فقه الاسـرة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

لماذا الحجر على المجنون أو السفيه؟

* د. مصطفى الرافعي
تعريفه: الحجر ومعناه لغة المنع. واصطلاحاً هو منع شخص معين من ممارسة أعمال بنفسه لسبب من الأسباب الآتية: الجنون والعته والصغر والسفه والغفلة.
1 ـ الحجر على المجنون والمعتوه:
فالمجنون يحجر عليه فلا تكون تصرفاته القولية أو الفعلية نافذة لكونه يعتبر فاقداً للأهلية.
والجنون قسمان:
القسم الأول) جنون مطبق: وهو الذي لا يفيق من جنونه ويستمر شهراً فأكثر وهذا يحجر عليه بالاتفاق بين الفقهاء.
والقسم الثاني) جنون غير مطبق يفيق من جنونه حيناً ويجن حيناً: فهو معتبر في حال إفاقته كالعقلاء الراشدين تصح تصرفاته القولية والفعلية. وفي حال جنونه يظل الحجر مصاحباً له ومثل المجنون هذا كمثل الصبي الصغير غير المميز فكلاهما يعتبر فاقداً للأهلية. والمغمى عليه والسكران يعتبران أيضاً في حال السكر أو الإغماء فاقدي الأهلية أيضاً كالمجنون والصبي غير المميز.
أما المعتوه والصبي المميز فهما ناقصا الأهلية وتصرفاتهما موقوفة على إجازة وليهما أو وصيهما إذا كانت تلك التصرفات تدور بين النفع والضرر. أما إذا كانت نافعة فتكون نافذة، وإن كانت ضارة فتكون باطلة تلقائياً. والصبي المميز هو مَن يفهم بصفة إجمالية معاني العقود والتصرفات ويستطيع أن يميز بينها ويعتبر الصبي اعتباراً من السابعة من عمره إلى بلوغه سن الرشد الذي يختلف باختلاف الدول.
والمعتوه هو حسب ما ورد في حاشية التبيين: مَن كانت إفاقته من الجنون غير معلومة، بمعنى أن أفكاره غير مركزة وكلامه يختلط اختلاطاً كلياً وهو أي العته باختصار مرض يحول دون إدراك الأمور إدراكاً صحيحاً وسليماً. ويختلف العته عن الجنون من حيث إن المجنون يكون في الغالب مضطرباً وهائجاً بينما يغلب على المعتوه السكينة والهدوء. والولاية على المجنون والمعتوه هي للولي الذي يكون على الصغير وهو بالنسبة للمذهب الحنفي الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه، ثم القاضي، وبالنسبة للمذهب الجعفري تقدم ولاية الجد على ولاية الأب وكذلك وصيّ الجد تقدم ولايته على ولاية وصيّ الأب.
أما إذا كان الجنون أو العته لاحقاً للصغر فالولاية حينئذ تكون من حق القاضي وحده لأنها تابعة لحقه في تقرير الحجر.
2 ـ الحجر للصغير:
أما الصغير الذي هو دون السابعة من عمره فالحجر بالنسبة إليه هو آخر الحقوق الخمسة التي تتوجب له بعد النسب والرضاع والحضانة والنفقة حتى تصان حقوقه وتحفظ من الضياع وسن السابعة هي الحد الأدنى للتمييز بين الغبن والكسب.
والبلوغ بالنسبة لهذا الصغير بلوغ قانوني يتبع نظام محاكم الأحوال الشخصية في كل بلد بالنسبة لتحديد سن الرشد. وأما بلوغ سن الرشد شرعاً، فيكون ببلوغ الصبي سن التناسل وظهور أعراض الرجولة عليه وبالنسبة للفتاة يكون بلوغ سن الرشد بظهور أعراض الأنوثة عليها. وهذا واضح من قول الله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) النساء/ 6.
أما بالنسبة للولاية على النفس فظل الحكم فيها ـ على ما يبدو ـ وفق أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة، فتصرفات الصغير الذي بلغ سن الرشد الشرعي بالاحتلام صحيحة نافذة كالزواج والطلاق ونحوهما، وبينما تكون الولاية على المال حتى يبلغ الحادية والعشرين من عمره.
3 ـ السفيه وذو الغفلة:
السفه حالة تصيب الإنسان تقوده إلى بعثرة أمواله على نحو لا يقره العقل السليم. أما ذو الغفلة فهذا هو الخفيف في عقله والطيب في قلبه بحيث يغبن في معاملاته. مثل هذين الشخصين شرع الحجر عليهما (باعتبارهما ليسا فاقدي الأهلية ولا ناقصيها)، وإنما شفقةً عليهما وصوناً لأموالهما من الضياع.
ومشروعية الحكم عليهما في المذهب الحنفي مأخوذة من مذهب الصاحبين خلافاً لأبي حنيفة. وأعني بالصاحبين تلميذي أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني. وقد اتفق الصاحبان المذكوران مع فقهاء الشيعة على أن الحجر على السفيه وذي الغفلة هو قاصر على التصرفات المالية فيكون شأن هذين شأن الصبي غير المميز إلا إذا أذن له الولي. ومستندهم من القرآن الكريم قول الله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً. وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) النساء/ 5 ـ 6.
بيد أن الصاحبين اختلفا هل يثبت الحجر على السفيه وذي الغفلة بمجرد ظهور دلائل السفه والغفلة أم لا يثبت إلا بعد صدور قرار بالحجر عليهما من القاضي؟ فأبو يوسف يقول: لا يثبت الحجر إلا من حين القرار ولا يرفع إلا بقرار على حين أن الشيباني من أئمة المذهب النفي يتفق مع الشيعة الإمامية على ثبوت السفه والغفلة من تاريخ ظهورهما على المغفل والسفيه لا على وقت الحكم بثبوت الحجر عليهما. فكل تصرف يصدر قبل الحكم بثبوت السفه والغفلة أو بعده يكون باطلاً. والعمل القضائي جار على مذهب أبي يوسف لكونه أضبط وأحوط.
ولأن السفه وكذلك الغفلة حالة شاذة ينبغي إثباتها قضاء. ولا يرفع الحجر عن السفيه أو المغفل عند الجميع إلا بقرار من القاضي أيضاً.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com