ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

مجال بحث حكمة الفنّ الإسلامي

* د. محمد علي آذرشب
يمكن لحكمة الفنّ الإسلامي أن تكون موضوعاً للبحث في إطار العلوم الثقافية. وهنا يطرح السؤال التالي: هل يمكن للعلوم الأُخرى أن تكون مجالاً لبحث حكمة الفنّ الإسلامي؟ فهل يمكن مثلاً لعلم الاجتماع مع كلٌ جوانبه المعاشة أن يكون ذلك المجال؟ أو هل يمكن لعلم النفس مع كلّ ما فيه من غوامض وتشعبات يمكن تفسيرها؟ أو أن تكون الأيديولوجيات حيث المكان المناسب لانبثاق ما يجب وما لا يجب؟ وهل يمكن للإلهيات أن تكون ذاك المجال مع كلّ ما فيها من التساؤلات الماورائية؟
وللإجابة على هذا السؤال نقول: بأن مجال حكمة الفن الإسلامي مجال خاص متعال، وعندما تستدعي الحاجة لمزيد من إيضاح الموضوع أو البحث نضع المجالات الأُخرى في موضع البحث ثم ينظر في علاقة المفاهيم واللوحات مع المجالات الأُخرى تحت مظلّة مجال (الحكمة) الخاص.
- الاتجاه الاجتماعي في الفن:
لا تعتبر حكمة الفن الإسلامي طريقة فنّية اجتماعية، لأن اجتماعية الفن تبحث في الحالة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي، والمخاطب ومكانة الفنّان الاجتماعية، كما وتبحث أيضاً في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة بعملية خلق الأثر الفني، بالإضافة إلى المؤثرات الوطنية والدولية، إنّ الموضوع الفني – حسب الاتجاه الاجتماعي في الفن – يوضّح الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفنان أو المعتقد الذي يعتنقه ومدى تأثير ذلك في إلهام الفنان، كما ويبحث في هذا الاتجاه حياة الطبقة التي اختارها الفنّان ثم صوّرها أو عبّر عنها أو مثّلها في عمله الفني، كما لا يهمل في هذا الاتجاه الموقع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي للمخاطب، فقد يكون من الطبقة الحاكمة أو من عامة الشعب أو قد يكون من جيل الشباب أو من جيل الكبار أو من المفكرين والعلماء أو من العوام أو من القائمين على التربية الفنّية أو من الحكام والسياسيين أو من المثقفين والمتعلمين، وقد يكون المخاطب أيضاً أولئك الذين يخصّون الفنان بنوع من الاحترام والتقدير ويقدمون ميزانية خاصة لعلمية الاستثمار الفنّي سواء أكانت طبقة الحكام والمتمولين وأفراد الحكومة أو المؤسسات الحكومية والدينية والمؤسسات الخاصة والفنانين.
وكلّ ما ذكر لحد الآن يختص ببحث الاتجاه الفني الاجتماعي وليس لحكمة الفن الإسلامي البحث في الفنّ من هكذا جوانب.
- الاتجاه النفسي في الفنّ:
فعلى الرغم من أن بحوث الاتجاه الفنيّ النفسيّ ذات ماهية نفسية إلا أن ذلك لا ينحصر بهذا النطاق، ومن الممكن للأبحاث المتعلقة بالتاريخ، الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع أن تبحث الفنّ بماهية نفسية. فالاتجاه النفسي في البحث الفني يهتم بمزايا الفنان النفسية، كما ويهتم بتاريخ حياته الفردية وكيفيتها وبمقدار تأثير اللاشعور في أحداث حياته المتعلقة بمختلف مراحل نموّه ومعتقداته، كما وتقع الموضوعات الفنّية أيضاً في مجال بحث الاتجاه النفسي من خلال البحث عن الطوطم الروحي الكامن في اللاشعور التاريخي القبلي الذي أثر في الفنان، كذلك البحث عن ماضي الفنان وما اعترضه خلاله من مآس وأحزان ربما تكون قد نجمت عن الشعور بالنقص ومدى تأثير ذلك في نفسية الفنان وعملية تجلّي ذلك في أثره الفني، ومن أين نشأت هذه الأفراح أو هذه الصبابة أو هذه الأحزان الفنّية؟ فهل هي كما قال (يونغ) صادرة عن النموذج الأصلي (البدائي) وتأثيره على ساحة اللاشعور النفسي عند الفنان حتى تمكن من إخراج الصور الفنية بأشكال تجريدية أو تصويرية واقعية؟ أم هي كما قال (فرويد) ناتجة عن الغرائز الداخلية التي تم تعديلها بلطافة فخرجت عبر اللاشعور ومن خلال سيرورة من اليأس والهزائم المتكررة لتتمظهر في لوحات وتعابير فنية؟ أم هي كما قال (الفرد ادلر) ناتجة عن عقدة النقص والقماءة المتجلية بصورة رمزية في الأثر الفني؟
على كل حال، فإن المبدأ الأساسي حسب التحليل النفسي لظهور الصور واللوحات الرمزية في الفنّ هو اللاشعور، إذاً وبناء على ما تقدّم لا يمكن لحكمة الفن الإسلامي أن تكون اتجاهاً نفسياً في البحث الفني كما لا تبحث في مضمون الفنّ الإسلامي انطلاقاً من الجانب اللاشعوري.
- المباني الأيديولوجية للفن:
الفنّ الإسلامي ونظراً لطبيعته الإلهية يغاير في اتجاهاته العملية كافة الأوامر والسياسات المتبعة من الحكام والساسة، فالفنان المسلم لا يمكنه تقبل الأوامر من أي شخص أو مؤسسة إلا فيما يوافق طبيعة علاقاته وإيمانه ومعتقداته والتزاماته ولكن من الممكن تحليل الفنون والبحث فيها بالاعتياد على مبادئ وأسس أيديولوجية، ويَصدق هذا خصوصاً على الفنون التي تمت ونشأت ضمن إطار فكري واتجاه سياسي معيّن، ومثال ذلك الماركسية، فللماركسية أسسها الفنية الخاصة والتي تشتمل على الرؤية الكونية، التاريخ، المجتمع، العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، البطولة وضد البطولة، والشخصية، وعلم الجمال... وكذلك الفن الإسلامي، فنظراً لما يقدّمه من إيضاحات على كافة مستويات الحياة فهو يستطيع أن يضع لكافة الموضوعات الحلول المناسبة ويقدّمها للفنّ كالرؤية الكونية (الدنيا والآخرة)، التاريخ، المجتمع، الإنسان، البطولة، والروح البشرية وعلم الجمال وغيرها. وفي حال عدم وضوح هذه الأسس والمبادئ فلن يكون هناك أي خلق أو إبداع فنّي إسلامي ولن يكون هناك معيار لتقويمه أو الحكم عليه، إذاً فلا يمكن أن تكون حكمة الفن الإسلامي تأويلاً أيديولوجياً للفنّ.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R