ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

في شأن الثقافة وأحوالها

* أحمد الفلاحي
اشتقّت لفظة "الثقافة" في معناها اللغوي المعاصر ربما من "المثقف" والمثقف في مصطلحات اللسان العربي القديم هو "الرمح" فلعلهم أرادوا حينما أخذوا هذا اللفظ من ذاك أن الثقافة هي الصلابة والاستقامة كما هو الرمح في صلابته واستقامته. وفي معاجمنا اللغوية القديمة أتت كلمة الثقافة بمعنى الإتقان والدقة والحذق وربما هذا أيضاً توسع في المعنى نفسه الذي حدد لكلمة المثقف فالإتقان والحذق غير بعيدين عن الصلابة والاستقامة أو أنهما لصيقان ببعضهما، فالمتقِن – بكسر القاف – هو الحاذق الصلب الإرادة الذي يكون على غير اعوجاج في حذاقته ودقته وهو الأكثر تميّزاً بين أضرابه في حياته والأقدر في الإجادة عندما يقوم بالفعل. وأما المتقَن – بالفتح – فهو النتيجة المتولدة عن ذلك الحذق ولابدّ أن يظهر في منتهى الجودة والصلابة والقوة بحيث يستعصي على الكسر وسهولة الثني ولو أن الثني ليس بالضرورة علامة هشاشة وبحيث يكون متميزاً ليستحق صفة الإتقان التي وصف بها وليس في معاجمنا القديمة ما يعرف الثقافة بالتعريف الذي نعرِّفها به اليوم ولعل الكتّاب المحدثين حينما وضعوا هذا المصطلح أرادوا أن تكون الثقافة صلابة واستقامة تُوَجّه وتقود وتحمي ولكن المصطلح اتسع الآن اتساعاً كبيراً وأصبحت كلمة (ثقافة) تدخل في جميع المعارف والعلوم حتى حار اللغويون في وضع تعريف دقيق لها لأنها تكاد تدخل في كل الأشياء.
وقد حاول البعض أن يقسم الثقافة إلى نوعين هما (الثقافة المادية) و (الثقافة اللامادية) وعرّفوا المادية بأنها (كل ما يصنعه الإنسان في حياته العامة وكل ما ينتجه العمل البشري من أشياء ملموسة وكل ما يحصل عليه الناس من استخدام فنونهم التكنولوجية). ونظروا للثقافة اللامادية بأنها (مظاهر السلوك كالعادات والتقاليد والقيم والأفكار والمعتقدات) ورأى آخرون تعريفات أخرى. لست هنا بصدد التعريف اللفظي ولكني أحاول تلمس مكونات الثقافة وعناصرها وهي على العموم كما نعرفها اليوم التكوين التربوي للإنسان وهي النشأة وهي البيئة وهي المجتمع وهي أنماط السلوك والعادات وهي المعتقدات الروحية وهي القيم العالية وهي الأساطير والحكايات وهي الأعراف التي استقرت عليها المجتمعات وهي كل ما نسمعه ونراه منذ أن بدأ عقل طفولتنا يعي الأشياء.
وتتسع مداركنا ومفاهيمنا كلما تقدم بنا العمر وأوغلنا في الحياة أكثر ورأينا من تراكماتها وتقلباتها أشياء جديدة. وإذاً فالثقافة في مفهومها الأوسع هي كل شيء في حياة الإنسان وإن حاول البعض أن يقننها والثقافة بهذا المعنى تتجدد باستمرار وتتغير مع تغير الظروف والأزمنة. ففي القديم كانت ثقافة الناس هي أساطيرهم وتقاليدهم وأساليب ممارسة حياتهم وكلما زاد تطوّر الجماعات ونضجت رؤاها وأفكارها وعدّلت في نظرتها للأشياء دخلت عناصر جديدة في ثقافتها.
وكان الشعر والخطابة والحكمة والمثل من أبرز الموروثات التي دلتنا على ثقافة أجدادنا العرب في عصورهم القديمة وكما العرب كذلك اليونان والفرس والمصريون القدماء والهنود والرومان والصينيون وأمم الأرض القديمة. كل أمة لها موروثها الذي يعطي صوراً عن أحوال ثقافتها وعن تجدد تلك الثقافة مع تعاقب الأجيال. والثقافة متحركة متداخلة بين الأمم كلها في أي بقعة من بقاع الأرض كانت مؤثرة ومتأثرة تتطاير شذراتها وتنطلق بحكم تنقل الإنسان واتصاله بالآخرين على الرغم من الخصائص المميزة لكل أمة على حدة. وقد ترجم العرب في عصور ازدهارهم الكثير من كتب العلوم والمعرفة اليونانية والرومانية والفارسية والهندية وغيرها مما أنتجته الحضارات الكبرى التي سبقتهم والتي وصل إليهم نتاجها وأبدعوا في تلك المعارف والعلوم وتطويرها وتقنينها ووصلوا بها إلى مستويات لم تكن تخطر ببال أولئك القدماء الذين أسسوها وغرسوا بذورها الأولى وتوصلوا ببحوثهم وتجاربهم العلمية البحتة إلى كثير من الاختراعات والحقائق العلمية.
ثم قامت النهضة الأوروبية الحديثة على مؤلفات العرب ومكتشفاتهم وعلومهم العقلية والفلسفية والتطبيقية بعد أن نقلت إلى اللسان الأوروبي وظلت تدرس في مدارس أوروبا وجامعاتها لسنوات وسنوات. وعاد العرب اليوم مرةً أخرى يترجمون ويحاولون أن يصلوا إلى شيء من هذه الحضارة الباهرة التي جاءت بها أوروبا وما يزالون بعيدين كل البعد لأسباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها.
ومثل العرب حاولت أمم أخرى بهرتها هذه الحضارة العلمية العظيمة التي ما زالت معجزاتها تتوالى ومنجزاتها تفاجئ عقل البشر ومن تلك الأمم الصينيون واليابانيون والهنود وغيرهم وقد تفاعلت هذه الأمم مع هذه الحضارة التي اعتبرت حضارة للعالم كله وإن اختصت أوروبا بمبدأ نشأتها. ووصل البعض كما هو حال اليابانيين إلى قمة هذه الحضارة وعمق أسرارها منافسين أوروبا نفسها ومتفوقين عليها أحياناً. ووصلت أمم أخرى قريباً من القمة أو في وسط الطريق.. ومع الفتح الكبير في مجال الاختراعات الإلكترونية ووسائل الاتصال المدهشة تدفقت المعلومات على الناس في كل مكان بغير حساب فأصبحنا نرى ما في أمريكا وما في الصين لحظة حدوثه. ونتيجة لما نراه ونسمعه ونقرأه مما يأتينا من تخوم الأرض، البعيدة تغيَّرت طباعنا وتغيّر سلوكنا وأصبحت مفاهيمنا تختلف اختلافاً كبيراً عن ذي قبل ولم تعد عناصر الثقافة لدينا البيئة والمجتمع كما كانت عبر قرون خلت إذ لم تعد تأثيرات المجتمع الجبلي الذي اندمجنا فيه منذ آلاف السنين هي التي تشكِّل ممارسة حياتنا ولم تعد مجتمعات الشواطئ أو المجتمعات الزراعية والرعوية تحدد مسارات حياتها خصائص بيئتها أو قواعد السلوك التي أرستها جماعاتها جيلاً وراء جيل. أصبح الراديو وأصبح التلفزيون ينقلان إلينا جميعاً كل ما في العالم من خير وشر وبعدهما جاء الفيديو وأمره أشكل من حيث سهولة نقله ومن حيث إمكانية أن ترى فيه ما لا يمكن رؤيته في التلفزيون من الأشياء الكثيرة السيئة والنافعة التي سجلوها لك وبعثوا منها ملايين أو مئات الملايين من النسخ ثم جاءت "الإنترنت" فصارت أكثر خطراً وأقوى تأثيراً من حيث الاتصال الفوري ومن حيث ما تقدمه مما يفوق التصور وبعد "الإنترنت" في الطريق أشياء وأشياء يصعب التنبؤ بأسرارها وعجائبها. ولهذا كله انقلبت حياة الناس وأفكارهم ونظرتهم للحياة وحتى تقبلهم لشكل خِلقتهم كما تجيئنا الأخبار كل يوم من اليابان والصين عن عمليات جراحية لتوسيع أحداق العيون لأن الناس هناك عيونهم صغيرة أو عن تقويم الأنوف وجعلها أكثر طولاً واستقامة لأن أنوفهم العريضة لم تعد تعجبهم ويريدون أن تكون عيونهم وأنوفهم على شاكلة الأوروبيين وكذلك شعرهم الذي ما عادوا يريدون سواده الفاحم فقاموا بصبغه ليكون أشقر كما هو شعر الذين جاءت الحضارة منهم ومثل الشعر العيون وقد سعوا لتغيير لونها من سوداء إلى زرقاء وأشياء كثيرة بعضها الهين وبعضها الخطير جاءت إلى البشر من الآفاق البعيدة فخلخلت أفكارهم ونظرتهم للحياة وقلبت سلوكهم رأساً على عقب؛ ما أدى تغيّرات جذرية كبرى هزّت المجتمعات من الأعماق وزلزلت ثوابتها وحياتها. ومن هذا الخلط الثقافي الرهيب تعسّر على الناس أن يعيشوا عيشة طبيعية مطمئنة ومن ثم كثر الانتحار وكثرت الأمراض النفسية والعقد ومن تأثيراتها جاءت الأمراض البدنية والجسمانية التي أطلقوا عليها "أمراض العصر" كالسكتة القلبية والسكري وضغط الدم وغير ذلك ولأن الثقافات والخصائص باتت مهددة بهذا السيل المتدفق من الخارج وجدنا الأمم تتنادى لحماية ثقافتها وخصائصها من الذوبان وكانت فرنسا في المقدمة حيث سنّت القوانين الصارمة التي وصفت في الخارج بأنها انعزالية وانغلاقية ولكنها استمرت في خطتها تلك مصرة أكبر الإصرار على صيانة هويتها ومجابهة التيارات الوافدة التي باتت تمثل خطراً على خصوصية الثقافة الفرنسية.
وفي الشرق يجري العمل حثيثاً في اليابان لإبراز الهوية اليابانية والتأكيد على شخصية اليابان وثقافتها ووجوب المحافظة عليها في وجه الزحف الثقافي الجديد وتوجيه الشباب للارتباط بأصالتهم وثقافتهم الوطنية مع إحساس شديد بأن الزمام أوشك أن يفلت لتأثر الشباب القوي بالثقافة الغربية وازدراء الثقافة المحلية التقليدية.
وفي الصين ومع الانفتاح الذي شهدته منذ رحيل ماوتسي تونج ورفيقة شوان لاي والمتغيرات الكبرى التي شهدها العالم خلال الثلاثين عاماً الماضية والتأثيرات البالغة التي حملتها هذه المتغيرات، تحاول الحكومة هناك بجهود مكثفة السيطرة على الموقف ومحاولة عرقلة التيار الغربي الزاحف ولكن الشباب الصيني لا يكاد يسمع شأنه شأن شباب العالم في كل مكان مصوبة أبصاره نحو بنطلونات الجينز وأفلام هوليوود والموضة الغربية والتقاليد الجديدة الوافدة من أقاصي الغرب لحظة بعد لحظة على الرغم من جهود حثيثة تبذل لإعادة الاعتبار لتعاليم كونفوشيوس حكيم الصين الكبير ومعلمها القديم بعد أن كانت الثورة الثقافية الكبرى في الستينات قد حطمته وعملت على إزالة نفوذه من عقول الناس وقلوبهم تلك الثورة التي كانت هي الأخرى محاولة من نوع آخر لصد الزحف الثقافي الغربي وإن كانت لعلها لم تستطع الوصول إلى الثمار المرجوة بل لعلها أضرّت بالصين وثقافتها أكثر مما نفعت وغيبت العديد من الرموز الفكرية والقمم الثقافية في الموت أو السجون ثم انتهت ربما إلى غير نتيجة.
ولو عدنا إلى شرقنا العربي وأمتنا العربية لوجدنا صخباً عالياً وجدلاً واسعاً بين اليمين واليسار وتيارات من سُمّوا بالأصوليين والتراثيين أو مَن سُمّوا بالحداثيين والعصريين كل يصرخ من جهته ويحذر بطريقته والتيار يزحف بقوة وعنف ويحدث تأثيراته العميقة في وجدان المجتمع العربي وفي سلوكياته وتقاليده وقيمه والشباب هم الضحية في المقام الأول يجدون أنفسهم في مهب الإعصار دونما سند أن معين يلتفتون إلى ما يحاول الآباء غرسه فيهم من موروثات مجتمعهم فيرون أن كل شيء أمامهم ومن حولهم يتجه عكس ما يقال لهم وحقائق الحياة التي يعيشونها تفرض عليهم أنماطاً جديدة لا يستطيعون رفضها أو الهرب منها وتشتد إيقاعات الأشياء الجديدة والأنماط الوافدة
وتتنامى بصورة رهيبة لا تدع مجالاً للتوقف ولو للحظات قصيرة ويبقى الشباب في صراع نفسي حاد بين عودة إلى أفكار مضت عليها مئات السنين وغلو في التمسك بها وبين انفتاح بأقصى الحدود على الحضارة الجديدة بكل ما فيها من حسن أو سيّئ ولعل السيّئ يكون أشد طغياناً في بعض الحالات مما يتلقاه الشباب من منتجات تذهب مباشرة لمخاطبة العواطف والعقول وبين محاولات للانصهار في تنظيرات وفلسفات تأتي من هنا أو هناك علَّهم يجدون فيها ما يروي ظمأ أو يبدد سراباً أو يذهب قلقاً ويشيع أمناً. وعدونا الذي يمتلك ناصية الإعلام العالمي ويتغلغل بصورة واضحة أو مستترة في وسائل الثقافة الجماهيرية في العالم من سينما ومسرح ومن صحافة ووكالات أنباء ومؤسسات إنتاج تلفزيونية وإذاعية ووسائل إعلامية لا تتناهى يعمل ويخطط وفق استراتيجية منظمة محكمة ودقيقة لضرب شباب العرب وتحطيمهم وتشكيل عقولهم وأفكارهم وتوجيههم الوجهة التي تخدمه وتحقق مصالحه ونحن غافلون.
وفلسطين التي قيل منذ زمن وما يزال يقال حتى هذه الساعة إنها قضية العرب الأولى أصبح صراخها يجيء كما لو كان من قعر بئر عميق والانتفاضات الهائلة والمواجهات الصامدة التي يقوم بها قومنا هناك وتنقلها وسائل الإعلام على مدار اليوم تشاهدها الأعين وتصافحها الآذان؛ ولكن كأننا لا نرى ولا نسمع وشبابنا حائر متذبذب منجذب ذات اليمين وذات الشمال بين كلمات تقال وشعارات ترفع وبين تيارات تفعل فعلها على الأرض وفوق السماء هي أقوى من كل كلمة أو شعار، والشاعر العربي يقول:
وينشأ ناشىء الفتيان فينا ***** على ما كان أنشأه أبوه
والأب لفتياننا وفتياتنا اليوم هو التلفزيون والإذاعة ولا شك أن المدارس ومناهجها ومؤسسات الشباب وبرامجها تسعى قدر طاقاتها لتغذية الطفل والشاب بثقافته وثقافة قومه ولكن هل هذه الوسائل والقطاعات – وفي كل قطر عربي – على مستوى مسؤولية الأبوة التي تتطلبها الناشئة اليوم في ظل هذه التيارات الزاخرة الوافدة؟ سؤال أطرحه دون جواب! وقد طرحه قبلي العشرات. هل لدى أجهزة إعلامنا ومدارسنا وأنديتنا ما تستطيع به حماية شبابنا وصيانة هويتهم في مواجهة المد القوي القادم من البعيد؟ إلى أي مدى نستطيع المحافظة على خصائصنا وثقافتنا من أن يبتلعها الطوفان الهادر الذي يجرف أمامه كل شيء؟ إلى أي مدى نستطيع تحصين ذواتنا وتقوية المناعة في مجتمعاتنا لتحمي نفسها من الانجراف والذوبان ولتكون فاعلة ومتفاعلة مع العالم إن لم تكن بربح فبخسارة قليلة إن كان لابدّ من الخسارة وهي لابدّ منها كما يبدو فلنسعَ لجعلها في حدود المحتمل وبعيداً عن الكارثة العظمى على الأقل، فهل نحن قادرون؟
إن الثقافة أصبحت اليوم عالمية ولم تعد تجدي أي وسيلة مهما كانت لمنع وصول أي فكر أو اتجاه أو نظرية أو سلوك، فالعالم كما يقولون أصبح قرية كبيرة ولكن المطلوب هو التخطيط المحكم والربط به الأصالة والمعاصرة من غير إفراط أو تفريط لكي نستطيع معاونة شبابنا وتقويته في وجه العواصف القوية، الأمم الضعيفة لابدّ أن تطغى عليها هيمنة الأمم القوية تلك حقيقة تعتبر من البديهيات شئنا أم أبينا وطالما أننا من الأمم الضعيفة فعلينا أن لا نعيش حالة الوهم وأن نرى واقعنا كما هو. أن نسعى في حالنا البائس هذا لأن نجنِّب أنفسنا الخسائر الفادحة والعثرات الكبرى وأن نستنفر من طاقات أمتنا ما يمكننا من الثبات والوقوف بثقة ولدى الأمة طاقات كبرى نستطيع الأخذ منها والاستناد عليها في تقليل خسائرنا وتطوير إمكاناتنا القوية وتقوية قدراتنا على الاستفادة مما يجيء دون أن نفقد الكثير من خصائصنا وثقافتنا ولكن هذا يحتاج إلى قيادات مدركة لحجم المعركة وخطورتها وقادرة على استنباط الحلول وإدراك الخيارات. قيادات مدرّبة ومهيّأة بالتحصيل العلمي والمعرفي يتم انتقاؤها وإعدادها لتقود الأجهزة والمؤسسات بما يتفق مع معطيات العصر وتطوراته المذهلة وليس في الأمر معجزة وإنما فقط علينا أن نختار الأذكياء والنوابغ وأن نعلِّمهم ونعدهم الإعداد الجيد ونضعهم في الأماكن المناسبة لكل منهم؛ عند ذاك تستطيع أمتنا أن تبدأ طريق اللحاق بالأمم الكبرى في مسيرة الحضارة أخذاً وعطاءً حسب الإمكانات، كما هو حال البشر في كل زمان ومكان.
وأعود وأقول إن الأمم هي ثقافتها وكلما استطاعت الأمة أن تحمي ثقافتها من الضياع وأن تحتمي بها استطاعت الصمود وتجاوز العثرة والنمو من جديد. فعلينا أن نمسك بثقافتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً وأن نحفظ لها خصوصيتها من أن تستباح وتدمر فثقافتنا هي نحن إن تصدعت وهوت تناثرنا قطع زجاج يصعب لملمتها وإعادة سبكها مرة أخرى.
وأحسب أن جهاز الإعلام العربي بكل وسائله يتحمل من المسؤوليات في هذا الشأن خاصة أكثر مما يتحمله سواه من الأجهزة والمؤسسات الأخرى.
وأخيراً، أود أن أضع خاتمة لسطوري هذه كلمة للكتاب العربي الأشهر الأستاذ محمد حسنين هيكل أنقلها من كتابه "ملفات السويس" وفيها يتحدث عن أيام ما قبل معركة السويس في الخمسينات لعلها تكون خلاصة لما أردت قوله ولم أحسن ومن أين لي لغة هيكل وبلاغته وقدرته: "لقد اندفعت في الشواطئ العربية موجة عاتية مدمرة جرفت في وجهها حقولاً خضراء ومدناً زاهرة وحياة إنسانية عامرة وحاولت وما تزال تحاول أن تمحو من الوجود ومن الذاكرة أن العرب كان لهم في القريب وليس في البعيد من ماضيهم شيء أكبر مما يرونه حولهم من حطام وركام وقش يتلاعب الموج به وكذلك الريح".
المصدر: كتاب حول الثقافة
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R