فقه الاسـرة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

المفاكهة والمحادثة لغرض جنسي

* يوسف مدن
نهى المشرع الإسلامي أن يتخذ الفرد المسلم من «مفاكهة النساء» ومزاحهن وسيلة لتفريغ شحناته الانفعالية، وهذه الشحنات ذات طبيعة جنسية، لأن هذه المفاكهة تجعل المرأة لينة في كلامها، خاضعة في قولها، تتلوى في حركاتها، فتكون هذه المفاكهة منبهات للدافع الجنسي عند الرجل.
وبالتأكيد لا يقصد من هذه المفاكهة ما يبديه الرجل أحياناً ـ ودون أن يقصد هدفاً جنسياً ـ من النكتة التلقائية الصادرة عفوية، وعن بداهة تصرف في موقف معين، فأحياناً تقتضي بداهة موقف معين من رجل أن تضحك امرأة أو تبتسم أخرى، فليس في ذلك ضير، ولكن المفاكهة المحظورة هي التي يتعمدها الرجل لإثارة شهوية من امرأة أو أخرى أو أكثر، فمثل هذه المفاكهة استجابة جنسية محرمة يحضرها المشرع لحماية المرأة من الاستغلال الجنسي ممن في قلبه مرض وحتى لو بدأت المفاكهة عادية، وخالية من الأغراض الجنسية فإنه من المحتمل أن تتجه نفسية الرجل إلى الحرام، وإلى الاشتهاء الجنسي، وبخاصة إذا خضعت المرأة في كلامها دون قصد جنسي أو تقصعت حركاتها عفواً، فإن ذلك ينبه الإحساس الجنسي عند الرجل.
إن المفاكهة لغرض بعيد عن الإثارة الجنسية لا تنتهي عند حدود هذا الغرض، فغالباً ما تقترن هذه المفاكهة بإطالة النظر في ملامح وجه المرأة، ومواضع الابتسامة فيه، والتأمل ـ أحياناً ـ في مواقع الحركة المثيرة في جسمها.
ويلاحظ من النص التالي أن المشرع ينذر الرجل الذي يتخذ من المفاكهة وسيلة للإشباع المحظور، ويتوعده بعقاب شديد في اليوم الآخر، قال (ص): «ومَن فاكه إمرأة لا يملكها (أي لا تحل له) حبسه الله بكل كلمة في الدنيا ألف عام في النار».
وإذا تحققت أغراض الرجل من هذه المفاكهة بعلم المرأة نفسها، فإن مسؤولية كليهما مشتركة حتى وإن رجحت ... بادئ الأمر ـ كفة الإثم عند الرجل، وإذا أدركت المرأة نوايا الرجل الأجنبي المريضة من مفاكهته لها، وأطلقت لنفسها عنان الشهوة، فإنها تشاركه في مسئولية هذه الممارسة الخاطئة، لأنها تعطيه فرصة التأثر باستجاباتها الضاحكة، وتوفر له الانفعال ـ الجزئي أو الكامل ـ بأية حركة غرائزية، فتثير لديه شهوة يخفيها في داخله، وقد تمهد لأجواء بعيدة عن قيم العفاف والطهر الإسلامي.
والمفاكهة بتأثير شهوة محرمة تعتبر من أهم سمات الشخصية العصابية، وتنطوي على سمات المرض النفسي، فهي قد تبدو ظاهرياً مظهراً للألفة والمودة بين الرجل والمرأة كالصداقة مثلاً، كلها في الوقت نفسه تنطوي على سمة مرضية خفية يخفيها الرجل بين طوايا نفسيته، وهي رغبة تمتهن المرأة وتخدعها.
وهذه العاطفة المزدوجة ليست فقط نفاقاً مقيتاً يحاول استغلال النزعة الطيبة عند المرأة ورغبتها الفطرية في مؤانسة الآخرين، إنما هي كذلك عدواناً مبطناً موجهاً ضد إنسانية المرأة وشخصيتها الاعتبارية، فبينما تتجه المرأة بقلب طاهر لمؤانسة الرجل فيرد عليها بنزعة شريرة.
ولعل أكثر ما يسم هذه المفاكهة بالعصاب، أن تنتج في ذهنية «المفاكه» صوراً، ولحظات متتابعة من التخيل الجنسي المريض، فلا تبارج الرجل المفاكه صور المفاكهة، ويظل دائماً في نزوع لاستحضارها.
وقد تخف حدة توتره الجنسي إذا أتاحت له المفاكهة إشباعاً جنسياً محرماً، وهو هذا التوتر يزداد ضغطه على النفس إذا فشل في نيل مشتهاه، ويظل تحت تأثير أسر تخيلاته الجنسية التي تمثل انعكاساً للمفاكهة، ليعوض ما عجز عنه.
وإذا فتحت المفاكهة شهوته في الإشباع المحرم، ولم تسمح له ظروف الموقف بالإشباع الكامل، ارتد إلى داخل نفسه يجتز ألم الصراع بين رغبته في الإشباع بأية صورة تكون، وبين موانعه الدينية والاجتماعية والقانونية، وحينئذ يلجأ إلى استعادة تخيلاته الجنسية تعويضاً للفشل وتنفيساً عن حرارة الإحباط الجنسي.
والمفاكهة تثير حفيظة بين المتنافسين وغيرتهم، وتؤدي إلى توتر العلاقات بينهم، فغالباً ما يتوفر هذا النمط من العلاقة (المفاكهة) في مجتمع يسمح بكثير من العلاقة المختلطة بين الجنسين، وهي علاقة يداخلها الريب ما لم تضبط من داخل الإنسان وخارجه، وينشأ عن هذه العلاقة عادة رغبات خفية في النفوس تتحول إلى غيرة وحسد ومشاعر مشحونة بالتوتر، فإذا خفق قلب امرأة نحو رجل معين يخالطها باستمرار في العمل أو في علاقة صداقة، فأحبته ولم تفصح عن شعورها له، فإن أية مفاكهة ـ وبخاصة إذا كانت بلا انضباط ـ تؤدي إلى توتر العلاقة بين المرأة التي أحبته، وبين المرأة التي يفاكهها، وربما يتطور التوتر فيمس العلاقة بين الرجل والمرأة التي أحبته.
ـ المحادثة المريبة:
كما حدد المشرع الإسلامي ضوابط عامة للمحادثة بين الإنسان وأخيه كالصدق والبعد عن الغيبة والنميمة وسائر صيغ المحادثة المعبرة عن طبيعة عدوانية، فإن المشرع لم يترك المحادثة بين الجنسين بوجه عام دونما ضوابط تجعل العلاقة بينهما نظيفة وعبادية بعيدة عن الجانب الشهوي ـ الذاتي سواءً في مجال النزعة الجنسية أو في مجال النزعات الشهوية الأخرى.
ولاحتمال تأثير المحادثة كمنبه جنسي، فقد وضع المشرع لها قيماً ضابطة، تجعلها دائماً استجابات أخلاقية عفيفة.
1 ـ يجب أن تكون المحادثة مع الجنس الآخر بقدر الحاجة، فليس مستساغاً في نظر المشرع أن تبسط المرأة القول في محادثة الرجال دون قيود أو يكثر الرجل من مجالسته النساء، ولقد نصت بعض النصوص أن المحادثة من هذا القبيل تميت القلب، وتفسح المجال لبروز علاقة شهوية قد تكون في بادئ الأمر غير معلنة، لكنها مع الأيام تأخذ وضعاً آخر.
2 ـ ويجب في نظر المشرع إذا كان لابد من المحادثة بين الجنسين وحسب مقتضيات الحاجة أن تبتعد المرأة عن الخضوع في قولها، حتى لا تتحول المحادثة إلى استجابة جنسية محرمة، وتأخذ طابعاً مرضياً في الذات المنحرفة الجنسية من الرجال، تقول الآية الكريمة: (فلا تخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض) الأحزاب: 32.
إن خضوع المرأة في قولها حتى لو لم تتعمده المرأة يساعد دونما شك على تنبيه الشعور الجنسي عند المنحرفين جنسياً، بل إن خطورته تتعداه إلى أولئك الرجال الذين يملكون سيطرة على أنفسهم إزاء المنبهات الجنسية، ولا تحتاج هذه المسألة إلى كثير من الشواهد لإثبات تأثير القول الغنج في سيكولوجية الرجال، فما تثبته الأيام أقوى من تضليل بعض علماء النفس.
3 ـ وأن تخضع المحادثة لمبدأ عبادي، فكل ذكر ليس فيه لله ذكر فهو سهو وعبث، ويقصد من ذلك أن كلام المرأة بوجه عام كالرجل تماماً يجب أن يكون تعبيراً عن طاعتها لله سبحانه وتعالى.
فالتسليم ـ مثلاً ـ عمل عبادي يؤكد عليه المشرع كأهميته في تقوية العلاقات الإيمانية بين أفراد المجتمع، لكن بعض النصوص اعتبرته فعلاً مكروهاً إذا كان يسبب إعجاب أحد الجنسين بالآخر واشتهاءه له، يقول النص:
كان أمير المؤمنين (ع) يسلم على النساء، وكان يكره أن يسلم على الشابة منهن، وقال: «أتخوف أن يعجبني صوتها، فيدخل عليّ من الإثم أكثر مما أطلب من الأجر».
بل إن عدم خضوع المرأة في قولها لا مع النساء ولا مع الجنس الآخر، هو في حد ذاته عملاً عبادياً لأنه يمنع اتجاه النفس عن النزوع إلى الشهوة المحرمة، وبذلك يحول دون دخول الإثم إلى قلب الرجل.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com