فقه الاسـرة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

هل يجوز التحكم في جنس الجنين؟ وهل يتصادم مع الحس الديني؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزقنا الأولاد، يتولى ذلك بعلمه وقدرته، كما ذكر في كتابه فهو (( … يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل مَن يشاء عقيماً، إنه عليم قدير)).
ومشيئته هي العنوان الديني للسنن التي يسير عليها الكون وتحكم ما نبصر وما لا نبصر من شئون الحياة والأحياء ..
وقد اهتدى العلماء في هذا العصر إلى بعض هذه القوانين التي تضبط الوراثة، وتنشأ عنها الذكورة والأنوثة، ولهم تدخلات سوف نتحدث عنها بيد أننا نقدم بين يديها حديثاً لابد منه عن عوج أخلاقي ساد الناس قديماً ولا يزال يسودهم إلى الآن ..
نعم، كان الأقدمون يكرهون الأنثى، ويضيقون بمولدها، ويكرهون الزوجة التي تلد البنات! وما زلت أذكر شعراً حفظته وأنا صغير تشكو فيه زوجة هجرها رجلها إلى أخرى لأن الله لم يرزقه منها إلا البنات! قالت المسكينة:
ما لأبي حمزة لا يأتينا؟
يذهب للبيت الذي يلينا .. !
غضبان ألا نلد البنينا!
وليس ذلك في أيدينا!
وإنما نأخذ ما أعطينا …
والناس يكرهون الأنثى لضعفها، وهم الذين استضعفوها، وضنوا عليها بما ينضج مواهبها ويساعدها على إعطاء الثمر الطيب!!.
وقد عاصرت أياماً كان تعليم الأنثى فيها جريمة! وكان ذهابها إلى المسجد منكراً! وكان الملتصقون بالدين يبخسون حقوقها المادية والأدبية جهرة!.
ولا تزال بقايا من أولئك المتدينين الجهلة تظلم الإسلام بسوء الفهم والعرض في شتى الميادين، ويسلقونني بألسنة حداد..!.
الغريب أن إيثار الذكورة على الأنوثة لا يزال شائعاً بين أجيال كثيرة وهو من وراء ما يسمى بالهندسة الوراثية!.
لقد عرف العلماء بيقين أن الرجل هو الذي يحمل الحيوانات المنوية المذكرة والمؤنثة، وأن المرأة في هذا المجال قابل لا فاعل، وإن كانت هناك ظروف مكانية وزمانية لا نستطيع شرحها تتدخل في تغليب أحد النوعين على الآخر ..
وقد تمت تجارب لتقليل الحيوانات المؤنثة في ماء الرجل، كما تمت تجارب لتهيئة ظروف خاصة عند المرأة تميل بالإنجاب إلى أحد النوعين، ولم يصل العلماء إلى نتائج حاسمة بعد، وما زالوا يحاولون …
ولا بأس أن ننقل ما تمت مناقشته في منظمة الصحة العالمية حول التحكم في جنس الجنين حيواناً كان أم إنساناً.
لقد جرت تطبيقات واسعة في علم الحيوان تمكّن فيها العلماء من تحضير كمية كبيرة من السائل المنوي لعدد من الفحول، ثم فصل السائل بالتنبيذ إلى قسمين: أحدهما ترجح فيه الحيوانات المنوية المفضية إلى الذكورة، والآخر ترجح فيه الحيوانات المنوية المفضية إلى الأنوثة.
وباستعمال أحد القسمين في التلقيح الاصطناعي لإناث الحيوانات أمكن أن يميل ميزان أحد الجنسين عن النسبة الطبيعية التي تقارب (50%) لكل منهما إلى حوالي (70%) في اتجاه الجنس المطلوب، ولم يتمكن العلم حتى اليوم من الفصل الكامل لنوعي الحيوانات المنوية بعضها عن البعض الآخر لأسباب عديدة ومعقدة.
والسؤال المطروح هنا: ما هو موقف الشريعة الإسلامية من تطبيق هذه التقنية على البشر؟ وهل يجوز أن تلبّى رغبة الزوجي في تغليب الحصول على جنين ذكر أو العكس، أو أن يتم تغليب أحد الجنسين على الآخر في طائفة من الناس؟
وبالرغم من وجود صعوبات في نطاق التطبيق البشري، وخاصة في تجميع الكمية الكبيرة من السائل المنوي من الزوج وإجراء التلقيح الاصطناعي بمعرفة الطبيب، وأن يحل هذا محل الجماع الطبيعي الذي تتجلى فيه صفة المودة والرحمة والسكينة والألفة المقصودة لذاتها في الحياة الزوجية، ومع هذا لا تعتبر هذه التقنية مستحيلة في التطبيق البشري مع وجود العقبات وارتفاع التكاليف.
هناك بعض التساؤلات، منها ما إذا كان التحكم في جنس الجنين يمكن أن يعتبر تدخلاً في الإرادة الإلهية، وهل يجوز للإنسان أن يتحكم في عناصر المعادلة التي تغير من نسبة الذكور أو الإناث، وهل يتصادم هذا مع الحسّ الديني؟
الواقع أن كل ما يفعل في هذا الجانب يتم بقدرة الله تعالى ومشيئته، وفي حدود دائرة الأسباب والسنن التي أقام الله عليها هذا الكون (وما تشاءون إلا أن يشاء الله. إن الله كان عليماً حكيماً).
وتمت في الندوة مداولات متعددة حول هذا الموضوع، وخلصت في النهاية إلى التوصية التالية:
اتفقت وجهة النظر الشرعية على عدم جواز التحكم في جنس الجنين إذا كان ذلك على مستوى الأمة، أما على المستوى الفردي فإن محاولة تحقيق رغبة الزوجين المشروعة في أن يكون الجنين ذكراً أو أنثى بالوسائل الطبية المتاحة، لا مانع منها شرعاً عند أغلب الفقهاء المشاركين في الندوة، في حين رأى غيرهم عدم جوازه خشية أن يؤدي ذلك إلى طغيان جنس على آخر.
أقول: لو استجبنا لأهواء الناس في إيثار الذكور وسخرنا الطب لبلوغ ما نشتهي، ماذا سيقع؟ سيهلك العالم على عجل أو على مُكث! إننا بدل أن نتقن الهندسة الوراثية يجب أن نتقن هندسة الأخلاق والتقاليد وأن نفقه قول الله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومَن فيهنّ).

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com