|
أوّلاً ـ العامل السيكولوجي :
وهو ينتج عن التغيّر الذي يطرأ على شخصية المرأة ، عندما تريد أن تلعب دور الرجل ، فتضمر الصفات الأنثوية فيها لتعيش في الجزء الخلفي (المذكّر) من شخصيتها ، ممّا يسـبِّب لها آلاماً نفسـية . ويتأثّر عقل المرأة حين تتولّى القيام بعمل الرجل بذكوريّتها الخفيّة بطريقة لا تلاحظها على نفسها ، لكن هذا التأثير يكون واضحاً لكل شخص في محيطها ... وهو ما قد يجعلها «تغدو هوىً شيطانياً يثير الرجال ويثير فيهم الاشـمئزاز ، وتلحق أكبر الأذى بالمرأة نفسها ، عن طريق خنق السحر والمعنى في أنوثتها تدريجياً وتسوقها إلى المؤخّرة . من الطبيعي أن ينتهي مثل هذا التطوّر إلى انفصال سيكولوجي عميق : باختصار ، إلى عصاب» () .
هذا التحوّل السـيكولوجي في شـخصيتها نحو «الرجولة» يُسبِّب لها أكثر من مشكلة ، فهو يحول «دون وصول المقاربات إلى شعورها .. قد تصبح باردة جنسياً ، كدفاع في وجه النموذج الجنسي المذكّر الذي يتطابق مع نموذجها العقلي المذكّر» .
وما يجري على المرأة في الغرب ، يجري على الرجل أيضاً ، فـ «الحياة اليومية حولنا تضجّ بالرجال (الذين يشبهون الإناث) ، وبالنساء (اللّواتي يشبهن الرجال) ، فمَن يقوم بالدور الفاعل في هذه الأسرة أو تلك ؟ المرأة ؟ الرجل ؟ مَن هو (القوي) ؟ ومن هو الضعيف ؟ وإذا أصغينا إلى الأصوات دون أن نرى الوجوه ، كم مرّة لا يقول فيها المرء أيّها السيِّد لإمرأة ، وسيِّدتي لرجل ؟ » () .
ولذا فقد حلّت «المثلية» محل الزواج .
و «قد نظنّ للوهلة الاُولى أنّ مثل هذا الرجل وهذه المرأة خليقان بأن يحقِّقا (الزواج الكامل) . في الواقع ليس الأمر هكذا ، على العكس ، سرعان ما يبدأ النزاع بينهما .
إنّ ما تريد أن تفعله المرأة ـ باتجاهها الذكوري ـ بعد أن اكتشفت الثقة بنفسها ، ليس بالأمر الذي يبعث على سرور الرجل ، بينما لا ترتاح المرأة إلى المشاعر ـ الأنثوية ـ التي اكتشفها الرجل في نفسه .
إنّ ما اكتشفه كلاهما في نفسه ليس فضيلة أو شيئاً ذا قيمة جوهرية ، بل هو عيب بالمقارنة ، وقد نشجبه لو كان ثمرة لاختيار أو مزاج شخصي .
ذكورة المرأة وأنوثة الرجل عيبان فيهما ، ومن المؤسف أن تلوّث قيمة شخصيّتهما بشيء قليل الأهمية» () .
من الجدير ذكره أنّ إحدى الدراسات التي اُجريت على خمسة آلاف زوج ، بيّنت بوضوح أنّ الأزواج يرتاحون للصفات الجسمية السلبية المضادّة لأحدهما في الآخر . وأنّ سعادة الأزواج المتضادّين في الصفات أكثر من غيرهم .
حيث وجد أنّ النسـاء النحيفات يرتحن للرجال البدينين ، فيما ينسجم الرجال النحيفون مع النساء البدينات ـ نسبياً ـ .
فإذا كانت هذه الحالة في الصفات الجسمية الظاهرة ، فإنّها قد تكون أكثر وضوحاً في الصـفات النفسـية التي يبحث فيها الرجل الصاخب عن واحـة هادئة يستفيء بظلالها .
ثانياً ـ تغيّر مفهوم الزوجية :
تتجه المرأة نحو الرجل بدافع الحبّ والبحث عن الاستقرار معه بالزواج ، فإنّ النسوة «لا يشتهين خوض مغامرات جنسية ـ لا يعتقد ذلك إلاّ غبيّ ـ ، بل أن يتزوّجن ...
والزواج في نظر ـ المرأة ـ ليس مؤسّسة أبداً ، بل علاقة حب إنسانية» .
والرجل كذلك يؤمن بالزواج «لأ نّه يحبّ الراحـة ـ السكون ـ ويؤمن عاطفياً بالمؤسسات التي تميل دائماً إلى أن تصبح في نظره ، موضوعات يحيطها بمشاعره» .
و «في نظر الرجل العادي ، الحبّ بمعناه الحقيقي يتّفق مع مؤسّسة الزواج» () .
لكن الوضع تغيّر الآن ، مع تغيّرات المجتمع الغربي ، عمّا سبق ، فالمرأة بدأت تفهم الحبّ على أ نّه الجنس ، وبالتالي ، فإنّ عدم الزواج ربّما يوفِّر لها فرصاً «للحبّ» أكثر ممّا لو أطّرت نفسها به .
خصوصاً أنّ حبوب منع الحمل ، والحالة النفسية الكسولة والضاجرة للإنسان الحديث ، وتهرّبه من تحمّل مسؤولية الأولاد ، قد جعلت الأمر ـ العلاقة مع الجنس الآخر ـ أشبه بالنزهة الليلية ، يقضي كلّ وطره مع الآخر ، ثمّ يفترقان دون أعباء ولا تكاليف .
والرجل كذلك ، بدا له الزواج قيداً زائداً ، لا يتناسب مع كثرة مشاغله ، وتعدّد مسؤولياته ، كما إنّ شبح «الزيجات الفاشلة» يلاحقه ، فضلاً عن أ نّه بدأ ينظر للمرأة كجسد ، لا كروح ، كشريك فراش ، لا رفيق درب وحياة ، وبالتالي فإنّ النظرة النفعية القائمة على أساس اللّذّة ، والسائدة في عقول الرجال ، تؤثِّر بدورها على فكرة الرجل عن الزواج ورؤيته لعلاقته مع «المرأة» .. المرأة الجسد لا الانسان .
فـ «الانسان الحديث لا يجد في الزواج غير إشكالية كُبرى» () .
وهذا الفهم السطحي ، هو جزء من نظرة كلِّية حاكمة على حياة الرجل والمرأة ، على السواء ، نظرة إلى الحياة ، ونظرة إلى الانسان ، ونظرة إلى الجنس الآخر .
فإذا كانت الحياة مُتعة ، والإنسان أيامه تنقضي بسرعة وعليه أن يلتذّ بها أكثر ما أمكن ، والانسان الآخر لا يعني للإنسان شيئاً إذا لم تربط بينهما المصالح أو تؤلِّف شملهما المنافع ، وإذا كانت المرأة خُلِقَت «ملهاة للرجل» كما يقول روسو ، فمن الطبيعي بمكان أن يفقد الزواج معناه ، لأنّ فيه تعهّداً والتزاماً ، وأعباء وتكاليف قد تعيق حركة الانسان المنتفع والمندفع نحو اللّذّة .
وقد يجد الانسان في ذلك إرضاءً لغرائزه ، وإشباعاً لحاجاته الجسدية ، وقد يستمتع هنا وهناك، مع ذي وتلك، ليقضي سويعات من الارضاء الجسدي .. لكن القلب سيبقى قلباً متقلِّباً ولا يستقرّ له حال، ولا يشعر بالسكون والاطمئنان إلاّ في ظلِّ الأسرة .
ثالثاً ـ التسيّب الجنسي :
في عام 1953 م ، ظهر كتاب عن السلوك الجنسي عند المرأة ، للدكتور الفرد س . كنيزي ، مدير أبحاث الجنس بجامعة أندرانا ، وممّا جاء فيه :
«68 % ممّن دون الثلاثين أقاموا علاقات جنسية قبل الزواج ، 70 % كانت لهم ـ أحياناً ـ علاقات مع العاهرات ، 40 % من المتزوِّجين عاشوا مغامرات «عاطفية» خارج نطاق الزواج» () .
وأعتقد أنّ هذه الأرقام باتت قديمة ، والمجتمع الغربي بشكل عام والأميركي على الخصوص ، يشهد اليوم قمّـة التسيّب الجنسي وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه الأسرة .
وأبرز حالات التسيّب هو العلاقات الجنسية لكل من الزوجين مع أناس آخرين جنباً إلى جنب حياتهما الزوجية ، وهو يشمل نسبة عالية من الأزواج ، وهو ممّا يجعل من الزواج مجرّد «خدعة» ، أو قناع يستتر خلفه وجه ملبّد بالآثام .
ولسبب أو آخر ، فإنّ المرأة هي التي تتحطّم على قلبها أسطورة «الحبّ المقدّس» ، وتجنّ جنون غيرتها عندما تجد لزوجها شيئاً من العلاقات مع نساء أخريات .
إذ «تشعر المرأة هذه الأيام ألاّ وجود لأمن حقيقي في الزواج ، إذ ما معنى إخلاص زوجها عندما تعلم أنّ مشـاعره وأفكاره تجري خلف نساء أخريات ، وأ نّه أجـبن من أن يركض وراءهنّ ... ثمّ ما معنى إخلاصها هي عندما تعلم أ نّها لا تلتزمه إلاّ لاستغلال حقّها الشرعي في التملّك ، وتضليل روحها ؟ .. إنّ هذه خطوات تفضي إلى أحطِّ المستويات البشرية ، وتنتهي أخيراً إلى مستوى الهاوية لو تركها المرء تذهب من تميّزه الشخصي» () .
فالزواج ، وقبل كل شيء ، هو عملية اتحاد روحي ، يتزاوج فيه الروحان قبل أن يتلاقح فيه الجسدان ، لأنّ روح الرجل وروح المرأة قد خُلقتا من «نفس واحدة» ، وبالتالي فإنّ الزواج هو بمـثابة معراج لهاتين الروحين المضطربتين والمنفصلتين ، ليجتمعا ويكوِّنا نفساً مستقرّة واحدة ، تنعم بالرحمة وتدوم بالمودّة .
(ومِن آياتِهِ أن خَلَقَ لَكُم مِن أنفسِكُم أزواجاً لِتَسكُنوا إليها وجَعلَ بينكُم مَودّةً ورَحمةً إنَّ في ذلِكَ لآيات لِقَوْم يَتَفَكَّرون ). ( الروم / 21)
أمّا عندما يكون الزواج لقاء أجساد خاوية ، تجتمع بليل وتتفرّق في نهار ، فإنّ هذا البناء الهاوي لا يستقرّ على حال ، فهو لم يُشيّد ابتداءً على أساس متين ، بل قام على أساس منافع ومصالح قد تتفق اليوم وتختلف غداً .
لهذه الأسباب وغيرها ، فإنّ مستقبل الزواج وتشكيل الأسرة في الغرب ، وكذا مجتمعات الحداثة التي تسير على نهجه ، مُهدّد بالخطر ، وبالتالي فإنّ تغييراً خطيراً سينال البنية الاجتماعية للعالم ، وبدأت بوادر هذا التغيير في بعض المجتمعات الغربية التي اتجهت إلى العائلة الأحادية الإدارة ، تتكوّن من أبناء وأم ، أو أبناء وأب ، أو «الأسر» المثلية ، نساءً أو رجالاً ، وارتفاع نسبة الذين يعيشون لوحدهم بشكل كبير يصل إلى 60 % من أفراد المجـتمع ، الذين يفضِّلون حياة الوحدة على حياة الأسرة ، وهذه بدايات تنذر بتشكّل مجتمعات جديدة بمفاهيم وأخلاق مستحدثة، أو قل بمعايير وأصول اجتماعية مبتدعة .
|