فقه الاسـرة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

حق رعاية الجار
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* محمد حسين فضل الله
في إطار الحديث عن حق الجوار هناك حديثان أحدهما للنبي (ص) والآخر للإمام علي بن الحسين (ع). ففي الحديث عن الرسول (ص) ((إنْ استغاثك أغثته وإنْ استقرضك أقرضته، وإنْ افتقر عدت إليه ـ أي تساعده بكل ما تستطيع أن تقدمه له من أمور مادية وغيرها فلا تهمله لأنّه أصبح فقيراً، بل لابدّ أن تقتنع بأن الغنى والفقر لا يؤثران على طبيعة العلاقة الإنسانية بين الأفراد ـ وإنْ أصابه خير هنّأته ـ لتشاركه فرحته بهذا الخير ـ وإن مرض عدته، وإنْ أصابته مصيبة عزّيته، وإن مات تبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلاّ بإذنه ـ فما أصعب ذلك في أيامنا هذه، فقد يريد الجار أن يبني بيتاً من عدة طوابق وبيت جاره من طابق واحد، فيحجب عنه الشمس والهواء، في الوقت الذي ينبغي أن يأتي إلى جاره ويستأذنه في ذلك فإنْ أذن له فبها، وإلاّ فلا ينبغي له أن يستطيل ببنائه عليه فذلك حقّ من حقوقه، بحيث يعيش المجتمع نوعاً من الاحترام المتبادل ـ وإذا اشتريت فاكهة فأهدها إليه، وإن لم تفعل فأدخلها سرّاً ـ بحيث لا يتسبب ذلك في إحراجه حيث يجد نفسه غير قادر على توفير ما توفره لعائلتك ـ ولا يخرج بها ولدك يغيظ بها ولده ـ ففي ذلك نوع من الإذلال، فالطفل الصغير لا يحمل روح الاحترام للآخرين وتقدير مشاعرهم، من خلال عقليته الطفولية، فربّما يشعر أنّه يمتاز على أطفال الجيران ما يُشعر الآخرين من صغار الجيران بالمهانة، فإمّا أن تقدّم لهم مما أعطيته أو لا تدعه يخرج عليهم بها فيغيظهم، فربما يخلق ذلك نوعاً من الضغط النفسي على الطفل الآخر بحيث يجبر أهله على شراء ما لدى ابن الجيران، وقد لا يستطيعون ذلك ـ ولا تؤذه بريح قدرك الاّ أن تغرف له منها ـ والحال واحدة، فكما كانت الريح تنقل روائح القدور التي تطبخ في العراء، فكذلك الآن، وخاصة في الشقق السكنية حيث تدخل الروائح إلى كلّ دور العمارة لاسيما الروائح التي لا يرتاح لها الجار ـ إلاّ ان تغرف له منها )) فكأنّ النبي (ص) يقول إنّ كفّارة ذلك هو أنّ تغرف له من قدرك وتقدم له من طعامك. وربما كان معنى الايذاء هنا هو حالة الاشتهاء التي تسبّبها الروائح الزكية التي يثيرها الطعام اللذيذ مما قد لا يستطيع الجار أن يوفّره، فإذا ما قدّمت له من طعامك فإنّك تكون قد أشركته في طعام تسبّبت في تحريك شهيته إليه.
وأمّا في (رسالة الحقوق) فيقول الإمام علي بن الحسين (ع): ((امّا حقّ جارك فحفظه غائباً ـ بأن تحفظ سمعته من أن تُنال بسوء، وعياله من أن يتعرّضوا إلى مكروه، وداره من أن تسرق ـ وإكرامه شاهداً ـ أي حاضراً ـ ونصرته إذا كان مظلوماً ـ بأن تنصره بكلّ الوسائل التي تنصر بها نفسك ـ ولا تتبع له عورة ـ لأنّ الجار يطّلع عادة على عيوب وعورات جيرانه فهو أمين عليها ولا يجوز له أن يتتبّعها أو يتجسّس عليه في ذلك ـ فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه ـ فإذا اطلعت عن طريق الصدفة على عيب أو نقص أو مثلبة سترتها عليه فلا تفضحه بها ولا تعيّره بها ولا تكتمها اليوم لتكشفها غداً أو تطلع غيرك عليها ـ وإن علمت أنه يقبل نصيحتك نصحته ما بينك وبينه ـ أي ليس أمام الناس أو الجيران الآخرين، فإنّ ذلك مما يزينه ولا يشينه كما حدّث الإمام الصادق(ع) في ذلك ـ ولا تسلمه عند شديدة ـ أي عندما يشتدّ عليه الزمان والمشاكل والظروف الصعبة، بل حاول أن تعينه على اجتياز مصاعبه ـ وتقيل عثرته ـ إذا أخطأ، فلا تتركه يمضي في خطئه، بل حاول أن تسدّده وتهديه إلى الصواب وأن تأخذ بيده إلى ما فيه صلاحه ـ وتغفر ذنبه ـ فإذا أذنب معك أو أساء اليك فمن حقه عليك أن تصفح عنه وتسامحه ـ وتعاشره معاشرة كريمة)) كما يعاشر الكرام بعضهم البعض.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com