|
* د. مسفر بن علي القحطاني
هناك دور وجداني تثيره الفنون في نفوس الناس، كما إنها تغير أفكارهم عبر أدوات الفن وتعبيرات المشاعر المتنوعة؛ كالقصيدة واللوحة واللحن الجميل الملتزم والأدب النثري المتعدد، إلى المسرحية الهادفة والتمثيليات السامية، كل هذه الأدوات وغيرها أصبحت في عالم اليوم رهانات التأثير على عقول وقلوب الناس أجمعين شئنا أم أبينا.
والواقع المعاصر أثبت دور هوليود في تمرير أفكار العنف والتسامح الأمريكي والتعالي الأبيض على الآخر، ونشر الأنموذج الغربي على العالم كله ما لم تستطع القيام به كل مؤسسات الحكومة الأمريكية على مدار عقود من الزمن ومثلها "والت ديزني"، وأفلام الكرتون الياباني وبرامج (BBC) و(CNN) و(ABC) وغيرها من أدوات سيطرت على الوعي لدى الكثير من العوام، وعلى اللاواعي عند المتمنع من النخب المثقفة أو السياسية.
هنا نتساءل أمام تلك النازلة عن الموقف الشرعي جرّاء هذه الأدوات الجديدة؟ وما هو الدور الفقهي الذي يجب أن يقدمه العلماء المسلمون؛ كخطابٍ جديد يستشرف المستقبل، ويقرأ الواقع بفقه ودراية علمية، وكبديلٍ مباح يمنع الناس من التهافت نحو المخالف لليدين والعقل؟
كما أني لست بصدد تأصيل الموقف الشرعي للتعامل مع الفنون المختلفة بذكر النصوص والشواهد النبوية في تسويغ هذا العمل؛ لأن القاعدة في هذا الشأن هي الإباحة الأصلية ما لم يرد دليل من الشرع على البطلان والمنع.
وأعتقد أننا يجب أن نتجاوز هذه المرحلة إلى البحث عن مبادرات عاجلة وبرامج ناضجة تُقدّم كبديل مشروع للأعمال الفنية الملتزمة، وهذا لا يتأتى إلاّ من خلال مؤسسات مالية تقوم بالإنتاج الفني وتراعي قيم الشريعة، وتحافظ على الجودة العالمية في تقديم برامجها وأعمالها.
وهذا يحتاج جرأة وعملاً محسوباً، ولن يُعدم من الناقدين المتخندقين للذم وسبّ الواقع فقط، بينما طبيعة المعركة تحتاج إلى إقدام ووعي وإيغال في ساحة المقابل، وسحب البساط من تحته.
ولا أظن عاقلاً اليوم يرى أن موقف التفرج والصمت عما يحدث لعقولنا وقيمنا وأجيالنا القادمة أنه المطلوب شرعاً؟! بل أعتقد أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصح الخلق، وقول الحق يقتضي العمل الجاد والمبادرة العاجلة لتحويل هذا الإقبال الشديد نحو الفنون إلى خدمة للدين ومشروع للإصلاح الرشيد.
والعمل الفقهي المعاصر أبدع في حلول كثيرة مرت بها المصرفية الإسلامية، ونوازل الطب الحديث وغيرها من المستجدات، وهو اليوم في محك البحث عن البدائل المشروعة للفنون العالمية المتنوعة، وأقترح أن يقوم مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بالبحث وتجلية الأحكام حول نوازل الفن المعاصرة، ولا بأس من جمع الفقهاء وأهل الصناعة الفنية في البحث عن الحلول والعلاجات السديدة لهذه القضايا الطارئة، ولنا في مقاصد الشريعة مسوّغ للعمل وحافظ على البحث وسياج من الخلل والزلل.
فهل العقل الفقهي المعاصر قادر على تحويل هذا التهافت العالمي نحو الفنون التي فرضتها العولمة المادية إلى خيارات محببة لزرع القيم وترسيخ المقاصد الدينية من خلال ثورة الفنون الجامحة؟!
www.balagh.com
|