته تخوله ألا ينهو هذا المنحى، لكن ما قدمه هو في هذا المستوى.. ففي مسرحية "كاسك يا وطن" النقدية نجح في تصوير حالة الأمر الواقع، لكنه لم ينجح في تصوير الواقع بروح الواقعية الدرامية المطلوبة، بل بقيت المسرحية في إطار الواقع معتمدة على الخيال، تجمع ما بين الخيال والواقع ولم تخرج عنه.. ومع هذا فهي ذات شهرة من دون كل أعماله الأخرى، لكنها ليست السقف لعطاء الفن السابع العربي باطبع، ولا يمكن وضعها في مصاف أعمال شابلن أو شكسبير ولا من هم دونهما على الإطلاق..
ولطالما ذكرنا شكسبير،نو أن نغوص في عالمه الدرامي الإنساني..فالردل عاش في القرن الخامس عشر، وأعماله لم نزل تعطي معطى معاصرا في السينما والمسرح ولأدب للقارئ والمشاهد.. ذلك ليس لأنها تحمل في صفحاتها وأحداثها طابعا إنسانيا وطبقيا متميزا، بل لأنها اعتمدت الواقعية، وهي مبكرة في مجتمع أوربا الإقطاعي المتحول... وإن ما ارتكز عليه من أطر تاريخية تشكل حقائق لم يزل العالم يخوض صراعا من أجلها... بمعنى أن رموزه وأسماءه التي نقلها من التاريخ القديم، هي مجال بحث المؤرخين واجتهاداتهم وتوكيداتهم.. ونعني هنا الحضارات القديمة الثلاث: العربية أولا، والإغريقية والرومانية.. وإن الثانية والثالثة هما ابنتان للأولى.. وقد جاء الغرب نفسه في صراع مع الأم ليس عن طريق الاسكندر وبيلاطوس، بل لتأكيد ذاتهبالقضائ على الآخرين.. وقد اعتمد اليهود وتلمودهم الملفق على أيدي سبعين يونانيا، لتسعير هذا الصراع، فوضعوا اليهود في أتونه..
والثاني هو العامل التجاري، حيث أن في العودة إل التاريخ والرمزية يجد الكاتب فسحة كبيرة للنجاح، ذلك لأن حياة الكاتب العربي ليست بخير ولا هي حسنة، فنراه يتعاطى في هذا الاتجاه لتأمين لقمة عيشه.. ولذلك فإن السينما العربية لم تزل في بداية الطريق، وتعتمد على التقدم العربي- والثفافة الجماهيرية في معالجتها باعتماد طابع التفاؤل والتشاؤم على حد سواء.. ولعل هذا الطابع موجود في السينما العالمية، لكن الفرق بينهما هو أن النهاية المتفائلة تكون دوما في صالح النظام الاجتماعي، أما النهاية السعيدة فهي في صالح الشخص- الفرد- وهذه خاصية الثقافة الجماهيرية.. وفيها نرى رغبتها الدائمة في خلاص البطل لا خلاص المجتمع.. فيما نجد في الناية المتشائمة يطغى الشبح دوما- بأشكاله الاجتماعية- والأخلاقية والسياسية القهرية... الخ.
www.Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R