هي و هو

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

جدليات الرباط الزوجي
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د.مصطفى حجازي
تؤدي مجمل المتغيرات الحاكمة لقيام الرباط الزوجي وصيرورته، التي عرضنا لها،الى التفاعل فيما بينها في حالة من التأثير المتبادل.وهو ما يجعل كل رباط زوجي حالة فريدة من نوعها من حيث الخصوصية والدينامية.كما أن كل من الزوجين يمر بتجربة ذاتية فريدة بدورها تبعاً لواقعه وموقعه.وتتكامل هذه المتغيرات في توليفه أصيلة تحمل الرضى والاشباع، أو الإحباط والصراع بمقادير متفاوتة، مما يجعل كل علاقة زوجية تطلب دراسة خاصة بها,رغم القواسم المشتركة فيما بينها.
وهكذا فإن الرباط الزوجي في حالات توافقه، كما أزماته،مسيرة دينامية أبعد ما تكون عن الجمود.انه حالة من التكون الدائم في إتجاه الاستقرار، أو النماء، أو التدهور,تشكل حصيلة تفاعل وتضافر المتغيرات الخارجية، والعلائقية,والذاتية في اتجاه التعزيز المتبادل، أو التعديل المتبادل.ويعود ذلك بالطبع الى تنوع الظروف الخارجية التي تشكل بيئة العلاقة الزوجية وتغيرها من ناحية,والى تنوع الحاجات والتوقعات والتوازنات الذاتية وتحولاتها خلال مسيرة الحياة من ناحية ثانية.
لدينا من ناحية تعدد الحاجات وهرميتها في أي لحظة، لدى كل من الزوجين.
كل قرين لديه أولويات على مستوى الحاجات والرغبات والأدوار والتوقعات في كل مرحلة من تجربته الزوجية.ويؤدي تفاعل هذه لدى الطرفين,الى بروز التركيبة الدينامية للعلاقة في كل مرحلة، على ما في ذلك من مناطق لقاء وتوافق، ومناطق تقاطع أو تباين أو تعارض تعطي الحياة الزوجية حالتها المميزة وعليه فالزواج الذي يقوم على بعض الحاجات دون سواها سيدخل لا محالة في أشكال من المجابهات المختلفة المنحى والنتائج.
ويضاعف من تعقيد دينامية الحياة الزوجية تحول الحاجات وإلمتطلبات مما يؤدي الى تغير الهرمية والأولويات.فالحاجات العاطفية-الجنسية قد تطفى على ما عداها في البداية، مما يلجم ضغط بقية الحاجات.وقد تكون حاجات المكانة والوجاهة، أو اثبات الذات،أو البحث عن الاستقرار هي التي تحتل الصدارة وبالتالي فإن التركيز على إرضاء هذا التوجه أو ذاك سيولد حالة من الشبع، أو التشبع مما يجعل هذه الحاجات تخفت مؤقتاً، تاركة المجال لبروز حاجات أخرى واحتلالها مكانة الصدارة من حيث الحاح الإشباع.وتنشأ الأزمات والمآزق حين لا يتيسر للرباط الزوجي مرونة كافية لمراعاة هذا التحول في الأولويات.
من الحالات الشائعة في الرباط الزوجي بروز الحاجة الى الإنجاب واثبات جدارة الذكورة والأنوثة من خلال الوالدية ذات الأهمية النفسية على المستوى الشخصي،والأهمية الاعتبارية على المستوى الاجتماعي.فالإنجاب والقدرة عليه هو دليل جدارة الهوية الجنسية.انها حالة استكمال مقومات الكيان الراشد,والعبور الى التقدير والاعتراف على المستوى الاجتماعي بإكتمال الشخصية.كذلك يبرز في هذا السياق الحاجة الى تعريز المكانة، أو بناء الكيان المستقبلي مادياً ومهنياً,أو الحاجة الى الاستقرار.فإذا كان هناك استقطاب مفرط لحاجة واحدة في الرباط الزوجي من مثل الحب والجنس بدون القدرة على هذا التكيف الدينامي المتحول والنامي تبرز عندها مسائل مراجعة حسابات الربح والخسارة لدى هذا الطرف أو ذاك.كما قد تبرز تساؤلات سلامة المنطلق وواقعيته وقدرته على الديمومة والحياة.
كذلك قد يكون منطلق الرباط الزوجي حالة من رد الفعل على صراع مع الأهل.
فيتم الزواج كحلف في معركة ضد الاَخرين.الأ أن هذه المعركة لا بد أن تنطفىء تدريجياً ولو بعد حين.هنا قد لا يعود الحلف ذو الطبيعة الدفاعية أساساً (الارتباط ضد الآخرين)بقادر على تلبية بقية الاحتياجات التي يتزايد الحاح ضغطها للوصول الى الارضاء.واذا كان الأمر كذلك فقد يعيش الزوجان أو أحدهما تجربة انكشاف غرم المغامرة غير المحسوبة جيداً.
وقد يقوم الرباط الزوجي أساساً كدفاع ضد قلق الانفصال، أو قلق العجز أو المجهول.الأ أن ما هو دفاعي من حيث التعريف لا يوفر بالضرورة فرص النماء واحتياجاته الى تنويع الإرضاءات وتكاملها وتحولها.ذلك أن الدفاع يتخذ طابع التصلب ورد الفعل، مما لا يتصف بالمرونة الضرورية للصيرورة.
ويضاف الى ما سبق أن الحاجات لا تتصف كلها بنفس القدر من الإلحاح والأولوية.بل هي غالباً ما تتجاور ولو تغيرت أولوياتمها.ولا يتوفر التطابق في هذه الوضعية عند كل من الزوجين اللذين تتفاوت هرمية أولوياتهما كما تتفاوت وتائر نمو وتغير اهتماماتهما وتوقعاتهما.وهو ما يقتضي مرونة تكيفية متبادلة من جانب، ودرجة عالية من النضج و الواقعية والاعتراف بالتباين والتفاوت والغيرية من جانب اَخر.
ويتمم هذه الديناميات والتحولات حالة الازدواجية والتجاذب التي تميز الرباط الزوجي.فالمسألة ليست مجرد وفاق وانسجام،أو تعارض وتناقض، بل هي ذات درجات ومستويات في كل من التوافق والتعارض في الاَن عينه.هناك دوماً توافق ولقاء على مستويات، وتعارض وتناقض على أخرى.هناك تعلق وارتباط في جوانب واحباطات وصراعات في جوانب أخرى.وهو ما يجعل العلاقة مع الآخر نوعاً من مزيج فريد من امكانات اللقاء والارضاء،وإمكانات التباين والإحباط.كل من الزوجين يتعلق بالآخر ويندفع اليه في جوانب، ويعيشه كإحباط له وكعقبة وجودية إزاء تحقيق رغباته من جانب آخر.فكيف ستتطور هذه الحالة؟ قد يتم التطور باتجاه التسويات والتوافقات مما يحجم التباينات والتناقضات والإحباطات أو هي تتطور باتجاه تصعيد التناقض مما يبطل فاعلية وقدرة قوى الجذب والارتباط.
أو هي تؤجج ملف الصراعات على قاعدة حد أدنى من العيش المشترك تبعاً للقيود الذاتية والخارجية المفروضة على حركية كل من الطرفين.
قد تكون صورة غنى وتعقيد ودينامية الرباط الزوجي وصيرورته المفتوحة على كل احتمالات النماء أو المأزق قد أصبحت على قدر كافي من الوضوح.ومنها تظهر كمية الجهد المطلوب لبناء وصيانة هذا الرباط، وتوفير فرص الاستقرار والديمومة له.
وهنا تبرز الصحة النفسية في مخنلف مقوماتها القادرة على التعامل الواقعي مع مجمل متغيرات الرباط الزوجي، والتأليف المعقول بينها.كما تبرز أهمية الصحة المؤسسية والمجتمعية التي تشكل الإطار العام للرباط الزوجي، وما يمكن أن توفره له من مقومات الاستقرار والنماء.والعكس صحيح في الحالتين، حيث تفتح سجلات الأزمات على اختلاف درجاتها ومجالاتها ومآلها.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com