* سهام مهدي جبار
من الحقوق المقرّرة للطفل في الشريعة الإسلامية حقه في الإنفاق عليه، فنفقة الأولاد واجبة على الآباء بشرط أن يكونوا صغاراً لم يبلغوا الحلم، وليس لهم مال وغير قادر على الكسب.
فالنفقة في اللغة: كما جاء في المعجم الوسيط: "الإنفاق": بذل المال ونحوه في وجه من وجوه الخير.. (النفقة): اسم من الإنفاق وما ينفق من الدراهم ونحوها. والزاد، وما يفرض للزوجة على زوجها من مال للطعام والكساء، والسكن والحضانة ونحوها جمع "نفقاق ونفاق"(1).
النفقة في اصطلاح الفقهاء: عرّفها الحنابلة "بأنها كفاية من يمونه، خبزاً وأدماً وكسوة ومسكناً وتوابعها" (2). وعلاقة القرابة موجبة للنفقة، وهي الجزئية، وفروع الأب جزء منه، وهم أولاده وأولادهم وإن نزلوا.
الإنفاق على الأولاد ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:
1_ القرآن الكريم: قال تعالى: (والوالداتُ يرضعنَ أولادَهُنَّ حولينِ كاملينِ لِمن أراد أن يُتمَّ الرضاعةَ، وعلى المولودِ لهُ رزقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروف، لا تُكلّف نفساً إلا وسعها، لا تُضآرَ والدةٌ بولدِها ولا مولودٌ له بولدِهِ وعلى الوارثِ مثلُ ذلك) (3). والشاهد في الآية قوله تعالى: (وعلى المولودِ لهَ رزقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروفِ). وقوله تعالى: (وعلى الوارثِ مثلُ ذلك).
يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية الكريمة: "فإن للوالدة في مقابل ما فرضه الله عليها حق على والد الطفل: أن يرزقها ويكسوها بالمعروف والمحاسنة وكلاهما شريك في التبعة، وكلاهما مسؤول اتجاه هذا الصغير الرضيع، هي تمدّه باللبن والحضانة وأبوه يمدّها بالغذاء والكساء لترعاه، وكل منهما يؤدي واجبه في حدود طاقته: (لا تُكلفُ نفسٌ إلا وسعَها) ولا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سبباً لمضارة الآخر (لا تُضارَّ والدةٌ بولدِها ولا مولودٌ لهُ بولدهِ).
فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على طفلها، ليهددها فيه أو تقبل رضاعه بلا مقابل ولا تستغل هي عطب الأب على ابنه وحبه له لتثقل كاهله بمطالبها.. والواجبات الملقاة على الوالد تنتقل في حالة وفاته إلى وارثه الراشد "وعلى الوارث مثل ذلك" فهو المكلف أن يرزق الأم المرضع ويكسوها بالمعروف والحسنى، تحقيقاً للتكامل العائلي الذي يتحقق طرفه بالإرث، ويتحقق طرفه الآخر باحتمال تبعات الموروث. "وهكذا لا يضيع الطفل إن مات والده فحقّه مكفول وحقّ أمه في جميع الحالات" (4).
2_ السنة توجب النفقة للطفل: عن ثوبان رسول الله (ص) قال: قال رسول الله (ص): "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله"، قال أبو قلابة بدءاً بالعيال: أي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفّهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم" (5). وهكذا نجد السنّة المطهرة قد جاءت موافقة للقرآن الكريم من كل وجه، في وجوب نفقة الولد على الوالد.
3_ نفقة الطفل واجبة بالإجماع: قال ابن قدامة رحمه الله في المغني عن ابن المنذر "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن على المرء نفق الأطفال الذين لا مال لهم، ولأن ولد الإنسان بعضه وهو بعض والده. فكما يجب أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله" (6).
سأل سائل الإمام الصادق (ع): "من الذي أجبر عليه، وتلزمني نفقته؟ قال: الوالدان والولد والزوجة" (7). وهكذا يستمر وجوب الإنفاق على الوالد لولده حتى يبلغ، ويكون له كسب يستغني به.
ـــــــــــــــــ
(1) مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط: ج:2 ص:942: "مادة نفق".
(2) البهوتي: كشف القناع عن متن الإقناع: ج:5 ص:459: مرجع سابق.
(3) سورة البقرة، الآية: 233.
(4) سيد قطب: في ظلال القرآن ج:1 ص:254: مرجع سابق.
(5) مسلم: صحيح مسلم: ج:1 ص:400 باب فضل النفقة على العيال والمملوك: مرجع سابق.
(6) ابن قدامة: المغني: ج:7 ص:583: مرجع سابق.
(7) محمّد جواد مغنية: فقه الإمام جعفر الصادق: ج:5، ص:329.
|