د. عبداللطيف الصوفي
1- تعريف القراءة:
عرف قاموس المنجد في اللغة والأعلام، مادة القراءة، كما يلي:
قرأ: قرأ قراءة وقرآناً. واقترأ الكتاب: نطق بالمكتوب فيه، أو القى النظر عليه وطالعه, وقرأ قراءةً عليه السلام: أبلغه إياه. ويقال في الأمر منه: "اقرأ عليه السلام". وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقرأه السلام.
قارأ قراءة ومقارأة: شاركه في القراءة أو الدرس. أقرأه إقراء الرجل: جعله يقرأ. وأقرأه السلام، أبلغه إياه، كأنه حين يبلغه سلامه، يحمله على أن يقرأ السلام ويرده. تقرأ: تفقه. استقرأ استقراء فلاناً: طلب إليه أن يقرأ. وقرأ الأمور: تتبعها لمعرفة أحوالها وخواصها.
القراءة (مص) ج. قراءات: كيفية القراءة. الأقرأ، الأفصح قراءة // الأكثر قراءة. يقال: "أقرأكم فلان". القَرّاء ج. قراؤون: الحسن القراءة. الإستقراء: الإستتباع// والقراء عند المنطقيين: هو إثبات الحكم للكل بواسطة ثبوته لأكثر أفراد ذلك الكلي، كقولك: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند الأكل، لأن الإنسان، والبهائم، والسباع كذلك.
المَقْرأ: ما يجعل عليه الكتاب عند القراءة. المقروء، والمقري، والمقرِّ: ما قرئ.
وتعد القراءة، منذ القدم، أهم ما يميز الإنسان من غيره من أفراد المجتمع، بل هي من أهم المعايير التي تقاس بها المجتمعات، تقدماً أو تخلفاً. ولا نعني بالإنسان القارئ هنا، الذي يعرف القراءة والكتابة فحسب، بل الذي يحب القراءة، ويقبل تلقائياً عليها، بل يكاد يفضلها على طعامه وشرابه، لأنها غذاء عقله، ونور بصيرته، بها يعرف نفسه، ومن خلالها يعيش محيطه، ويتفاعل معه بصورة واعية، أخذاً وعطاء، قبولاً ورفضاً. والمجتمع القارئ بهذا المفهوم، هو المجتمع المتقدم،الذي ينتج الثقافة والمعرفة، ويطورها بما يخدم تقدمه، وتقدمَ الإنسانية جمعاء.
إنه المجتمع الذي ينتج الكتاب ويستهلكه، ينتجه إبداعاً، ويستهلكه قراءة ودرساً. والقراءة بأبعادها المتعددة، "هي سلوك إنمائي، مقدرة اقتصادية، سلطة، استعداد نفسي. أما المطالعة، فهي ممارسة، أو امتناع عن ممارسة، فهي لها بعد اختياري، أكثر منه إلزامي".
ولا تتقدم الأمم والشعوب بما تمتلكه من مادة خام، أو طاقة، أو موارد اقصادية فحسب، بل بما لديها من موارد بشرية واعية، لأن الإنسان هو رأس المال الحقيقي، فهو منتج المادة الخام، ومستخرج الطاقة، وبجهده، وعقله، وإبداعه، يتحقق التقدم الإقتصادي، والتطور الصناعي، والإزدهار العلمي. ولم يحدثنا التاريخ عن امة حققت مثل هذا التقدم، بمختلف أبعاده، إلا بالقراءة أولاً، وبإقبال أفرادها على البحث، وإجهاد الفكر، لتطوير المعرفة، ووضعها حيث يجب أن توضع، لتطوير المجتمعات، وزيادة رفاهيتها. وما السباق بين الأمم اليوم، إلا سباق علمي- معلوماتي- قبل أي شيء آخر.
2- عالم القراءة:
القراءة عالم واسع، لايجوز أن تحده حدود، أو تقف في وجهه عوائق، وبخاصة في عالمنا المعاصر، بعد أن تجاوزت القراءة مجالاتها التقليدية، ودخلت عالم المجالات الإلكترونية الرحبة. ومهما كان نوع المواد المقروءة، وَرَقيّةً كانت أم إلكترونية، فإن المهم هو "إثارة الرغبة في القراءة، وتعويد الناس على المطالعة، وبذلك كل الجهود من أجل تكوين مجتمع قارئ، متعطش إلى المعرفة، يهلل لمن يراه مقبلاً عليها من أفراده، ويقيم لهم المسابقات، ويجزل للفائزين منه الجوائز، ويفتح لهم آفاق المستقبل، ويتقزز، بل ينظر شزراً، إلى العازفين عن القراءة، المنصرفين عنها إلى سفاسِفِ الأمور، حتى تصبح القراءة سمة من سمات المجتمع، تطبعه في منتدياته، وفي الأحاديث المتبادلة بين أفراده، وتخلق فيه المناخ الثقافي الملائم لنمو المعرفة، ولولوج عصر العلم والمعلومات".
وهناك بون شاسع بين المثقفين من الناس، وبين المتعلمين منهم، فالمثقف هو الذي يجعل من القراءة والبحث زاد يومه، ,أنيس حله وترحاله، لا حياة سعيدة له من دونها. أما المتعلم الذي لا تهمه الثقافة، فهو الذي يكتفي بالحصول على شهادة دراسية، في مستوى ما من المراحل، ماقبل الجامعية، أو الجامعية، مهما كان هذا المستوى، ثمَّ يتوقف عنده، معتقداً، أن ما حصله من علم يكفيه في رحلة الحياة، غير آبه بتطوير معلوماته، أو مواكبة الجديد في مجال تخصصه، علماً بأن المعارف، أصبحت تتضاعف اليوم مرة كل عشر سنوات أو أقل، بعد أن كانت في الماضي تحتاج إلى عشرات السنين، بل مئات السنين، كل تتضاعف، بما يعني أن خريج الجامعة، في أي فرع من فروعها، يجد نفسه، بعد سنوات قليلة من تخرجه، أمام معلومات جديدة كثيرة، يحتاجها بالضرورة، لمزاولة عمله اليومي بصورة ناجحة، ومن دونها يجد نفسه متخلفاً عن أقرانه في الميدان.
فالطبيب الناجح مثلاً، أو المهندس المعروف، هو الذي يطَّلع تباعاً على ما يستجد في ميدان تخصصه الضيق، أو بعضه على الأقل، إذا أراد مواكبة العصر، ومجاراة اقتصاد السوق، وإلا وجد نفسه لا حول له ولا قوة، في مجتمع يتسم بالمنافسة الشديدة في كل شيء، "فالقراءة المستمرة، هي وحدها الطريق للتكيف مع العالم من حولنا، وهي دأب جميع الأمم الحية، والمتطلعة إلى غد أفضل، وهي ما عبر عنه أسلافنا، شعاراً رفعوه (طلب العلم من المهد إلى اللحد)، وسلوكاً طبقوه، إيماناً منهم بأن (طلب العلم فريضة)".
3- العرب والقراءة:
نهل أجدادنا العرب، خلال عصور تألقهم الحضاري، من كل علم، واستزادوا من كل أدب وفن. لقد كانوا عشاق معرفة وبحث، بذلوا في سبيلها الغالي والنفيس، وتحملوا من أجلها مشقات السفر، غير عابئين بشيء، من هم وكدر، فشيدوا لأمتهم بناء شامخاً، وصرحاً حضارياً قوياً، اهتدف به أمم الأرض ردحاً طويلاً من الزمن.
أما اليوم، فقد انطفأت شعلتنا، وخبا نورها، عبر مئات السنين من التأخر والتخلف، والعيش على هامش التاريخ، بسبب توقفنا عن طلب العلم والمعرفة، بعد أن ساد الجهل مجتمعاتنا المتلاحقة، وتوقفنا عن الحركة، مكتفين باستهلاك منتجات الآخرين، والإندهاش لإبداعهم، علماً بأننا نعيش اليوم في عالم يجري الإعتماد فيه على المعلومات في كل شيء، وفي مختلف الميادين، لأن فيها عناصر القوة، والسيطرة، والتفوق.
إنه عالم لا يسمح بالإرتجال والعشوائية. فمجتمع المعلومات، الذي نعيش- نحن العرب- على هامش بعيد من هوامشه، للأسف الشديد، يعتمد في مسيرته على أربعة معايير أساسية هي:
أولاً المعيار التكنولوجي، الذي يقاس به مدى انتشار تقنيات المعلومات، عند كل أمة تعيش فيه، وفي كل مكان فيها، داخل المدن والأرياف، وفي المؤسسات، والمدارس، والجامعات، والمنازل، ومدى استخدامها، والقدرة على التحكم فيها.
أما المعيار الثاني، فهو المعيار الإقتصادي، ويعكس مستوى الدخل المادي للأفراد، والموارد الذاتية للأمة، وقوة مؤسساتها الإقتصادية، ومدى مشاركتها في الإقتصاد العالمي.
وهناك ثالثاً، المعيار السياسي، ويعكس مدى ترسيخ الشورى في الحياة السياسية، والإدارية، وتعزيزها، كذا حرية التعبير، وحسن اختيار المسؤولين، والنضج السياسي للأفراد.
وأخيراً المعيار الرابع، وهو المعيار الثقافي، ويقاس به المستوى الثقافي والعلمي للناس، ومدى إقبالهم على الإطلاع والبحث، وهو في تقديرنا، أهم المعايير جميعاً، وأجلها شأناً، لأنه عماد المعايير الثلاثة الأولى، وأساس وجودها، ومحرك عملها ونشاطها.
إن مجتمعاتنا العربية، مازالت للأسف بعيدة عن مجتمع المعلومات، وإن مؤسساتنا التعليمية، والأكاديمية، وهي قلبه النابض، ودماغه المفكر، مازالت متخلفة عن العصر، علماً بأنها الجهات الأكبر تأثيراًَ في تكوين العادات القرائية الإيجابية عند الناس، وفي غرس الإقبال على البحث في نفوسهم، وترسيخ قدرات التعامل مع وسائل التقدم والتطور، لولوج عالم التقنيات فائقة الصغر، والذكاء الإصطناعي، والطرق السريعة للمعلومات، والمكتبات الإفتراضية. لذلك نقول: إنَّ على هذه المؤسسات، وبصورة لا تقبل التأخير أو التأجيل، أن تستبدل بالمفهوم التقليدي للتعليم، مفهوماً جديداً، يعتمد مبدأ التعليم الذاتي المستمر، ويقوم على المشاركة والبحث، بدل التلقين والإستظهار، قصد الإنتقال من دور الناقل المستهلك، إلى دور المشارك في صنع الحياة، وآفاق المستقبل، وليس أمامنا من سبيل إلى ذلك، سوى ترسيخ عادة القراءة الجادة الواعية لدى جميع الناس، بمختلف الفئات والأعمار، وفي كل مكان، وخلقِ الظروف الملائمة للإبداع والإبتكار، خدمة لأمتنا، وحفاظاً على حريتها، وكرامتها، ومستقبل أبنائها، بعيداً عن سياسة الإملاء الغربية، التي تبذل قصارى جهدها للهيمنة والسيطرة.
المصدر: كتاب فن القراءة
WWW.BALAGH.COM
|