قد تبدو مسألة حق المرأة في اعطاء جنسيتها لأبنائها وبناتها، للوهلة الاولى، قليلة الاهمية قياساً بالقضايا الاخرى ذات الصلة بالمساواة بين المرأة والرجل في الحقوق، كقوانين الاحوال الشخصية والعقوبات، وغيرها من المسائل التي يتمحور حولها النضال النسوي العربي. والحقيقة انها لا تقل اهمية عن جميع هذه القضايا.
فهي تكرس شكلاً من اشكال التمييز القانوني ضد المرأة، مثلها مثل كل شأن آخر، وتتناقض مع معظم الدساتير العربية التي تكفل حقوقاً متساوية للمرأة والرجل، نصاً، ايضاً، شأنها شأن كل مسألة اخرى. هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان غياب هذا الحق، بالنسبة الى النساء، يولد مشكلات اجتماعية لا حصر لها امام الامهات والاطفال في العائلات المختلطة الجنسية، ولا نتحدث هنا عن بعض الفئات اللواتي تزوجن من اوروبيين او اميركيين واللواتي لا يبدين تذمراً يذكر بل نتحدث عن الفئات الاوسع من النساء اللواتي تزوجن برجال من جنسيات عربية، او آسيوية أو افريقية سواء ادركن او لم يدركن مسبقاً، تبعات هذا الزواج، ومعظمهن من اوساط فقيرة او متوسطة. وتتضاعف هذه المشكلة في حالات وفاة الزوج او الطلاق او هرب الزوج ليتربى الاطفال في بلد ينتمون اليه فكرياً وعاطفياً ووطنياً دون ان يملكوا حقوق المواطنة كاملة ويعاملون معاملة الاجانب طوال مراحل حياتهم.
مواطنون ناقصو الحقوق في بلد ولدوا وترعرعوا فيه. احبوه حبهم لامهاتهم وانتموا اليه بكل جوارحهم. واذا سلمنا بدور الام لا الاب في تنشئة الاجيال، وغرس القيم الروحية والاخلاقية ودورها في صوغ تكوينهم الفكري والنفسي والاجتماعي نصل الى ما مفاده ان الانتماء الحقيقي للفرد هو انتماء الام أوّلاً، وبعده تأتي عوامل الانتماء الاخرى. واذا اضفنا الى ذلك ان حجب حق المرأة في اعطاء جنسيتها لزوجها وأبنائها لا يستند الى اي مسوّغ شرعي، يصبح من الصعب على النساء العربيات في طول البلدان وعرضها ان يدركن اذن الاسباب الموجبة لحجب هذا الحق عنهن وتعريضهن وأبنائهن لهذا الكم من المشكلات.
في هذا السياق يعمل "مركز الابحاث والتدريب حول التنمية" على استكمال دراسة حول قوانين الجنسية في البلدان العربية في محاول تقصٍ لحجم المشكلات الناجمة عن هذه القوانين من مختلف جوانبها القانونية والاحصائية والميدانية والذي سيشكل حين تمامه مادة موضوعية امام الباحثين والباحثات والحركات النسائية العربية. وتغطي هذه الدراسة 7 بلدان عربية منها لبنان ومصر والاردن والمغرب وقد قامت فرق البحث بمقابلة عشرات النساء المتزوجات من اجانب.
وأشارت النتائج الاولية الى الظلم المجحف الذي تتعرض له تلك النساء وكأنما يقوم القانون بمعاقبتهن لأنهن تزوجن من اجانب (عرباً كانوا ام من جنسيات اخرى).
لقد اكدت لنا هذه الدراسة ان النساء العربيات يعانين من حرمانهن هوية وطنية كاملة وأبعادهن عن كامل الحقوق التي يتمتع بالوصول اليها اي مواطن كما الامتيازات والضمانات.
وتعمل القوانين المجحفة والدساتير المنحازة والعقلية المنحرفة التي لا تعترف بحقوق النساء في مواطنية كاملة على عرقلة مشاركة النساء السياسية وتحركهن وحقهن في حماية الدولة لهن وفي ضمانات اقتصادية.
وفي موضوع الجندر والجنسية، تعمل القوانين بصراحة على تعزيز اللامساواة الجندرية واقصاء النساء من الجنسية بدلاً من منحهن عضوية متساوية في اوطانهن.
|