ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

القضايا العربية في الثقافة الأمريكية

سعد البازعي
قد يبدو هذا العنوان مناسباً لكتاب أكثر منه لمقالة عابرة، ليس من حيث ضخامة الموضوع- فكثير من القضايا التي تتناولها المقالات يمكن التوسع فيها وطرحها على مستوى دراسات أو كتب. هو مناسب لكتاب لأن الموضوع حسب علمي ليس مما توسع فيه الباحثون العرب، أو أنه مما اجتذب بعضهم ولكن في نطاق محدود على الرغم من أهميته في التعرف على فكر ما اعتدنا مؤخراً أن نسمية "الآخر".
والآخر هنا، كما هو واضح، ليس أي آخر، فهو الولايات المتحدة، هذه القوة الضاربة التي تفعل في تاريخنا المعاصر الأفاعيل تاركة الأخاديد وليس مجرد البصمات، وليس ذلك على المستويين السياسي والإقتصادي فحسب، المستويين الرئيسين اللذين يتبادران إلى الذهن قبل غيرهما، وإنما أيضاً على مستويات كثيرة أخرى أحسبها لا تقل أهمية، منها الثقافة والإعلام والحياة الإجتماعية. هذه الجوانب الأخيرة- وليس السياسية والإقتصادية- هي مما لم يسلط عليه ضوء كافٍ على المستوى العربي.
القضايا العربية في الثقافة الأمريكية (في الفكر والأدب والفن) موضوع شائك وليس بالمحدود، فعلى الرغم من أن العالم العربي ليس مما يشغل الكتاب الأمريكيين إلا بقدر صلة العالم العربي بالمصالح الأمريكية ومنها علاقته بإسرائيل. فإن له حضوره الفكري والثقافي المستقل. يكفي أن نتذكر عدد مراكز البحث والمعاهد المتخصصة بالشرق الأوسط والعالم العربي، بالإضافة إلى الأقسام المتخصصة بثقافات المنطقة ولغاتها، وكذلك عدد المختصين الذين يعملون في تلك المراكز والمعاهد والأقسام وعدد الدارسين وما ينتج عن هذا كله من أبحاث ورسائل جامعية وكتب. أضف إلى ذلك ما دأب المبتعثون العرب على إضافته إلى قوائم البحث والدراسة من رسائل جامعية وأبحاث في مختلف الجامعات الأمريكية مما من شأنه تعزيز المعرفة بالعالم العربي وحضوره الثقافي.
لكن هذا الحضور ليس المقصود بما سبق أن أشرت إليه من حضور للقضايا العربية لدى المثقفين الأمريكيين، فما أشير إليه يتصل بصميم الثقافة الأمريكية وإهتمامات المنتمين إليها، والأسئلة المتنامية حول هذا الموضوع كثيرة وتتصل بتشكل تلك الثقافة ورؤيتها للذات وللآخر عموماً. وحين نطرح الموضوع على هذا المستوى لابد أن نتذكر أننا نتحدث عن ثقافة تتعدد وجوهها بتعدد أصول جماعاتها الإثنية ومواقع تلك الجماعات على الخارطة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية. فمواقف البيض البروتساتنت، مثلاً، وطبيعة إهتماماتهم بما يتصل بالعرب، ليست هي نفسها مواقف السود الأمريكيين. كما أن موقف الجماعات الإثنية الأخرى، مثل اليهود، تتباين أو تلتقي كثيراً أو قليلاً مع موقف جماعات أخرى، مثل البيض الكاثوليك أو ذوي الأصول اللاتينية. هذا على مستوى التشكيل الإجتماعي، فإذا طرحت المسألة على المستوى المهني أو حسب طبيعة الإهتمامات من قبل الفئات التي تصنع الحياة الفكرية والثقافية، مثل الأكاديميين والمبدعين والفلاسفة، أتخذت الصورة منحى آخر وإختلفت طريقة التقويم، وهو ما يؤكد في النهاية أن الصورة أكبر مما يمكن إحتواؤه في مقالة أو مقالتين، وحسب الكاتب هنا أن يلامس الموضوع أو يوحي بمعالمه وأهميته.
على هذا المستوى الأخير سنجد مواقف وأنماط إهتمام متباينة. سنجد الشاعر المهتم ببعض جوانب الأدب العربي، والمفكر الذي إستوقفته جوانب من التاريخ الفكري العربي، والروائي الذي صور العرب على نحو ما في أعماله، والمترجم/ المستعرب الذي إستهواه نقل بعض الأعمال العربية أو التعريف بالثقافة العربية، والناقد الأدبي الذي إسترعى إهتمامه جانب من الأدب العربي. على مستوى الشعر سنجد مثلاً شاعراً مثل روبرت بلاي الذي يعود إلى أصول إسكندينافية ويعد في طليعة الشعراء الأمريكيين المعاصرين. ففي بعض أعمال بلاي تتردد أسماء شعراء عرب وشرقيين آخرين مثل إبن حزم الذي يأتي في سياق إعجاب الشاعر، مثل كثيرين غيره، بتاريخ الأندلس وإرثها الثقافي. وهو ما يأخذنا إلى التاريخ الثقافي الأمريكي حيث نجد أحد رواد الأدب الأمريكي، واشنطن إرفنغ، الذي ألف في مطلع القرن التاسع عشر كتاباً حول قصر الحمراء في الأندلس، مثلما ألف كتاباً حول حياة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. وهي كتب يطغى عليها الإعجاب، مثلما نجد كاتباً أشهر من إرفنج، هو إدغار ألن بو الذي كتب الكثير مما يتصل بالثقافة العربية الإسلامية.
فيما يتعلق بروبرت بلاي يلفت النظر أن إهتمامه بالثقافة العربية، وهو إهتمام محدود بطبيعة الحال، يتسق مع مواقفه السياسية المناهضة للنزعة التسلطية للحكومات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. فهو من الجيل الذي إزدهر أدبياً أثناء حرب فيتنام وله في نقد السياسة الأمريكية ومعارضة سياستها قصائد كثيرة. لكننا لا نكاد نعثر في أعماله على موقف واضح تجاه القضايا العربية الرئيسة، خاصة الصراع مع إسرائيل.
الذي أشار غير مرة إلى تلك القضايا وإتخذ مواقف تتسم بوضوح أكثر هو الروائي جون أبدايك، الذي يعد من أبرز الوجوه في المشهد الثقافي الأمريكي ليس على مستوى الرواية فحسب وإنما على مستوى النقد أيضاً، ومواقفه تتماس مع مواقف آخرين من الروائيين والنقاد والمفكرين مثل فيليب روث وهارولد بلوم وليو ستروس.
لكن قبل الوقوف على أنموذج أبدايك ينبغي التأكيد على أن المشهد الثقافي الأمريكي المشار إليه مشهد شديد التركيب والتنوع ولا ينبغي من ثم إختزاله كما لو كان كياناً متجانساً، ليس بالنظر إلى مفهوم الثقافة فحسب، الذي نعرف جميعاً كم هو معقد، وإنما أيضا بالنظر إلى صفة "الأمريكية" التي نختزلها أحياناً كما لو كانت كلا واحداً وواضح المعالم. لكني أعرف أن الدخول في لجة هذه المفاهيم يعني عدم الخروج منها قبل صفحات وصفحات، وهو ما لست مهيئاً له ولا راغباً في الدخول فيه. يكفي أن ننطق هنا من الوعي بإشكالية المفاهيم التي نتعامل معها، والتي أختصرها- وإن على حساب تعقيداتها- بالقول إن المقصود بالثقافة الأمريكية هو تلك الأنماط المتعددة من الإنجاز الفكري والفني والأدبي المنتج على مستوى النخبة المبدعة في مختلف المجالات المشار إليها والتي تعكس تعدد التركيبة الإثنية (العرقية/ الإجتماعية/ الثقافية) للنخب الأمريكية من ناحية، وتعدد قيمها إهتماماتها ومصالحها، من ناحية أخرى، مثلما تعكس، من ناحية ثالثة، إندماجها في السياق الحضاري الغربي.
بتوضيح المنطلق المفاهيمي نستطيع أن نعيد طرح الأسئلة حول الكيفية التي تبدو فيها الثقافة العربية للمثقف الأمريكي، والمقصود به هنا المثقف المعاصر. وقد أشرت فيما سبق إلى عدد من الأسماء التي يمكن تناولها في هذا السياق، ومنها- للتذكير فقط- شعراء مثل روبرت بلاي ونقاداً مثل هارولد بلوم وروائيين مثل جون أبدايك وفلاسفة مثل ليو ستروس.
عندما نأتي إلى المثقفين خارج الدائرة المشار إليها، أي إلى المفكرين والكتاب والفنانين سنجد أن الثقافة العربية، أو بالأحرى العربية الإسلامية، احتلت واجهة الإهتمام لدى بعض أولئك ممن لم يكونوا ليهتموا بها من قبل، وذلك لسبب واحد معروف، هو الحادي عشر من سبتمبر. فمن يزور المكتبات الأمريكية، أي أماكن بيع الكتب وليس المكتبات الجامعية والعامة، سيجد أن كتباً كثيرة حول العرب والإسلام تحتل الواجهة، سواء جاء العرب والمسلمون لوحدهم أو جاؤوا في سياق الإهتمام بإسرائيل أو بالحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان، أو من زاوية الإهتمام بالبترول والطاقة، أو بما يطلق عليه حالياً "الحرب ضد الإرهاب". الثقافة العربية تتسلل من خلال هذه الموضوعات عبر زوايا مختلفة وبمواقف مختلفة لكن الطاغي على كل تلك يظل الجانبان السياسي والإقتصادي.
المصدر: كتاب الإختلاف الثقافي وثقافة الإختلاف
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R