فقه الاسـرة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

قرائن على مشروعية سفور وجه المرأة

* عبدالحليم أبو شقة
ـ إن رسول الله (ص) حين سئل عما يحل للمحرم لبسه لم يجبهم بما هو حلال فإنه لا حدود له لكن عرفهم بالمحظور لبسه لأنه محدود:
فعن عبدالله بن عمر (رض) أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله (ص): «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعها أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه زعفران أو وَرس» (رواه البخاري).
ـ ولنتأمل كيف أن وجوب الحجاب على نساء النبي (ص) جاء في نص صريح قاطع: (فاسألوهن من وراء حجاب) أما ما كان مباحاً قبل الحجاب فلم ينزل فيه نص. وإذا كان هناك دليل على كشف وجوههن قبل الحجاب فإنما جاء بمناسبة خاصة وهي توضيح إحدى أمهات المؤمنين كيف تعرف عليها رجل أجنبي بعد الحجاب.
ـ وفي شأن النقاب الذي كانت تلبسه بعض النساء قبل الإسلام وبعده، لم يوجد نص في تقرير إباحته ولكن لما كانت حجة الوداع صدر قرار من الشارع لمحظورات الإحرام، ومنها حظر النقاب على المرأة المحرمة. ومن تقرير هذا الحظر تجلى دليل بالمفهوم على جواز النقاب في غير الإحرام.
ـ وكذلك الحال في مشروعية سفور الوجه لم يكن هناك قول صريح في ذلك. ولكن لما حدثت مخالفة لحدود الشرع جاء النص ينكر المخالفة ويحرمها وكان هذا التحريم مناسبة لتقرير القدر المباح إبداؤه من المرأة وهو الوجه والكفين.
ـ أما أقوال الفقهاء بشأن مشروعية سفور الوجه فلم ترد إلا بمناسبة تقريرهم لأمر واجب أو مندوب أو محرم أو مكروه. فعند بحثهم وجوب ستر المرأة عورتها في الصلاة ذكروا أن بدنها كله عورة عدا الوجه والكفين. وعند بحثهم وجوب أو ندب رؤية الخاطب لمخطوبته ذكروا جواز ذلك في حدود الوجه لأنه ليس بعورة. وعند بحثهم محظورات الإحداد على المرأة ذكروا النقاب ضمن المحظورات التي ينبغي أن تتجنبها المرأة الحادة، وذلك مما يشير إلى إباحة كشف وجهها. وعند بحثهم مكروهات الصلاة قالوا بكراهية انتقاب المرأة، وفي هذا تقرير لإباحة كشف وجهها.
ـ ويذكّرنا الكلام على صعوبة التدليل على إباحة كشف الوجه، بكلام جيد لابن تيمية عند حديثه عن إباحة كشف الإماء رؤوسهن وتميزهن عن الحرائر، قال (ره): «وليس في الكتاب والسنة .. ترك احتجابهن (أي الإماء) وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر به الحرائر. والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء». وكذلك نقول: ليس في الكتاب والسنة نص صريح بترك ستر وجوه الحرائر وإبداء زينة الوجه والكفين (أللهم إلا حديث مرسل، جاء من طرق أخرى يتقوى بها وهو «إن المرأة إذا بلغت المحيض لم صح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» ) ولكن القرآن لم يأمر نساء المؤمنين بما أمر به نساء النبي (ص) حين قال: (فاسألوهن من وراء حجاب) والسنة فرقت بالفعل ـ بعد فرض الحجاب ـ بينهن وبين نساء المؤمنين. فعن فعل نساء النبي (ص) ورد قول عائشة: «وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم ... فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ... فخمرت وجهي بجلبابي».
وبعد هذا التمهيد، هناك قرائن تشير إلى إباحة سفور وجه المرأة في شريعة الإسلام، نوردها فيما يأتي:
القرينة الأولى:
أن وجوب ستر الوجه لم يرد في نص صريح من القرآن ولا في بيان واضح من السنة:
إن كشف المرأة وجهها مسكوت عنه، فهو على الإباحة، إذ لم يرد في القرآن أو السنة نص يوجب على المرأة ستر وجهها. وإنه ليلاحظ أن الواجبات التي ورد ذكرها في القرآن، قد جاءت السنة بتفصيل م عالمها ورعاية تطبيقها، والحض عليها والإنكار على مَن خالفها أو قصر فيها. فهل ورد في القرآن نص قاطع أو ورد في السنة بيان شاف يتعلق بوجوب ستر الوجه؟
من البديهي أنه إذا كان الواجب الوارد في القرآن تثبيتاً لأمر قائم وسائد، فالحاجة إلى بيان السنة له تكون ضئيلة. أما إن كان الواجب مخالفاً لأمر قائم وسائد فالحاجة إلى البيان تكون شديدة، وتتزايد بقدر المخالفة من ناحية وبقدر الأهمية من ناحية أخرى. ونحسب أن ستر الوجه له أهمية كبيرة إذ يهم عامة الناس ويَمَسّ المؤمنات جميعاً. فماذا كان عليه حال المرأة قبل نزول آيات اللباس والزينة؟ هل كانت تكشف وجهها في غالب الأحوال أم تستره؟ إن كان الغالب ستر الوجه والآيات جاءت توجب الستر، عندها تكون الحاجة إلى البيان محدودة ضئيلة. وإن كان الغالب كشف الوجه والآيات جاءت توجب الستر وتحرم الكشف، فالحاجة إلى البيان شديدة. ونحن نعرف بالدليل القاطع أنه كان الغالب على نساء مكة والمدينة كشف وجوههن بغليل قول عائشة وهي زوجة رسول الله (ص): «وكان يراني قبل الحجاب». فإذا كانت آيات اللباس جاءت توجب ستر الوجه وتحرم كشفه، كان لابد أن نجد في السنة بياناً شافياً وقولاً قاطعاً وحضاً على الستر وتنفيراً من الكشف. ولكنا لا نجد شيئاً من ذلك، فالآيات تحتمل أكثر من وجه ولم يأت في السنة ما يفيد وجوب الستر.
إذا كانت مثل هذه القضايا تدخل في عموم البلوى وتتوافر الدواعي على نقلها، وجوب ستر الوجه عن الأجانب من باب أولى. أي لو أن ستر الوجه واجب، هو أمر يعم نساء المؤمنين جميعاً، لتوافرت الدواعي على نقله، وتضافرت الروايات على حكايته وأجمعت الآثار على ترديده، ونُقِلَ تواتراً أو قريباً من التواتر.
ولو كان الأمر كذلك ما وقع الاختلاف في الأقوال حوله. بل الحق في مثل هذا أنه لا يقف الأمر عند نقله وحكايته وترديده، بل لابد أن يشيع بين نساء المؤمنين فِعْلُه، حتى يصبح ظاهرة اجتماعية يراها القاصي والداني. ولكن الحال هنا بعكس ذلك، والدليل عليه اختلاف الروايات حول تفسير آية: (إلا ما ظهر منه) وآية: (يدنين عليهن من جلابيبهن)، فبعضها يقول ستر الوجه. وهذا مما يدل على عدم الوجوب، إذ لو كان واجباً لعم العلم به أمة الإسلام لأنه كما ذكرنا أمر عم به البلوى جميع المؤمنين والمؤمنات. أي أن اختلاف الروايات في حد ذاته دليل على إباحة كشف الوجه.
هذا ويمكن إرجاع الروايات القائلة بستر الوجه إلى عدة عوامل، منها:
أ ـ احتجاب نساء النبي (ص): إذ لم يدرك البعض خصوصيته فاتجه إلى القول بوجوب ستر الوجه. وقد تقدم إثبات خصوصية الحجاب في الفصل الثاني من الباب الرابع.
ب ـ وجود بعض نساء منتقبات على عهد النبي (ص): مما أوهم البعض ودفعهم إلى القول بوجوب ستر الوجه أو ندبه.
ج ـ وفود أخلاط من الناس بعد الفتوح الإسلامية على المدينة المنورة: مما أدى إلى زيادة عدد المنتقبات تجنباً لنظرات أولئك الغرباء من جهة، ودفع البعض إلى القول بوجوب الستر سداً للذريعة، من جهة أخرى.
د ـ التباس المباح بالواجب أحياناً: وذلك أنه يحدث أن يلح الصالحون أحياناً على عمل بعض المباحات، ويتكاثر الممارسون لها حتى يتوهم البعض مع الزمن أنها واجب، ويعتبر مَن لا يمارسها آثماً. وهذا ما نحسبه حدث في موضوع ستر الوجه. ولذلك حذر علماء الأصول من وقوع هذا الالتباس، وقالوا بوجوب تخلي العالِمِ عن فعل المباح أحياناً حتى لا يلتبس عند الناس بالواجب. وقد سبق إيراد قول الشاطبي في هذا.
وللإمام الغزالي كلام نفيس حول ما تعبد الرسول (ص) فيه بالإشاعة، يمكن أن يساند التقرير بأن وجوب ستر الوجه مما يعلم من الدين بالضرورة ويشترك في معرفته العام والخاص. قال: (خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول ... لأن كل ما نقله العدل وصدقه فيه ممكن وجب تصديقهن بخلاف ما لو انفرد واحد بنقل ما تحيل العادة فيه أن لا يستفيض. كقتل أمير في السوق وعزل وزير وهجوم واقعة في الجامع منعت الناس من الجمعة ... فإن الدواعي تتوافر على إشاعة جميع ذلك ويستحيل انكتامه ... فإن قيل: فما الضابط لما تعبد الرسول (ص) فيه بالإشاعة؟ قلنا: إن طلبتم ضابطاً لجوازه عقلاً فلا ضابط، بل لله تعالى أن يفعل في تكليف رسوله من ذلك ما شاء. وإن أردتم وقوعه فإنما يعلم ذلك من فعل رسول الله (ص)، وإذا استقرينا السمعيات وجدناها أربعة أقسام: الأول: القرآن وقد علمنا أنه عنى بالمبالغة في إشاعته. الثاني: مباني الإسلام الخمس وقد أشاعه إشاعة فاشترك في معرفته العام والخاص. الثالث: أصول المعاملات التي ليست ضرورية مثل أصل البيع والنكاح فإن ذلك أيضاً قد تواتر. بل كالطلاق والعتاق والاستيلاد والتدبير والكتابة، فان هذا تواتر عند أهل العلم وقامت به الحجة القاطعة، إما بالتواتر وإما بنقل الآحاد في مشهد الجماعات مع سكوتهم والحجة تقوم به ... الرابع: تفاصيل هذه الأصول، فما يفسد الصلاة والعبادات وينقض الطهارة ... فهذا الجنس منه ما شاع ومنه ما نقله الآحاد ... ).
نخلص من كلام الغزالي إلى النتيجة التالية: إذا كان الأمر مما تحيل العادة فيه أن لا يستفيض فإن الدواعي تتوافر على إشاعته ويستحيل انكتامه. وإذا كانت مباني الإسلام الخمس قد أشاعها الشارع إشاعة اشترك في معرفتها العام والخاص، وإذا كانت أصول المعاملات التي ليست ضرورية قد تواترت عند أهل العلم، إذا كان كل هذا صحيحاً فإن تحديد عورة المرأة ـ وكون الوجه من العورة ـ أمر لا تستقيم حياة المرأة دون معرفته وتطبيقه في غدوها ورواحها وفي كل مجال به رجال. وهو مما يعلم من الدين بالضرورة ولابد أن يشترك في معرفته العام والخاص، سواء على عهد النبي (ص) أو في القرون الخيرة من بعده. وقد ذهب عموم الفقهاء المتقدمين ـ ولم يشذ إلا فرد أو أفراد قلائل وكأنه إجماع أو شبه إجماع ـ إلى أن عورة المرأة جميع بدنها عدا الوجه والكفين. ولذلك نقول مستيقنين: إن المعتمد في أمر العورة هو القدر المتفق عليه بين العموم، ولا عبرة بقول مَن شذ، خاصة في أمر ينبغي أن يكون مما يعلم من الدين بالضرورة ويشترك في معرفته العام والخاص.
ـ أن كشف الوجه من سنن الحياة الإنسانية:
إن ظهور الوجه هو من سنن الحياة الإنسانية وكان يتم بصورة عفوية في مختلف العصور، وكأنه من سنن الفطرة. وكذلك كان الحال على عهد الأنبياء (ع)، كما في حديث النبي (ص).
«هاجر إبراهيم (ع) بسارة فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك ... فقيل: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء» (رواه البخاري ومسلم).
وكذلك كان الحال مع أتباع الأنبياء (ع)، ونقصد مَن حافظ من الأتباع على دين أنبيائهم. فقد ظل نساء أهل الذمة في الشرق وفي الغرب أيضاً ـ قروناً طويلة قبل المدنية الحديثة ـ يلبسن الثياب السابغة مع الخمار، كما حافظت الراهبات النصرانيات على هذا السمت حتى بعد تبذل المرأة النصرانية. وكانت هذه السنة مما بقى من دين إبراهيم وإسماعيل عند العرب قبل الإسلام، فكان عامة النساء يلبسن الدِّرْع والخِمَار بصفة دائمة. أما النقاب فكان يتخذه بعض النساء لا كلهن وكُنَّ يخلعنه أحياناً، خاصة في الشدائد.
ولما جاء الإسلام كان الخمار ـ لا النقاب ـ من سنن المسلمين الكرام سواء في مكة قبل الهجرة أو في المدينة بعد الهجرة.
ـ فعن الحارث بن الحارث الغامدي قال: (قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا، فإذا رسول الله (ص) يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه (قوله)، ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس. وأقبلت المرأة قد بدا نحرها (تبكي) تحمل قدحاً (فيه ماء) ومنديلاً، فتناوله منها وشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه (إليها) فقال: يا بنية، خَمِّري عليك نَحْرك، ولا تخافي على أبيك (غلبة ولا ذلاً). قلت: مَن هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته).

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com