هي و هو

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الاطار الثقافي وتاثيره على الصحة الزوجية
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د . مصطفى حجازي
هو الذي يحدد في اي مرحلة تاريخية من حياة اي مجتمع انماط الارتباط الزوجي وشروطه واجراءاته . كما انه يحدد قبلا الادوار الجنسية الممهدة لهذا الرباط , من خلال اساليب التنشئة وغرس مفاهيم الزوجية والامومة والابوة , وهذه كلها قد تكون مستقرة نمطية وصولا الى حد الجمود كما في المجتمعات التقليدية . هنا يصبح وزن البعد الثقافي حاكما , فكل من الشاب والفتاة يهيآن لادوارهما بشكل تضيق معه دائرة الخيارات . ويحرص المجتمع على فرض هذه الادوار من خلال مختلف جماعات الضغط الخاصة بهذه المسألة . ولهذا لا يملك الزوجان الا التكيف للآطر المرسومة والادوار المحددة . على ان هذا التكيف للاطر المرسومة والادوار المحددة . على ان هذا التكيف لا يتخذ طابع الاختيار الحر الواعي , بل هو يتحول الى نوع من التكيف لما يبدو انه طبيعة الامور ذاتها , من خلال تمثل التوجهات والادوار والقيم والسلوكات بفضل عملية التننشئة ذات التقنين العالي . تتمثل المراة ادوارها ومكانتها وكانها طبيعتها الفطرية , وكذلك هو حال الرجل .
وعليه تصبح دينامية الحياة الزوجية ومسار الرباط الزوجي ومصيره محكومة بهذا التقنين : من تبعية ورضوخ , او تسلط وفوقية , ومن المرجعيات على اختلافها . ومع الافراط في التقنين تنحسر عادة الابعاد النفسية الذاتية كما تنحسر تاثيراتها الى حد بعيد في تكوين الرباط الزوجي ومساره . فالاهل هم الذين يحددون على سبيل المثال الخيارات الزوجية المتاحة , وهم يتخذون القرارات الخاصة بها من خلال سلطتهم المرجعية على الابناء . والزواج في هذه الحالة يخدم الجماعة ( من مصاهرة و احلاف من الخارج , او تعزيز الروابط ضمن الاسرةالممتدة في الداخل ) . ويكاد الابناء ( صبيانا وبناتا ) يصبحون ادوات لخدمة هذه المصالح . وهم يحضون بالرضى والرعاية والحماية والامتيازات طالما امتثلوا لهذه الادوار وتمثلوها في سلوكهم . والا فان مختلف حالات الضغوط تمارس عليهم : من حرمان , ونبذ , واستبعاد وصولا الى حد سحب الاعتراف بهم . هذه الاسس قج تكون ايجابية توفر التوافق , او سلبية تطلق حالات سوء التوافق الزوجي , بدون ان يكون للطرفين من خيار . وفي المقابل فانه كلما ازدادت المجتمعات حركية برز وزن الابعاد الذاتية في قيام الرباط الزوجي وتحديد مساره ومصيره . يبدا الامر بحرية الاختيار المتفاوتة في مقدارها . ويسبقه طبعا تحرك ادوار الذكورة والانوثة , ولقد اخذت هذه تعرف تطورات سريعة مع انفجار انفتاح بعض المجتمعات , وتزايد التحولات الاجتماعية , وتعلم كلا الجنسين بفرص تكاد تتكافأ , وتساوي او توازي وزن الادوار الاقتصادية لكل منهما .
واهم منن ذلك بالطبع انعكاسات هذه الادوار على دور الرجل والمرأة , وطبيعة الروابط االزوجية , وسيرها باتجاه التكافؤ والشراكة . هنا تصبح المتغيرات الفردية ذات وزن اكبر في الاختيار والتكوين والتفاعل على الصعيد الزوجي .ومع تزايد هذا الوزن تتغير التوقعات وتصبح اكثر تنوعا وتداخلا وحركية . وهو ما قد يوفر فرص المزيد من النضج والنماء والارتقاء . الا انه يحمل الان في عينه مزيدا من احتمالات التناقض والصراعات والمجابهات على اختلافها التي قد تؤدي الى تسويات معقولة او تدخل في المآزق .
على ان التحول في الادوار بسبب التغيير الاجتماعي , لا يؤدي , عكس ما قد يتبادر الى الذهن , الى انتقال كامل من حال الى حال يلغي فيه الراهن ما سبقه , بل الاغلب هو المرور , بدرجات مختلفة من الازدواجيات ما بين المعلن الصريح الواعي , وبين المضمر الذي لا زال يحمل آثار الادوار ونظم التوقعات السابقة .
فالمرأة التي تنادي بالشراكة والتكافؤ في المسؤليات والحقوق , لا زالت مدفوعة بدرجات مختلفة من التمسك بالادوار القديمة بما فيها من تبعية واتكالية , وفوائد مختلفة كذلك هو حال الرجل الذي لايزال يخفي في اعماقه نفس النزوع التسلطي الفوقي الموروث ثقافيا , ونفس النظرة الى المرأة كأداة لتحقيق مختلف رغباته وغاياته , وراء شعارات المساواة والانفتاح والتطور الذي يرفعها عاليا . تتضمن هذه الحالة بالطبع العديد من اوجه الصراع الذي يؤثر على استقرار الرباط الزوجي ونمائه . فالازدواجية الداخلية عند كل من الزوجين وما تولده من صراع ما بين نزوع الحداثة وقوة جذبها , وبين الارتياح الدفين ( غير المعلن ) لمميزات ومغانم الادوار التقليدية , لابد ان تنشط في العلاقة الزوجية في العلاقة الزوجية مؤدية الى العديد من حالات التذبذب اقداما ونكوصا , في جولات من المجابهات فيها لقاء وتوافق او فصال وتناقض , تبعا لموازين القوى في كل مرحلة وما تتاثر به من متغيرات خارجية , او ظرفية , ومن جدليات ذاتية , وهو ما يجعل الحياة الزوجية اقرب ما تكون الى نظام قوى ذي الثبات الغير مستقر .
على ان اكثر مناحي التاثير على تكون الرباط الزوجي واستقرار قد تكمن في ما نطلق عليه ( الصحة الاجتماعية ) , فالازمات الاقتصادية تعتبر من ابرز عوامل اعاقة الزواج كما هو معروف , حيث لا يمكن توفير احتياجات تأسيس الاسرة . وهو ما اصبح يميل الى التفاقم مع تزايد بطالة الشباب الجامعي , وهدر طاقاته و والحيلولة دون حصوله على حقوقه في حياة عاطفية اسرية و مهنية . كذلك فان الازمات الاقتصادية مثل فقدان العمل المنتظم والدخل المضمون , او تدهورهما يمثلان عناصر فاعلة في الصراعات الزوجية , وصولا الى تصدع الرباط الزوجي .
وفي المقابل فان افراط البحبوحة المادية تنعكس سلبا على الرباط الزوجي وما يقتضيه من تضحية والتزام . فالوفرة المفرطة قد تدفع بكل من الزوجين الى البحث عن اشباع رغباته وملذاته , في حالة من ادارة الظهر للالتزام الاسري , وعندها قد ندخل في حالة ( التصدع الخفي ) حيث تتتحول العلاقة الزوجية الة نوع من الرباط الشكلي الذي لا يعدو الحفاظ على المظاهر .
اما الالتزامات الاجتماعية الامنية فانها تعتبر بدورها من عوامل سوء تكون الروابط الازوجية , ففي حالات التهديد للحياة والمستقبل , قد يندفع البعض الى في ارتباطات متسرعة لا تتوفر لها مقومات التكافؤ والتوافق والاستمرارية ( من مثل حالات زواج الملاجئ خلال الحرب اللبنانية ) . وحين تنجلي التهديدات , وتستعيد الحياة شيئا من طبيعتها يفلس الرباط الزوجي الذي اتخذ طابع النزوة الظرفية .
وقد تؤدي الازمات الامنية , وهو الاعم الاغلب , الة العديد من حالات التصدع الاسري , حيث يعجز الزوجان القيام باعباء الزوجية , بسبب من التهديدات الامنية , او الانفصال , وتشتت شمل الاسرة , او الوقوع في حالات القلق والآكتئاب المرضي , اللذين يطفئان العلاقة العاطفية – الجنسية , كما هو معروف .
وقد تؤدي الازمات الامنية اذا طال امدها و الى انقلابات في الادوار الزوجية والوالدية . ابرزها فقدان رب الاسرة لمكانته ومرجعيته المادية والنفسية , مما يؤدي الى اختلال السلطة ومعاييرها وما يحمله ذلك من انعكاسات على الرباط الزوجي , وفتح المجال لمختلف حالات الصراع .
ولابد من هذا المقام في الاشارة الى بؤر التفكك الاجتماعي في المجتمع , من مثل احزمة البؤس حول المدن الكبرى : تكدس الهجرة الريفية في مساكن من الصفيح , واختلاطها بعمالة وافدة ذات مستوى اجتماعي ثقافي متدهور . نحن هنا بصدد ما يسمى ( اللا المعيارية الاجتماعية ) . الضوابط والمرجعيات غير موجودة , وازمات البطالة متفاقمة , والفقر والعوز متفشيان . ويؤدي ذلك كله الى العيش دون خط الفقر , الذي يؤدي بدوره الى ( مادون خط البشر ) حيث تنهار القيمة الانسانية وتنهالر معها ( المحترمية ) . وعندها تهون مختلف الممارسات المحطة بمكانة الانسان : المخدرات , الممارسات الغير اخلاقية , النشاطات الممنوعة . وكلها تفتح الباب على مصراعيه لمختلف حالات التصدع الاسري الصريح : طلاق , تفكك , هجر , شيوع جنسي , صراعات زوجية وعنف , واهمال ونبذ الاولاد . وقد تكون اكبر حالات الاذى التي تصيب ( الامن الزوجي – السري ) , هو هذه البؤر الاجتماعية التي اصبحت تهدد الامن المجتمعي .
نرى من هذه الاشارات السريعة , كيف ان الصحة النفسية الزوجية مششروطة بالصحة المجتمعية . وهو ما ينعكس بالطبع على صحة كل من الزوجين النفسية وصحة الاولاد بالتالي .
Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com