نصير عواد
ترتبط حركة المجتمع بنشوء حاجات إجتماعية وثقافية متنوعة تتحول بفعل التراكم إلى لبنات حقيقية تشكل هوية الأمة وتاريخها, وإن الذاكرة القادرة على إستعادة وتوثيق الحوادث التي أتت عليها أحوال، هي إحدى تلك اللبنات والوسائل المعرفية التي ستساعد الأجيال القادمة في ذلك.
وبما أنه لا يوجد إنسان دونما حكاية حتى لو ولد ميتا، فإن الحادثة التي تؤسس للحكاية هي كلمة السر فيما نكتب وفيما نروي عن الماضي. ومن هنا فإن إستعادة التجربة الذاتية والإجتماعية ارتبط تقبلها عند القارئ قبل أي شيء بحقيقة المعلومة وواقعية الحكاية وطبيعة أبطالها وأماكنها، ومن ثم أساليب الإستعادة والسرد والتوصيل.
إن الكتابة عن الماضي هي كتابة عن (المشروع) وإن اختلفت التحديدات في أنواع الكتابة السيرذاتية. كأن تكون المذكرات أكثر التصاقا بالمشروع لفئة معينة، السياسي مثلاً، في رواية الحوادث الفردية والإجتماعية، والمترابطة والمتسلسلة، أو يلجأ آخرون إلى الذكريات عند انتقائهم الحوادث والشخصيات لغرض أو خلل في الذاكرة، ويفضل آخرون الترجمة الذاتية لرواية مرحلة عمرية محددة، وهكذا السيرة الروائية، الشهادة، المقالة اليوميات.. إلخ كل حسب أولوياته.
إن قدر الكتابة السيرذاتية ليست فقط التنوع في الفئات والشرائح الإجتماعية، بل وكذلك إشكالية جنسها والسياحة بين المفاهيم والتجارب والأساليب، يمارس فيه مؤلفيها تذكر الماضي عبر خطاب ممتع ومتنوع غالبا ما يلهينا عن البحث في التفاصيل والإختلاف مع المعلومة التي يتضمنها. وهذه الحالة الزئبقية التي يتفلت بين ظهرانيها مصطلح الكتابة السيرذاتية أنتجت عشرات التعريفات والشروح والتحديدات والمصطلحات أو صلتنا إلى وهم تجاوز اشتراطات الجنس والسن والملامح لهذا المخلوق، وجعلتنا نشعر مع كل كتاب جديد أننا بحاجة إلى تعديل المفهوم وكأن لكل كتاب جنسه.
وهذه الحالة الرجراجة التي تتوسط المسافة بين الحادثة وبين إيصالها والتي غالباً ما يتم تناولها أدبيا، يغذيها منذ البدء عنصران مهمان هما طبيعة السارد ومرجعيته وثقافته من جهة، وأخرى طبيعة الكتابة السيرذاتية الموزعة على والمتأثرة بأكثر من نوع وجنس.
إن إختلاف التعريفات في الحدود الأدبية والتاريخية اتفقت عموماً على أن السيرة الذاتية تحكي التجربة الفردية "والإجتماعية" التي جرت أحداثها في الماضي. ففي قاموس أوكسفورد كانوا قد أوجزوا تعريفا للسيرة الذاتية بأنها (كتابة الشخص لتاريخه، قصة حياته بقلمه) وغالبية اللذين تناولوا الكتابة السيرذاتية وتوسعوا، نسبيا، في تعريفهم لها لم يذهبوا بعيداً عن ذلك، ووقفوا طويلا عند الملامح العامة لها ومرددين ما قاله من سبوقهم في عناوين السرد ليجدوا أنفسهم في موقع لابد فيه من إضافة تعريف يختصر تلك العموميات دون أن يؤكد تحديداً متفقاً عليه.
فنجد الدكتور محمد الباردي يرد الكثير من التعريفات. موضحا ومختلفا ومتفقا- لكنه يلقي بحبله قريبا من ذلك فيقول "إن السيرة الذاتية هي حكي إستعادي نثري بأشكال سردية متنوعة يقوم بها شخص واقعي عن وجوده الخاص والعام وذلك عندما يركز على حياته الفردية والجماعية وعلى تاريخ شخصيته الجزئي أو الكلي".
وهذا التعريف توسعة لما أورده الباحث الفرنسي المتخصص بالكتابة السيرذاتية فيليب لوجون الذي ركز في الكتابة على الفرد وتاريخه الشخصي "أنها حكي إستعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يكرز على حياته الفردية وتاريخ شخصيته بصفة خاصة".
وهنالك الكثير من التعريفات العربية وغير العربية المرتبطة طرديا بكثرة وتنوع كتابات الأدب الشخصي التي لا يسع المجال لذكرها بالتفصيل. وهي ظاهرة صحية في الحياة الأدبية وأثرا من آثار الحداثة الأدبية كما ذهب إلى ذلك (جورج ماي)، وإن لم تؤدي بعد أكثر من قرنين على ظهورها إلى تعريف متفق عليه.
إن التعريفات الأوربية، على أهميتها، وبسبب مرجعياتها ومساحة الحرية التي تتحرك فيها قد لا تنسجم والكتابات التي ولدت في حاضنات بعيدة وظروف مختلفة ما قد يؤدي إلى إسقاطات خارجة على طبيعة الكتابة الجديدة تكرس تابعيتها وتخلفها، أو في أحسن الأحوال لي عنق الكتابة الجديدة لتنسجم وتحديدات التعريفات الأوربية، متجاوزة الزمان والمكان وطبيعة المجتمعات وثقافاتها.
وما قاله فيليب لوجون من أن السيرة الذاتية تعبير عن الإنسان الحديث، عموماً، لا يعارض ما ذهبنا إليه. فطبيعة مجتمعاتنا الشرقية تخفي متناقضات لا تحسد عليها وإن غلب عليها التحفظ والكتمان. ففي التطورات العالمية الحديثة نشهد تقليعات وتغيرات متسارعة ومذهلة عن رياضيين رشيقي العضلات ومطربين صغار السن بزوا السياسي والمثقف والعالم والعسكري بعد أن كتبوا أو كلفوا من يكتب لهم سيرتهم رووا فيها مشوارهم الإحترافي والأسرار والخفايا التي تميز هذا الميدان عن غيره، ومزينة بأجمل الصور والمواقف. وهنالك كتابات مجهولة ظهرت على الشبكة العنكبوتية للإنترنت بأسماء مستعارة لشباب حديثي التجربة في مناطق خطرة من عالمنا الثالث تروي عن الحروب والهجرة السرية ومعاناة الأقليات، وقد ترجمت إلى اللغات الأوربية وصنعوا منها أفلاما أو قدمت على خشبات مسارحهم. هذا إلى جانب الكثير من الكتابات التي جرت العادة على ظهورها في المناسبات والأزمات وبعد موت أصحابها، عكست تأثرا بتلك الصرعات. فبعض المؤلفين أدخل من عندياته فصولا وصورا معدة بإتقان عن طريق الكومبيوتر لغرض التشويق، ليس لها أصل في واقع الأمر (مذكرات سليمان فيضي) وهو ما ألقى بظلاله على أمانة الوثيقة.
وبعض كتاب السيرة يحلو لهم أن يزينوا النص الأصلي الذي ظهر قبل سنين لغرض جعله معاصرا وحديثا ودعمه بوثائق وصور لم يتسن لصاحب الشأن الحصول عليها في حياته. وبكلام آخر فإن التطور المضطرد والسريع للمجتمعات الذي أشاع الكتابة السيرذاتية هو الآخر ترك على عدم استقرار المصطلح ووضوحه.
منتصف القرن الماضي وجد الكثير من العرب، من أهل الفكر والعمل الذين ساهموا سلبا أو إيجابا في تطور مجتمعاتهم بعد سنين من النسيان وتبادل المواقع، وجدوا أنفسه في صداقات حميمة مع أعداء الأمس من سياسيين ومثقفين وعسكريين إما جيران في السجن أو غرباء بالمنفى يرددون سوية شعارات العصر الليبرالية في الدفاع عن الأفكار والمعتقدات والحقوق بعد أن كانت هذه المفردات سببا كافيا في تصفية بعضهم بعض. لتوالي النكسات وتطور الأفكار وتغير الأمكنة ونضج التجربة وركض السنين صوب النهايات من الأسباب التي دفعتهم إلى سماع الآخر وتوسيع مساحة الحرية على مضض أحياناً، مدافعين عن مواقفهم ومتطوعين بالرد على الكثير من التشوهات والمبالغات التي طالت حوادث مهمة سبق أن عاصروها أو ساهموا بصنعها، ليجرهم ذلك إلى فكرة كتابة المذكرات والسير والشهادات والمقالات وأحياناً القصائد والروايات.
إلا أن ذلك لا ينفي بقاء الكثير من العداوات والصراعات التي وجدت طريقها إلى الكتابة السيرذاتية.
ولو تركنا الموت جانبا كونه حق، فإن الأسباب والأغراض التي تقف خلف كتابات الأدب الشخصي غير ما ذكرنا وأوسع من كونها تسجيل معاصر لتاريخ المؤلف ودوره الذي لعبه فيه. فمنهم من وضع ذاته موضع الكتابة وآخر وضع مجتمعه موضع المساءلة وهنالك من وضع تجربته التي تفسح في المجال للآخرين والمقربين وطبيعة المهنة ونوعية المنضمات.
تتفاوت بينهم الرؤية والجرأة والأسلوب وإختلاف الثقافات والمجتمعات وصولا إلى الدوافع المرتبطة بتجربة المؤلف وطبيعة علاقته بالحوادث.
إن عدد سنين العمر لوحدها لا تفسر أسباب الكتابة، وقد كره ذلك كثيرون. فهم بعد أن قطعوا عمرا صوب المثال والهدف نجدهم في نهاية الرحلة لا يهدؤون أو يتمتعون بما أنجزوه بل يعاودون الرحلة وصحة المشروع. وهو ما أدى بكثير من المؤلفين اللذين كانوا طرفا في النزاعات إلى إستمرار خصوماتهم على الورق إستكمالا لتلك التي كانت على الأرض. وقد يكون دافع الكتابة متعة استرجاع الحوادث مرة أخرى على الورق بعد أعوام على وقوعها رغبة في إشراك الآخرين بمعاناته، وقد يكون الدافع مواجهة التشوهات الحاصلة للحوادث بمبادرة فردية أو بطلب من الحزب أو الصحيفة، وقد يكتبها آخرون انسجاما مع حالة ثقافية شاع فيها الأدب الشخصي، أو يضمن المؤلف لنفسه- ومن خلفه دار النشر- ربحا ماديا وذكرى طيبة وفكرة للتواصل، أو بسبب حادثة مفجعة تكون بمثابة الشرارة التي تضئ ما مضى من حوادث.
علينا أن لا نندهش لكثير من السير التي كتبت بعد وفاة أصحابها أو المذكرات التي كتبت بيد آخرين في حياة أصحابها بسبب المرض والعجز كما حدث مع الشاعر محمد مهدي الجواهري وسليمان فيضي أو كتبت بطلب رسمي عن أفراد أو أحزاب أو مؤسسات رسمية، ما قد يؤدي إلى ظهور كتاب ومثقفين معنيين بكتابة هذا النوع من السير معتمدين على قدراتهم الثقافية والتخيلية وقربهم أو انحيازهم إلى صاحبها.
هنالك من السياسيين والمثقفين والعلماء الذين قدموا الكثير لبلدانهم ولم يجدوا ضرورة لرواية ذلك، لا بخلا على القارئ ولكن بعداً عن مساوئ (الأنا) وقربا من آخر المشاعر. وهنالك من لم تسنح لهم الفرصة بالكتابة لتبقى تجاربهم الفردية والإنسانية مسودة حياة لم تبيض على ورق.
إن فعل إستعادة الماضي الذي يسير بساقين من التذكر والإبتكار ليس حكرا على شعب دون آخر، ولا يحدده عمرا أو ظروفا سياسية وإجتماعية معينة تكون فيها أكثر أهلية من غيرها للإستعادة، أو على الأقل لا يلعب ذلك دورا حاسما في طبيعتها. ففعل التذكر متأصل في طبيعة البشر، وهو ليست مرحلة عمرية يصلها الإنسان تحتم عليه ذلك.
كثير من مؤلفات الأدب الشخصي ظهرت إلى النور بعيدا عن اشتراطات الكتابة من مثل نضج التجربة وإكتمالها وترجل الفارس بعد سنين عن حصانه في فسحة هادئة تتيح له الفرز والإنتقاء، ولكننا لا نستبعد تأثير ذلك. إن سنين العمر ليست مصفاة تستبقي الحوادث الكبيرة والمفصلية، إنما الذاكرة في خريفها غالبا ما تتجه إلى إبراز وتجسيد الدلالات والدروس والمفاهيم المعبرة عن تجربة الراوي. الذاكرة في اقترابها من الوعي المتأخر المرتبط بالصالح العام، كثيراً ما تعمل على تقديم وتأخير في سلم الأولويات والأفضليات، المربك لتلقائية سير الحوادث. ولكننا قد نصادف يوميات كتبت في مقتبل العمر أو مذكرات جمعت في منتصفه وأصبحت فيما بعد مادة الكتابة وأساسها أو وثائق تعود إلى ما قبل حياة المؤلف؛ أي أن نشاط الذاكرة في مرحلة عمرية دون أخرى أو موضوع دون آخر، عملية قصدية يبتكرها المؤلف لأغراض السرد.
وبكلام آخر فإن هذه الكتابة ليس على الدوام عملا من أعمال الشيخوخة وإن كتبت بعضها على فراش الموت أو بعد رحيل أصحابها.
إن الكتابة السيرذاتية لا تشترط ظروفا إيجابيا أو سلبية، انتصارات أو هزائم لظهورها. ولا تشترط على طبيعة المجتمع حادثات دون أخريات. صحيح إن للمواجهات العسكرية والصراعات السياسية والإجتماعية والإنقلابات العسكرية تأثيراً بائنا على ازدياد ظهورها بسبب ما توفره من معلومات متنوعة ووثائق غنية وأسماء أعلام مشهورة، إلا أن السيرة الذاتية من الجهة الأخرى قد تحتاج الهدوء والإستقرار وبعض الوقت لغربلة المعلومات ومقارنة الحقائق وإختمار الأفكار وإصدار المواقف ثم الكتابة.
على أننا في الحالتين لا نستطيع التأكيد على أولوية أسباب دون غيرها، خصوصا والوضع العربي يعيش احتقانا مزمنا ومستمرا لعشرات السنين قد لا يتيح الوقت المثالي لكتابتها. عموما فإن طبيعة الكتابة السيرذاتية يحددها- إضافة إلى طبيعة الراوي وتجربته- بنية المجتمع الذي جاء منه المؤلف والتي تعمل كإطار سياسي وإجتماعي وثقافي نستعد إليه في تبيان علاقة المؤلف بالحوادث، كأن تكون بنية محتدمة ونشطة ومتنورة نسبيا كما بالعراق وسوريا وفلسطين ولبنان تسود فيها الكتابات السياسية والعسكرية والتنظيمات السردية والسجون والقسوة، أو تكون بنية هادئة وحديثة التشكل يشغلها الكتابات الإجتماعية والدينية والهوية الثقافية كما في دول الخليج العربي التي تضج بالقيم والتقاليد والتعقيدات المسكوت عنها والممنوعات الصغيرة مثل ركب الدراجة الهوائية ولبس النظارات وغطاء الرأس وغيرها.
إن التناقضات والصراعات والقسوة التي تعج بهم الكتابة السيرية أو تلك الهادئة والحديثة التشكل ترجع إلى طبيعة المجتمعات العربية المعقدة وإلى التجارب التي عاشها مؤلفوها والتي تعد عاملا أساسيا في الكتابة السيرية، ولكن رغم هذا التفاوت بين البيئات الإجتماعية العربية فإن هوية الكتابة حين ننظر إليها في العموم نتلمس تقاربا في التواريخ وتشابها في الأمكنة وتداخلا في الأزمنة، وتراجع صوت الفرد لصالح الآخرين. وتهميش جنس الكتابة لصالح عموم الثقافة، وسوف لم يتبق مما ذكرنا (الإحتدام والهدوء) سوى علامات دالة على ثقافة إنسانية عامة متنوعة ونضج بالتفاصيل والخصوصيات.
إن نوعية الكتابة السيرذاتية وإختلاف مرجعيتها ليست لهما علاقة مباشرة وحاسمة بكميتها. ولو تركنا المنفى كونه حالة طارئة أدت إلى ظهور الكثير من الكتابات بسبب مساحة الحرية وتحسن الأداء، فإننا نشهد كثافة لظهورها في المجتمعات المحتدمة حينا وآخر في تلك الحديثة التشكل، على أنهما في كلا الحالتين يشكلان جزء من ثقافة المجتمع وتاريخه.
فالحادثة هي مادة الكتابة، ويمكن تناولها على أنها جزء من حركة المجتمع بغض النظر عن طبيعته إن كانت محتدمة أو هادئة. ففي دول الخليج وبعد أن كنا كغيرنا نردد كذبة شفاهية عن طبيعة المجتمع الإسلامي المحفظة التي تفيد بأنها أرضا غير خصبة لنمو أساليب الكتابة التي تتعرض لخبايا الذات والأعراض والمقدسات، نجد في الأعوام الأخيرة تطورا ملفتا في كتابات الأدب الشخصي تعكس مناخا إجتماعيا خاصا، صاحبه ظهور دراسات وكتابات واهتمامات من القراء والدارسين تدعم ذلك.
ونود التأكيد هنا على ان التحديدات النهائية والمطلقة والباتة لنشاط الأفراد والمجتمعات التي تعودنا عليها في السياسة والإقتصاد، قد لا تفيد كثيراً في التعامل مع كتابات الأدب الشخصي لأسباب كثيرة من بينها حداثة تكون المجتمعات العربية وهشاشة البنية الثقافية التي جعلت منها مستهلكا وتابعا، وكذلك حداثة الكتابة السيرذاتية في عالمنا العربي، وحركية المفهوم وعدم الإتفاق على تعريف معين.
كتابات الأدب الشخصي المحتفية بالحوادث والمستندة إلى الفعل الماضي لا تستطيع التخلي نهائياً عن ضمير المتكلم (الأنا) في فعل الكتابة، شأنها شأن أنواع الكتابة الأدبية الأخرى وإن اختلفت مساحة الحرية بين نوع وآخر.
وهذه (الأنا) التي تروي عن الذات والمجموع تزداد كثاقة ووضوحا رمزيا كلما تكرر إنكارها أو الوقوف طويلا عند انغماسلها في المجموع كما نجده عند رفعت السعيد في (مجرد ذكريات) وغيره من أصحاب التجارب المريرة. ونحن نجده من الطبيعي وقوف المؤلف عند شخصه في هذا النوع من الكتابات لأنها ليست معنية فقط بتلك الحوادث التي وقعت والتي شارك فيها هو والآخرون بل هنالك حادثات خاصة داخلية بين الفرد وذاته يعبر عنها بالأفكار حتى وإن لم تقع مثلما نجده عند الراحل وإدوارد سعيد "خارج المكان". ولذلك نجده من الطبيعي حتى عند أولئك الأشد نكرانا للذات واندماجا في المجتمع والتعبير عن حاجاته، العودة للوقوف عند عتبة (الأنا) وتوضيح دورها في صنع الحوادث، وقوفا قد تشغلهم الإطالة فيه أحياناً عن شرطهم الموضوعي ووجودهم الإجتماعي وتأتي بمردود على عكس المتوقع، إلا انه مطلوبا ولا تستقيم الكتابة من دونه باعتباره عنصرا من عناصر الحادثة وأداة من أدوات توصيلها.
الكتابة السيرذاتية- حتى الآن- هي من السرديات التي تتمتع ببطل واحدا يتذكر الآخرون. واستناد هذه الكتابة على التجربة الشخصية يجعل من حقيقة تكرار ضمير المتكلم ظاهرة طبيعية في سرد الحوادث. فعودة المؤلف إلى ذاته وإبحاره في اتجاهاتها المحرمة والمحزنة أو المحرجة والمفرحة بالأسلوب الذي يناسبه لا يشغله على الدوام عن التوقف عند الأسماء والأحداث والظروف التي وقفت خلف تجربته. الأنا هنا لا تلغي الآخر. وأحيانا نلتقي أسماء أعلام على لسان الراوي وقد أفردت لها فصول، وأحيانا نصادف إسترجاعات غيرية يتوقف عندها الراوي لأبطال ورواة وظروف لم يعشها المؤلف وذلك دعما لروايته وافكاره.
إن عدم وضوح معالم التجربة وارتباكها المتجسد في كثرة الهوامش المبتعدة عن بساطة القول وصدقه المفسدان للمودة، أدى بالمعنيين إلى دفع الكتابة باتجاه الشخصي والسياسي حينا وباتجاه الأدبي والثقافي حينا آخر، وهم ممسكون بلسان الأسرار. وهذا القلق الذي يجلب مشاكله معه لا يعدم حقيقة أن الكثير من الشعراء والروائيين والسياسيين المشهورين رووا بخجل سيرهم، بلغة ممتعة عالية التراكيب والدلالات تضمنت السياسي والأدبي معا كمحمد مهدي الجواهري ونيازي مصطفى وطه حسين وحنة مينة وزكي خيري وآخرين.
هذه الكتابات الأدبية التي تتلمس طريقها وسط السرب دون القدرة على الخروج منه وعليه، تزودت منذ البدايات بخبرات الفنون الإبداعية والفكرية كالفلسفة والتصوير والشعر والقص وغيرها، لترتبط معهم بعلاقات متباينة في أساليب التوصيل حسب طبيعة الثقافة التي تقف خلف تجربة المؤلف ونوعية المطبوع.
وهذا الإرتباط لا يحكم الكتابة بقدر ما يوفر لها الإمكانيات التي تغنيها وتؤكد خصوصيتها في مجال الإسترجاع ورواية الحوادث التي وقعت وإسنادها. فمنهم من يروي الحوادث التي ساهم فيها فقط عن قرب أو عن بعد في ترابط وتسلسل تحتوي الغث والسمين (مذكرات توفيق السويدي) ومنهم من يروي الأقرب للواقع وللأفكار والحليلات ومتوقفا عند المهم منها وقافزا على التفاصيل الجانبية (هاني الفكيكي- أوكار الهزيمة) ومنهم من يغرف من الجانبين، وكل رواية تتطلب أسلوبا مختلفا في التعامل مع عناصر الحادثة في الزمان والمكان والأبطال والظروف المحيطة (رفعت السعيد- مجرد ذكريات) ومنهم من تتحول عنده الحادثة إلى أفكار وتحليلات إجتماعية عميقة (إدوارد سعيد، خارج المكان) ومنهم من فسر كتاباته وإبداعاته الفكرية على أنها سيرته الذاتية كما ذهب إلى ذلك التفكيكي جاك دريدا. وأيا تكن الأسباب والدوافع التي تقف خلف كتابة السيرة الذاتية فإن تفاصيل حياة المؤلف وثقافته ومهنته وتجربته ومجتمعه ستوضح ملامح السيرة وإطارها العام.
وهو ما دفع بالناقد شوقي ضيف إلى تصنيفها في كتابه (الترجمة الذاتية) بالتراجم الفلسفية، العلمية، والصوفية، والسياسية. وكذلك فعل إحسان عباس ووصنفها بالإخبارية، والتفسيرية، والروحية، والمغامراتية. وهذه التصنيفات ليست مطلقة أو نهائية، فطبيعة الكتابة السيرذاتية الميالة إلى الأخذ من المهن والفنون والآداب والجغرافية والتاريخ، لا تعدم تداخل الأساليب وإبراز أحدهم على حساب الآخر.
إن بوابة بيت الأدب الشخصي التي تنفتح على أنواع الصراعات والقيم والمفاهيم هي الحادثة، ولو بحثت الكتابة السيرذاتية في موضوع يقع خارج جريان الحوادث سوف تكف عن أن تكون كذلك وتتحول إلى كتابة أخرى. الحادثة هي مادة الكتابة، ويتم التعامل معها في سياقات متنوعة/ متسلسلة، متقطعة، متداخلة/ حسب طبيعة الكتابة.
إن دراسة الحادثة بشكل منفصل لا تقلل من أهمية موضوع الكتابة. ولذلك فإن أدوات السرد لوحدها، على الرغم من أهميتها وإنشغال الجميع بها في توصيف الكتابة السيرذاتية، لا تقول كل شيء. فمثلما يقف المؤلف عند أدوات التوصيل كاللغة والخيال والخبرة وغير ذلك، يقف القارئ عند صحة المعلومة التي توصلها الأدوات. لأن تأثير الأدوات الممتع سيكون سريع النسيان في غياب معلومة واقعية ومقنعة ومؤثرة تسندها. صحيح إن الحادثة وأدوات توصيلها من الناحية النظرية متخادمان ومرتبطان، إلا أن الواقعة الكتابية المنشغلة بالسرد والتوصيل هي غير تلك التي وقعت على الأرض مرتبطة بالزمان والمكان والأفراد. ففضاء السرد المنشغل بمستوى الخطاب ودلالته ليس هو فضاء الحوادث الواقعية المتمثلة بعناصرها في حراك إجتماعي لا يكف عن التراكم. وما أن تصبح الثانية موضوعا للأولى حتى يعاد إنتاجها طبقا لشروطه اللغوية والتخيلية. وهي شروط ديدنها الإبداع والتلاعب بالمبنى الواقعي لحقيقة وقوع الأمر وظروفه وعناصره وعلاقاته مع جيرانه.
ولذلك فإن الحادثة الواقعية التي تبنى زمن كتابتها لا زمن وقوعها تتطلب إضافة إلى التوثيق والتأريخ، تنوعا وتطورا في أدوات السرد لغرض توصيلها بشكل مقبول من جهة، وأخرى للتخفيف من شكوك القارئ، في إن تنوع أدوات السرد وتطورها لا يضعف من صحة المعلومة.
إن عملية التفضيل بين حقيقة المعلومة وبين أدوات التوصيل، تبقى عملية نسبية تحددها طبيعة القارئ وثقافته. لأنه ببساطة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وإن كان في الإمكان تغليب أحدهما على الآخر "إن الحادثة أو الحقيقة لا تكون كذلك إلا بالوصف وأن أية ظاهرة يمكن أن توصف بطرق متنوعة، فتدخل بذلك إلى فرضيات شرح مختلفة".
إن إختلاف أساليب التوصيل الناتج عن تنوع التجارب والثقافات في واقع إجتماعي متحرك، لا يلغي الحادثة وحقيقة وقوعها بقدر ما يضيئها ويجعل من كثرة الكتابات ظاهرة إيجابية تساعد في رؤية مظان حقيقة التفاصيل المخفية بين ثنايا التوصيل "وهذه المذكرات قد تتناقض في ذكر الأحداث ولكن تناقضها يعطينا وجهات نظر مختلفة حول الأحداث قد يساعدنا على فهم بعض خفاياها". إن كثرة الكتابات وتناقضها هو إعادة إنتاج الحادثة الذي عنونا به تابنا، والذي تتجلى أهميته بالنهاية في تكوين خطابا ثقافيا وتاريخيا عاما يعكس حركة التطور متضمنة هوية أبطاله وحركة مجتمعه، ومن دون أن تكون هذه الكتابات لوحدها هي الهوية أو التاريخ.
غنى الواقع لا يضمه كتاب، والحقيقة لا تغمض في فكرة. وبالتالي فإن كثرة الكتابات الشخصية سيساعدنا ليس فقط في زيادة التراكم التوثيقي الداخلي والرد على الرواية الرسمية وتقليل الإعتماد على الآخر في كتابة التاريخ الإجتماعي للمجموعة، بل وكذلك يساعدنا على دراسة طبيعة الحوادث والتعامل مع الروايات المرتبكة والمتنوعة على أنها وجهات نظر متعددة في حراك إجتماعي مستمر، أكثر من كونها حقيقة وحيدة الإتجاه لتوصيل الحدث كاملا. بكلام آخر هي إعادة إنتاج للحوادث التي تناولها الآخرون لتكون صفحات من التاريخ وليست التاريخ. فالمذكرات مثلاً كنتاج فردي يتاخم التاريخ ويخص تجربة فردية وإجتماعية معينة في زمان ومكان معينين، لا يمكنها تغطية الجغرافية الطبيعية والإجتماعية والثقافية لعموم البلد ما يدفعنا للبحث عن ذلك في تنوع وإختلاف تلك الكتابات وتناقضها.
لقد كان القدماء يكتبون سيرهم بأسلوب لا يفسح في المجال للتشكيك والإختلاف هدفه التأثير على العامة والإستفادة من العبر والدروس والأعمال الخيرة، فجاءت سيرهم متشابهة تبحث في المناقب الخيرة لأصحابها ولا تحتمل الإختلاف والتناقض والتصادم. فإن إختلاف الروايات بسبب تنوع التجارب والأغراض والزوايا التي يقف عندها الرواة، يأخذ ويعطي للحادثة، ليس بعيداً عن دعاوى الصدق والحقيقة والأمانة وطموح كل راو في أن تكون روايته لبنة في تاريخ المجتمع الذي ينتمي إليه، إلا أن المذكرات التي ترويها التجربة، عن قريب أو بعيد لا يمكن تسميتها والتعامل معها على أنها تاريخ، وكذلك لا يمكن فصلها عنه بسبب الطبيعة التوثيقية وواقعية الحوادث الكثيرة والمتنوعة في حياة المجموعة وأسماء الأعلام والأمكنة التي تساعد المذكرات "أكثر من أي جنس أدبي آخر" في الإقتراب منه.
المصدر: كتاب إعادة إنتاج الحادثة (دراسة تطبيقية في الكتابة السر ذاتية)
www.balagh.com
|