|
د. عبد السلام حيمر
يقودنا كل حديث عن الثقافة والأيديولوجيا داخل المجتمعات البشرية بالضرورة الى الحديث عن المثقف بوصفه نموذجاً نظرياً, سوسيولوجياً وفلسفياً,وعن المثقفين والنخبة الثقافية باعتبارهم مقولة سوسيولوجية.
من الذي يحافظ على الإرث الثقافي مكوناً لذاته، لجسده، لإستعداداته في النظر والإختيار والعمل، ولتميزه، وينتج ويعيد إنتاج الثقافة، ويشغل عناصرها في صياغة الرؤى وتحديد المواقف وتوجيه السلوك توجيهاً نضالياً كفاحياً مصلحياً متحيزاً متحزباً لجماعة من دون أخرى، ابتغاء تعديل نسبة القوى في فضاء السلطة، فتكون الأيديولوجيا بل الأيديولوجيات؟
إنه الإنسان بوصفه فاعلاً اجتماعياً وناتجاً من الفعل الإجتماعي في الآن نفسه: علاقة اجتماعية يتبادل في نسيجها الإنسان مع الآخر التأثير والتأثر، الرموز والعلامات، سواء أكانت تلك الرموز المتبادلة مادية أم معنوية (السلعة/ الكلمة/ المرأة... إلخ)، فالوجود الإنساني بهذا المعنى وجود ثقافي وأيديولوجي. وبهذا المعنى الواسع، كان الإنسان منذ البدء مثقفاً وأيديولوجياً، أي منذ أن ظهر على مسرح التاريخ بوصفه إنساناً.
غير أنه إذا كان صحيحاً القول إن كل إنسان مثقف، فلماذا نخصص نخبة من الناس باسم "مثقف" ومثقفين" دون غيرهم من أفراد وجماعات المجتمع؟
هل المثقفون ظاهرة حديثة تتميز بها المجتمعات الحداثية دون المجتمعات التقليدية، أم إنها ظاهرة قديمة قدم المجتمعات البشرية ذاتها؟ ما الفرق بين المثقف والكاتب (Le scribe)، بين المثقف واختصاصيي المعرفة، كالأديب والفيلسوف والعالم والشاعر والمؤرخ وعالم الإجتماع والطبيب، والفنان... إلخ، هل يدل مفهوم المثقف (بالمفرد والجمع) على جماعة إجتماعية (نخبة ثقافية)، تحتل موقعاً متميزاً في تقسيم العمل بوعي نوعي، وبموقف وخطاب نوعيين، أكثر من تحدده بموقعه الإجتماعي ووظيفته الثقافية (كخبير واختصاصي معرفة تقنية)؟ وأخيراً، إذا كان هناك ارتباط سوسيو تاريخي بين الخطاب، والحداثة، إلى الدرجة التي يمكن القول معها- إلى جانب فوكو- إن المجتمعات الحداثية المعاصرة تتميز على غيرها بالسيطرة المطلقة للخطاب، فهل من علاقة بين ولادة المثقفين وانبثاق الحداثة؟ وبأي معنى يكون كل خطاب عن المثقف والمثقفين خطاباً عن الحداثة؟ وكل خطاب عن الحداثة خطاباً عن المثقفين؟
المصدر: كتاب في سوسيولوجيا الثقافة والمثقفين
www.balagh.com
|