* عابدة فضيل المؤيد
كل الناس يعرفون أن آية الميراث: (يُوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأُنثيين) هي الآية المختصة بتوزيع الميراث بين الأبناء ذكوراً وإناثاً، وهي القاعدة العامة في توزيع الميراث بين الأخوة والأخوات، فيأخذ الذكر ضعف ما تأخذه أخته الأنثى. ولكن هل تعلمين أنها لا تعني ما يظنه الناس من أن الذكر يأخذ ـ دائماً ـ ضعف ما تأخذه الأنثى؟ فعلى الرغم من سريان هذه القاعدة في الشرع على الزوج والزوجة (حصة الزوج على الضعف من حصة الزوجة) وعلى غيرهما، إلا أن هذا لا يعني أنها قاعدة شرعية عامة تسري على كل ذكر، وعلى كل أنثى، وعند توزيع أي ميراث. فهل تعلمين أن حصة الذكر تختلف حال كونه أباً أو زوجاً أو ابناً؟ فالحصة تتغير تبعاً لأمور منها درجة القرابة، وعدد الوارثين ... إذن مسائل الميراث متنوعة، ولها أحوال:
1 ـ فمن الحالات ما يتساوى فيها الذكر مع الأنثى: فتتساوى الأم مع الأب إذا كان للمتوفى أبناء ذكور، ويتساوى الإخوة لأم ذكوراً وإناثاً في الميراث.
2 ـ وأحياناً يقل نصيب الذكر عن نصيب الأنثى: عندما يكون عصبة (العصبة: هم الذكور من ولد الميت وآبائه وأولادهم، وهؤلاء ما لهم إرث مقدر إنما يأخذون ما يتبقى من التركة) لأن القاعدة الشرعية التي وردت في الحديث تقول: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر))، فالأنثى تأخذ أولاً لأنها على الأغلب من أهل الفرائض فتعطى فرضها، وما بقي يكون للأولى من العصبات. مثلاً: رجل مات عن بنت وخمسة إخوة: تأخذ هي نصف المال وحدها، ويتشارك الإخوة الخمسة بالنصف، فيكون نصيبها أضعاف نصيبهم.
3 ـ وفي بعض المسائل ترث المرأة ولا يرث الذكر العصبة شيئاً كما ورد في المغني: (( (العصبات) ليس لهم إرث مقدر، بل إذا كان معهم ذو فرض أخذوا ما فضل عنه، قل أو كثر ... وإن استغرقت الفروض المال سقطوا ولم يأخذوا شيئاً)).
4 ـ والذكر الكافر والمرتد لا يرث أصلاً، والقاتل لا يرث تركة مقتوله.
5 ـ وهل تعلمين أن النساء يكن في بعض الأحوال عصبات، فيحجبن بذلك بعض الذكور، فلا يرثون شيئاً ولو كانوا ذوي قربى؟
فمسائل الميراث متنوعة، وأحوالها متعددة، وليس فيها ما تعتقده المرأة من المحاباة الدائمة للذكور، حتى قيل: ((وإذا أضفنا إلى هذا ما تستحقه من المهر، وأنصبة الميراث، وما تملكه بوسائل التملك، نجد أنها أرجح كفة من الرجل في ميزان الاقتصاد، وأكثر أمناً على نفسها وعلى حياتها ومستقبلها)). وقال السيد رشيد رضا: ((فإنها (أي المرأة) إذا تزوجت كما هو الغالب فإنها تأخذ مهراً من زوجها وتكون نفقتها عليه فيمكنها أن تستغل ما ورثته من أبيها وتنميه لنفسها وحدها، فلو لم يكن للوارثين إلا ما يرثونه من أمواتهما لكانت أموال النساء دائماً أكثر من أموال الرجال، إذا اتحدت وسائل الاستغلال، فيكون إعطاؤهن نصف الميراث تفضيلاً لهن عليهم في أكثر الأحوال))، وقال (ما معناه): ((لقد أعطي المال للأخت على سبيل الاحتياط، لها وحدها .. لتنفق منه عند الحاجة أو فقد الزوج، بينما أعطيه الرجل لأنه مكلف بالمهر وبالإنفاق، فيكون المال له ولزوجته لا يستطيع الاستئثار به وحده، ويكون نصيبه بالتالي ـ بالفعل ـ مساوياً لنصيب أخته أو أقل منه)).
فلماذا توجهت أنظار النساء إلى الميراث وطمعن به مع أن حقوقهن مضمونة أكثر ومستقرة أكثر بالمهر والنفقة، فالمهر والنفقة حقان واجبان لكل زوجة ولا يقسطان أبداً، فالمهر لابد أن يدفع للمرأة ولو كان خاتماً من حديد، والنفقة واجبة على الزوج لزوجته ولو كان فقيراً وبحيث تتساوى مع نفقة أمثالها. بينما صار الميراث عملة نادرة هذه الأيام، فهو لا يتوفر دائماً وأغلب الناس يموتون فقراء أو متوسطي الحال ... حسبما تظهره الإحصاءات، وما يثبته الواقع!
* * *
ثم هل تعلمين أن هذه الأحكام تطبق ـ فقط ـ بعد الوفاة؟ وأنه لا يدخل فيها ما يهبه الأب لأولاده أثناء حياته؟ بل أُمر الأب أن يسوي في العطاء بين الذكر والأنثى لقوله (ص): ((اتقوا الله واعدلوا في أولادكم))، وقال الفقهاء: ((ويسوي ـ على الراجح ـ بين الذكر والأنثى فيا لهبة))، وجاء في المغني: ((ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهة التفضيل ... وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المبارك: تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر لأن النبي (ص) قال: ((سوّ بينهم))، وعلل ذلك بقوله: ((أيسرك أن يستووا في برك؟)) قال: نعم. قال: ((فسو بينهم)). والبنت كالابن في استحقاق برها وكذلك في عطيتها. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): ((سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مؤثراً لآثرت النساء على الرجال)) رواه سعيد في سننه. ولأنها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة)).
وهذا هو الصحيح المشهور الظاهر الحديث الذي لم يفرق بينهما، والذي روي بطريق آخر: ((ساووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً على أحد لفضلت النساء))، ولحديث النعمان: أن أباه أتى به رسول الله (ص) فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله: ((أكل ولدك نحلته مثل هذا؟)) فقال: لا، فقال رسول الله (ص): ((فأرجعه)). وفي رواية: فقال رسول الله (ص): ((يا بشير ألك ولد سوى هذا؟)) قال: نعم، قال: ((أكلهم وهبت له مثل هذا؟)) قال: لا، قال: ((فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور)).
وهل تعلمين ـ بالمناسبة ـ أن الأب أُمر أيضاً بالمساواة بين أولاده الذكور والإناث في المعاملة المعنوية؟ إليك ما قاله النبي (ص): ((مَن كانت له أنثى لم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله تعالى الجنة))، وروى البزار (ورجاله ثقات): ((روي أن رجلاً كان عند النبي (ص) فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه فقال النبي (ص) ألا سويت بينهما؟)).
|