حقوق و قوانين

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

معالم دور المرأة في التصور الاسلامي

* عبد الرحمن العلوي
المرأة، أي مخلوق هي؟ وكيف يمكن التعامل معه؟ وهل هي كالرجل لها حقوق وشخصية وممارسات قائمة على أساس من الاستقلال والحرية أم انها مخلوق خُلق لكي يعيش عبداً للرجل وتحت سطرته القاهرة، ولا حق له في الخروج عن ارادته، ولا يملك ادنى حرية في مناقشة آرائه وأفكاره؟
ما هي المرأة؟ كيف يجب ان تعيش؟ وكيف يجب ان تتحرك؟ وما هو الهدف الحقيقي الذي رسمه الله لها والذي يتناسب مع ما أودعه فيها من قوى وامكانات واستعدادات طبيعية؟ وهل على المرأة ان تضرب تلك الاستعدادات عرض الجدار وتتمرد على فطرتها تحت شعار المساواة مع الرجل، أم أن عليها ان تمارس دورها على ضوء تلك الاستعدادات؟ وهل المرأة قد خُلقت للرجل، أم ان كلاً منهما قد خُلق للآخر؟ وما هو دور كل منهما في كيان الاسرة وفي الميدان الاجتماعي؟ وهل عليها ان تحافظ على نظام الاسرة أم تتمرد عليه؟ وماذا يعني ذلك؟ هذه وغيرها أسئلة قديمة وجديدة لازالت تطرح دائماً وابداً، وقد ازداد التأكيد عليها في هذه الأيام سيما بعد الموجة الجديدة من الضغوط الموجهة بشكل أو بآخر نحو الموقف الاسلامي من المرأة وما يُصوّر من امتهان لحقوقها في الإسلام والدعوات الخبيثة الموجهة من خلال هذا المؤتمر النسوي أو ذاك إلى المرأة المسلمة ـ وتحت شعار حرية المرأة وغيرها من الشعارات ـ للانتفاض على صرح الأسرة وتهديم اسوار هذه القلعة العظيمة التي تحفظ للمرأة كرامتها ودورها الرباني المقدّس.
وسنحاول في هذا الجهد المتواضع ان نجيب على هذه الأسئلة ونرسم معالم دور المرأة ضمن الاطار الاسلامي ونحدد موقف الإسلام من هذا الكائن الذي يناصف الرجل في تحمل أعباء الحياة وشق عباب المسيرة الكادحة إلى الله.
المرأة قبل الاسلام
وقبل ان ندخل إلى صلب الموضوع لابد لنا ان نلقي نظرة سريعة وخاطفة على التعامل مع المرأة خلال الفترة التي سبقت الإسلام. «ففي الأم غير المتدنة كان للرجل ان يبيع المرأة لمن شاء ويهبا لمن يريد، وكان عليها ان تطيع الرجل ـ أباها وزوجها ـ في ما يأمر به طوعاً أو كرهاً وكان عليها ان لا تستقل عنه في أي امر يرجع إليه او اليها. وكان عليها ان تتحمل من الاشغال اشقها.. فالمرأة الحامل في بعض القبائل إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج البيت ونام الرجل على فراشها أياماً يتمرض ويداوي نفسه»(1). والنساء في الهند «لا لحل لهن الزواج بعد توفي أزواجهن أبداً، بل اگما ان يحرقن بالنار مع أجساد ازواجهن او يعشن في حالة من الذلة والامتهان»(2)
اما عند الكلدانيين فالمرأة «محوم عليها بتبعيتها لزوجها حتى انّه يحق له اخراجها من البيت او التزوج عليها لو أخلت بتلك التبعية.. وكان له ان يغرقها في الماء بتأييد من المحاكم لو أخطأت في تدبير شؤون البيت او لجأت إلى التذبير او الاسراف»(3). وامرأة عند الروم «وكانت طفيلية الوجود، زمام حياتها وارادتها بيد رب البيت يفعل بها ما يشاء، فربما باعها او وهبها أو اقرضها للتمتع.. وربما اعطاها في حق يراد استيفاؤه منه، وربما ساسها بقتل او ضرب.. وعند الاغريق كانت تُعاقب بجميع جرائمها ولا تُثاب لحسناتها ولا يراعى جانبها، وكان الرجل منهم إذا عرف انّه عقيم عمد إلى بعض أقاربه فأورده فراش أهله لتعلق منه فتلد ولداً يدعوه لنفسه»(4).
وفي مصر كانوا كلما قلت المياه في نهر النهيل، زينوا فتاة والقوها في الماء حتى تغرق اعتقاداً منهم ان ذلك سيزيد من مياهه. والمرأة في أفريقيا تعرض للبيع كقطعان الماشية، وما أكثر ما تُربط إلى المحراث لحرث الأرض.. ولا تتجاوز قيمتها عندهم بيضة دجاجة. فلو صادف ان سقطت سلة البيض من على رأسها حكم عليها بالاعدام.. وكانوا يقومون في مجالسهم وحفلاتهم بذبح الفتيات لاطعام الضيوف(5).
وفي استراليا كانت قطعان الماشية عندهم أفضل من النساء لان الماشية تعطي صوفاً وحليباً وكان قتل المرأة عندهم ليس ذنباً كبيراً في حين يعد ضرب البقرة الحلوب ذنباً لا يُغتفر، وكانوا يقتلون المرأة ويأكلون لحمها في ايام المجاعة... وفي ايران لم يكن للمرأة أي قيمة حقوقية واجتماعية، فكانوا يتزوجون من المحارم حتى ان الرجل كان يتزوج باخته وعمته وخالته. فبهرام جوبين الذي عاش في القرن الميلادي السادس تزوج باخته، والسلطان الساساني يزدجر الثاني قد زنى باخته وقتلها(6).
والمرأة في التوراة المحرفة أمر من الموت، والرجل الصالح عند الله هو الرجل الذي لا امرأة له، وبين الف رجل يوجد رجل صالح بينما لا توجد امرأة واحدة صالحة بين كافة نساء العالم... اما في المسيحية فقد جاء في رسالة بولص الاولى «ليس الرجل من المرأة، بل المرأة من الرجل» و«لم يخلق الرجل للمرأة، بل خلقت المرأة للرجل» و«لا اجيز تعليم المرأة أو تعلو على زوجها، بل ان تظل صامتة»(7).
واما عرب الجاهلية فطالما استبدلوا النساء بالجمال، وكان بعض القبائل العربية يرى من الخزي والعار ان يكون الإنسان امرأة أو تكون لديه امرأة. وعندما تريد المرأة ان تلد كان عليها ان تذهب البى البيداء وتحفر حفرة لتضع
__________________________
1- الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج2، ص262.
2- نفس المصدر، ص264.
3- نفس المصدر، ص264.
4- نفس المصدر، ص265، 266.
5- مكانة المرأة فى الإسلام مصطفى القوجاني، ص7، 8.
6- نفس المصدر، ص9.
7- نفس المصدر، ص10، 11.
مولودها عندها. فاذا كان ذكراً اسُقبل بالزغاريد وهنّىء به ابوه. وإذا كان بنتاً دُفن في تلك الحفرة حياً(1). و«كانت العرب لا ترى للمرأة استقلالاً في الحياة ولا حرمة، وتجوز تعدد الزوجات من غير تحديد، وكانت تتشاءم من البنت وتعدها عاراً.. وكان الرجل منهم يسره الابن مهما كثر حتى انهم كانوا يتبنون الولد لزنا محصنة ارتكبوه، وربما نازع رجال من صناديدهم في ولد ادعاه كل لنفسه»(2).
حقوق المرأة في الغرب
قبل الدعوات المطالبة بحقوق المرأة في الغرب، انطلقت الدعوات التي تطالب بحقوق الإنسان كانسان. فقد كان الإنسان بشكل عام مضطهد في الغرب، ولم يكن هناك أدنى اعتراف به، بل كانت الشعوب الغربية مجرد آلات وبيادق شطرنج يتحكم فيها الامبراطور أو الملك كيف يشاء، فكانوا يعانون من اضطهاد فـظيع يتعارض مع أبسط الحقوق الإنسانيّة.
وظهرت اُولى الهمسات. المطالبة بحقوق الإنسان الأوربي خلال القرن السابع عشر، وانطلقت تلك الهمسات من حناجر بعض المفكرين أمثال جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو حيث تحدثوا عن الحقوق الفطرية والطبيعية للانسان والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال ان تُسلب منه مهما كانت المبررات.
ونجم عن تلك الدعوات صراع طويل في بريطانيا مثلاً بين الحكومة والشعب تمخض عنها حصول الشعب على بعض الحقوق الاجتماعية والسياسية عام 1688م.
وفي عام 1776م عُعقد في فيلادلفيا بالولايات المتحدة مؤتمر حول حقوق الإنسان جاء فيه «ان كافة الناس متساوون في الخلق، وقد فوّض الخالق لكل مخلوق حقوقاً ثابتة لا تتغير، كحق الحياة وحق الحرية، كما أن الغاية من تشكيل الحكومات هي حفظ تلك الحقوق، وان قوّة الحكـومة ونفوذ كلمتها منـوط برضا الشعب...»(3).
وفي القرن التاسع عشر طرأت تحولات وأفكار جديدة على صعيد حقوق الإنسان في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ادت بمجملها إلى ظهور الاشتراكية وضرورة تحقيق بعض الامتيازات للطبقة الكادحة ونقل السلطة إلى أيدي الطبقة العاملة.
وفي مطلع القرن العشرين طرح لأول مرة بالغرب شعار «حقوق المرأة»، حتى اننا نجد انجلترا التي تُعدّ أقدم بلد ديمقراطي لم تقل بحقوق للمرأة متساوية مع الرجل إلاّ في مطلع هذا القرن. كما ان الولايات المتحدة ورغم اعترافها بحقوق الإنسان العامة عند اعلان استقلالها في القرن الثامن عشر، إلاّ انها لم تصادق على مساواة المرأة للرجل في الحقوق السياسية إلاّ في عام 1920م.
وفي أعقاب ذلك ظهرت فئات وحركات عديدة في القرن العشرين وفي أنحاء مختلفة من العالم أخذت تدعو بمجملها إلى أحداث تحول عميق في العلاقة بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والامتيازات. وهناك اعتقاد لدى هؤلاء بأن أي تحول وتغير في العلاقة بين الأمم والأجهزة الحاكمة، وبين الطبقة العاملة وأرباب العمل، هذا التحول لن يكون قادراً على استيعاب معنى العدالة الاجتماعية ما لم يطرأ تطور على العلاقة الحقوقية بين الرجل والمرأة. وقد اُشير إلى التساوى في الحقوق بين الرجل والمرأة لأول مرة في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن منظمة الأمم المتحدة عام
__________________________
1- نفس المصدر، ص12.
2- الميزان، ج2، ص265.
3- نظام حقوق المرأة في الإسلام مرتضى المطهري ص127.
1948م(1).
ولكن هل استطاع الفهم الغربي لحقوق الإنسان بشكل عام ولحقوق المرأة على وجه الخصوص ان يمنح المرأة حقوقها بشكل كامل ويتعامل مع المرأة بالشكل الصحيح بما يتناسب مع فطرتها وبنائها الطبيعي وبما يحفظ لها كرامتها وشرفها ويحافظ على ما اختار الله تعالى للها من دور على هذا الكوكب؟
ستتضح صورة الاجابة عن هذه التساؤلات في الموضوعات اللاّحقة، ولكننا نؤكد هنا حقيقة ان الفلسفة الغربية قد هبطت بالانسان ولم تأخذ بعين الاعتبار سوى الجزء المادي منه. أو بعبارة أصح انها أخذت تنظر إلى الإنسان بعين واحدة، بعين المادة فقط، وأخذت تتعامل معه تعاملاً مادياً صرفاً لاغيةً بذلك الجانب الأهم في حياة الإنسان وهو جانب الروح والمعنويات. ولهذا ترى بعض الفلسفات الغربية ان الإنسان ليس إلاّ آلة تحركها المصلحة الاقتصادية فحسب، وما الدين والأخلاق والعلم والأدب والفن إلاّ بناءات فوقية أساسها اسلوب الانتاج وتوزيع الثروة. في حين يرى آخرون ان الدافع الرئيسي وراء حركة الإنسان وكافة نشاطاته هي العوامل الجنسية، وما الأخلاق والدين وغيرهما إلاّ مظاهر لذلك العامل الجنسي(2).
وفي ظل مثل هذا الفهم المادي لحركة الحياة والالغاء الكامل للجانب المعنوي من حياة الإنسان ذلك الالغاء الذي يجعل من مفاهيم الخير والشر مفاهيم نسبية، فكيف نتوقع ان تكون حقوق الإنسان هناك على الصعيد العملي ـ رجلاً وامرأة ـ وهل من الممكن ان نجد انسجاماً بين حال الإنسان الواقعي واللاّئحة التي تتحدث عن حقوقه المشروعة؟
التفاوت بين الرجل والمرأة
ليس هناك من شك ان الكائنات بصورة عامة تتفاوت في استعداداتها وقابلياتها الطبيعية، وليس هناك شك أيضاً في ان كل استعداد طبيعي يقتضي حقاً طبيعياً. فابن الإنسان مثلاً له حق التعلم والذهاب إلى المدرسة، أما ابن الحيوان فليس له مثل هذا الحق لأن ابن الإنسان يتوفر لديه استعداد التعلم وقابلية الدراسة.
ولكن ماذا عن ابناء الإنسان نفسه؟ هل يختلفون من حيث الاستعداد الطبيعي؟ هناك رأي شبه متفق عليه يقول بان الناس يتشابهون جميعاً من حيث الاستعدادات الطبيعية، ولهذا فهم متساوون في الحقوق الطبيعية الأولى. فالكل لهم حق التعلم والعمل وممارسة مختلف النشاطات العلمية والأدبية والفنية وغيرها.
غير ان ذلك التساوي في الحقوق الطبيعية الأولى لا يستمر معهم إلى مالا نهاية.. فهؤلاء الناس سيكونون بالتدريج في وضع غير متساو من حيث الحقوق المكتسبة.. تتدخل في ذلك الظروف وجانب الذكاء والتحرك لدى كل انسان. ولو أردنا ان نساوي بين هذه الحقوق المكتسبة نكون قد ارتكبنا ظلماً فادحاً..
هذا على صعيد المجتمع.. اما على صعيد الأسرة فهل لأفراد الأسرة وضع متماثل من حيث الحقوق الطبيعية ومتفاوت من حيث الحقوق المكتسبة؟
هناك رأيان على هذا الصعيد(3):
الأول يقول، بان كون الفرد زوجاً أو زوجة، أباً أو ابناً، أماً أو بنتاً، لا يعطيه الحق في أن يكون له وضع خاص.. إنما المزايا المتكسبة هي التي تجعل من هذا رئيساً ومن ذاك مرؤوساً، وهذا مطيعاً وذاك مطاعاً، وهذا اجرته أكبر وذاك أقل. وتقوم فرضية المساواة في الحقوق على اساس هذه الفرضية.
__________________________
1- نفس المصدر، ص128.
2- نفس المصدر ص134.
3- نفس المصدر، ص144، 145.
الثاني لا يقول بذلك، ويذهب إلى أن الحقوق الطبيعية الأولى متفاوتة أيضاً على صعيد الأسرة. فالزوج قد أصبح زوجاً لأن هناك حقوقاً خاصة أوجبت ذلك. والزوجة قد أصبحت زوجة لأن وظائف وحقوقاً أخرى قد أوجبت ذلك. وينطبق هذا الأمر أيضاً على الاُم الأولاد. وتقوم الفرضية التي يتبناها الإسلام على هذا الأساس.
فنظراً للتفاوت بنى الرجل والمرأة من حيث النظام الجسمي والفسلجي والنفسي، فلابد ان يؤثر هذا التفاوت على تعيين حقوق وواجبات ووظائف كل منهما.. فلم تكن تلك الاختلافات عبثية بل قائمة على أساس وهدف.. ولابد ان يتناسب دور الرجل والمرأة في الحياة على أساس ما زود الله كلاً منهما من امكانات جسمية ونفسية.
وهناك شبه اجماع على ان الرجل بشكل عام أقوى من النساء في أغلب الأمور. وبمراجعة للتاريخ يظهر بوضح ان الرجل متفوق على المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والأدبية والصناعية وغيرها. ويعتقد بعض المفكرين وعلماء النفس ان ذلك أمر فطري وطبيعي لا يمكن تلافيه. ومن أدلتهم على هذا الصعيد قولهم: ما الذي حدث في بداية خلق الإنسان حتى أمسك الرجل بزمام الأمور منذ البداية وتفوق على المرأة؟ فلو لم يكن التفاوت الطبيعي قد أعطى الغلبة للرجل قبل ان يظهر الاختلاف في طابع تربية المرأة والرجل خلال الفترة التيك ان فيها للاثنين حرية العمل والظهور على الميدان الحياتي، فلماذا أصبحت رئاسة الأسرة والوظائف السياسية والاجتمايعة بيد الرجل؟ ولماذااطاعت المرأة الرجل منذ اليوم الأول وحينما كان الاثنان مجهزين بامكانات وتجيهزات متساوية وواجها بنفس الظروف والوسائل معركة التنازع على البقاء؟ والدليل الآخر الذي يورده هؤلاء هو ما نشاهده من تفوق وأرجحية للذكور في كافة الحيوانات.
وعلى العكس من ذلك، هناك فئة من الباحثين وعلماء الاجتماع تعتقد ان الرجل والمرأة شريكان في العناوين الاولى للانسانية، وليس هناك من تفاوت في كفاءة ونشاط هاتين الفئتين، وما يلاحظ من تفاوت انما هو مجرد نمط تربوي خاص استمر لقرون متمادية وطويلة. ولهذا نجد كلما حظيت الطبقة النسوية بالأهمية والاحتضان، كلما ارتفع مستوى قابلياتها وكفاءاتها على شتى الأصعدة.
وربما فات هؤلاء الباحثين ان الرجل والمرأة مخلوقان متفاوتان خُلق كل منهما لاداء عمل معين، ولم يخلق لهدف واحد. فالبناء الجسمي والعقلي، المادي والمعنوي لهاتين الفئتين والمهام اولوظـائف الموكلة لكل منهما تختلف عن بعضها اختلافاً كبيراً. فالمرأة قد خصها الله بخصائص معينة لأداء دور معين وتحقيق هدف معين، والرجل قد خصه الله بخصائص أخرى لاداء دور آخر.. ولا يمكن للحياة الإنسانيّة ان تستمر بدون هذين الدورين..
فالرجل والمرأة اشبه بجسم الإنسان الذي يتألف من عدة أعضاء يشترك كل منها في ضمان بقاء الحياة، وفي حالة اختلال اي منها ستختل الحياة أيضاً. فلا يمكننا مثلاً ان نقول ان القلب أهم من الدماغ أو ان الدماغ أهم من الكبد، او ان الكبد اهم من الرئة.. لأن عدم وجود أي عضو من هذه الأعضاء يعني موت الإنسان وتوقف عملياته الحيوية. ولهذا فلا يمكن ان نستصغر الدور الذي تقوم به المرأة أو ان نقول بأن دور الرجل أهم منها، أو ان نحاول زج المرأة في معتركات الحياة الخاصة بالرجل.. لأن دور المرأة يضاهي دور الرجل ومكمل له ولأن الحياة لا تستغني عن دور المرأة.
الرجل والمرأة تياران موجب وسالب يجتمعان معاً لايقاد شعلة الحياة. فلو كان كلاهما من سنخ واحد وعاطفة واحدة وميزان وخصائص واحدة، لما كان بمقدور أي منهما ان يعيش إلى جانب الآخر ولعجز كلاهما عن أداء ما ينتظرهما من مهام اجتماعية وانسانية.
ولا نتصور ان هناك من يدعي ان المرأة أقوى من الرجل وان عليها ان تلتزم بواجبات ومهام أكبر من الرجل وان تواجه مشاكل أكثر.. لكن اولئك القائلين بأن على المرأة ان تشارك الرجل مهماته وواجباته الثقيلة وتناطح المشاكل الحياتية مثله.. هؤلاء يفترضون من حيث لا يدرون ـ ان المرأة أقوى من الرجل لأن هذه الأعمال ستُضاف إلى الأعمال الأخرى التي لا يمكن للرجل ان يؤديها وأملتها عليها طبيعة خلقها كالحمل والولادة والارضاع وتربية الطفل(1).
ولا شك ان التفاوت بين الرجل والمرأة لا يقتصر على الجهاز التناسلي فحسب وان كان هذا التفاوت ليس بالقليل أبداً لأنه يضع كلاً من الرجل والمرأة امام مجموعة من الوظائف التخصصية التي لا يمكن لأحدهما أن ينوب عن الثاني في أدائها وما ينعكس عن تلك الوظائف من التزامات لا يمكن أيضاً التنصل عنها. و قد قام البروفسور الأمريكي الشهير (ريك) ببحث طويل دام عدة سنوات على صعيد نفسية الرجل والمرأة، ومما جاء فيه:
«ان عالم الرجل يختلف تماماً عن عالم المرأة، فاذا لم تستطع المرأة ان تفكر أو تعمل كما يفكر الرجل ويعمل فلأنّ عالمها يختلف عن عالمه... انهما مثل كوكبين يتحركان في مدارين مختلفين وبامكان كل منهما ان يفهم الآخر ويكمل الآخر، لكن ليس باستطاعتهما ان يكونا شخصاً واحداً.... انّه لمتعب للرجل ان يكون دائماً إلى جانب المرأة التي يحبها، لكن ليست هناك لذة أعظم لدى المرأة من أن يكون الرجل الذي تحبه إلى جانبها دائماً... الرجل يحب ان يظل دائماً على حالته التي هو عليها أما المرأة فتحب ان تكون موجوداً جديداً وتنهض كل صباح بمظهر جديد.. أفضل عبارة يمكن ان يقولها الرجل للمرأة: عزيزتي أني احبك، وأجمل عبارة يمكن ان تقولها المرأة للرجل: اني افتخر بك... السعادة من وجهة نظر الرجل الحصول على مقام وشخصية محترمة في المجتمع، والسعادة عن المرأة الحصول على قلب الرجل والاحتفاظ به طوال عمرها»(2).
وهنا يجب ان نؤكد على حقيقة مهمة وهي انّه ورغم الاختلافات الفسلجية والنفسية القائمة بين الرجل والمرأة، فهي لا تعني ـ كما أشرنا ـ ان المرأة أقل شأنا من الرجل أو ان الرجل أرفع شأناً من المرأة. لقد أراد الله تعالى من هذه الاختلافات تقوية آصرة المحبة والانسجام بينهما، كما اراد منها تقسيم وظائف ومسؤوليات الاسرة بين الجانبين لا أن تكون حكراً على أحدهما..
«فالمرأة تزاول من الأعمال ما تمتلك من مؤهلاتها وامكانياتها، والرجل كذلك يزاول منها ما يمتلك من مؤهلاتها وامكانياتها. وهذا التنوع في الأدوار أمر طبيعي وضروري لا يقتصر على الجانب التشريعي، بل يتعداه إلى التكويني في جميع مرافق الكون ومفاصل المادة. فعالم الكثرة والتعدد يقتضي تعدد وتنوع الحاجيات... وفي هذا التنوع من الحاجيات يتطلب تنوعاً في الأدوار... وبالتالي كان لابدّ لكل انسان من مؤهلات تكوينية تجعله مستعداً لأداء الدور الذي أوكل إليه وفي هذا تعاون واجتماع البشر لأنه وإن كان كل ما في عالم الكثرة تعدداً وكثرة تكويناً وتشريعاً، لكن الله عز وجل أراد ان يوحي بالكثرة الي الوحدة وان يشير بالتعدد إلى الأحدية»(3).
لكننا وللأسف نشاهد هناك اتجاهين غير سليمين أو موقفين خاطئين حيال المرأة:
الاتجاه الأول يصر على ان التفاوت بين المرأة والرجل في القابليات والاستعدادات الجسمية والنفسية إنما يعد نقصاً للمرأة وكمالاً للرجل. في حين يرى الإسلام انّ هذا التفاوت بين الرجل والمرأة قائم على التناسب مع الأدوار وليس نقصاً للمرأة ولا كمالاً للرجل. وقد تطرقنا إلى هذه النقطة بالتفصيل.
والاتجاه الآخر يتمثل في تجريد المرأة من خصائصها الإنسانيّة والغاء دورها الأساسي الذي يتناسب مع تكوينها تحت شعار حقوق المرأة والمساواة، في محاولة صادقة أم كاذبة لانقاذ المرأة مما لحقها من ظلم، لكن هذه الحركة «لما أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى واطلقت للمرأة العنان ونسيت انها انسان خُلقت لانسان، ونفس
__________________________
1- حقوق المرأة في الإسلام وأوربا، حسن الصدر، ص215 ـ 267.
2- نظام حقوق المرأة في الإسلام ص165 ـ 166.
3- المرأة في العرفان، جوادي آملي، ص10 ـ 11.
خُلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر، وإنهما ليسا فردين متماثلين، وإنما هما زوجان متكاملان»(1).
المساواة في الحقوق
لا زال الحديث عن المساواة بين المرأة والرجل حديثاً ساخناً حتى يومنا هذا، ولازال أيضاً هذا الشعار المطروح من قبل الدول الغربية بالدرجة الأولى بعيداً كل البعد عن التطبيق في هذه المجتمعات، لأن المرأة في الغرب لم تساو الرجل، بل فقدت جزءاً كبيراً من شخصيتها كانسانة وامرأة وأم. فالغرب عندما أراد للمرأة ان تخلع عنها لباس الانوثة وترتدي زي الرجولة يكون قد وجه ضربة كبرى إليها لأنه قد أخرجها من مسارها الذي رسمته الفطرة لها وأقحمها في مسار يتعارض كلياً معها.. وهذا هو الظلم بعينه.
وتعود بدايات الحديث عن المساواة وحرية المرأة إلى الثورة الصناعية التي حدثت في الغرب، وظهور الحاجة إلى الأيدي العاملة الرخيصة.. فوقعت عيون أرباب العمل على النساء، فأخذوا يفضلونهن على الرجل الأغلى ثمناً، وقد اصبح من العسير في تلك الفترة على الرجل ان يجد عملاً، بينما كانت أبواب العمل مفتوحة بوجه المرأة. غير ان الرجل كان يتردد كثيراً في ارسال امرأته أو ابنته إلى العمل.. فراح ارباب العمل وأبواقهم الاعلامية تتحدث عن حرية المرأة ومساواتها مع الرجل في محاولة لاقناعها بالخروج إلى العمل.
وتحرك أصحاب المعامل والشركات في بريطانيا باتجاه مجلس العموم فساعدوا على وضع قانون في عام 1882 حصلت بموجبه المرأة على بعض الامتيازات مثل حقها في الاحتفاظ بالمال الذي تحصل عليه.. والهدف من وراء ذلك استقطاب النساء نحو المصانع.. فتم تحريرها من قيود البيت لكن تقيد بقيود المصنع!
أما الذي ساعد المرأة الأوربية في اعلان ثورتها على البيت وعلى كل ما يحاول ربطها به وبنظام الأسرة فكان التاريخ المرير الذي عاشته والظلم الذي عانت منه في ظل قوانين واعراف وطقوس جائرة لم تكن لتعترف لها بأدنى الحقوق.
ان حركة حقوق المرأة في الغرب ورغم انها قد أزاحت عن كاهل المرأة سلسلة من المآسي والويلات، لكنها طوقتها بسلسلة جديدة من الخطوب انعكست على الرجل وعلى المجتمع باسره.
صحيح ان الحرية والمساواة حق طبيعي للمرأة بصفتها انسان، غير ان المرأة انسان ذو طبيعة خاصة مثلما ان الرجل انسان ذو طبيعة خاصة. فالرجل والمرأة متساويان في الإنسانيّة لكنهما نوعان من الإنسان بنوعين من الخصال، ونوعين من الخصائص النفسية. وهذا التفاونت ـ وكما أشرنا من قبل ـ لم يكن ناجماً عن عوامل جغرافية أو تاريخية أو اجتماعية، بل هو جزء من نظام الخلق وليس نظاماً تصادفياً أو عشوائياً. أي ان هناك رسالة خاصة لكل من الرجل والمرأة لا يمكن أن يؤديها الرجل إلاّ كرجل، ولا يمكن ان تؤديها المرأة إلاّ كمرأة. وقد غفلت حركة حقوق المرأة وحركة المساواة بين الرجل والمرأة في الغرب عن هذه النقطة وما يتشعب عنها من استحقاقات وضرورات.
المرأة تشترك مع الرجل في الإنسانيّة وتساويه على هذا الصعيد، لكنها امرأة أيضاً ولا يمكن باي حال من الأحوال تغافل هذا الجانب المهم.. فالحديث في الغرب عن كون المرأة انساناً قد أدى إلى نسيان انها مرأة أيضاً، وهذا ما ادى إلى الحاق الظلم بهذا الكائن العظيم وتعطيل دوره الرائد في الحياة. وهذا التجاهل لا يمكن رده فقط إلى غفلة فلسفية ناجمة عن التسرع او ضيق الرؤية، بل أيضا إلى ما أشرنا إليه سابقاً من محاولة لاستغلال هذا الكائن البرىء لحساب الجشعين والرأسماليين، وهذا ما أكد عليه دورانت في «لذائذ الفلسفة» بقوله «كانت حرية المرأة من افرازات الثورة الصناعية». كما لم تغفل السياسة أيضاً عن استخدام عامل المرأة وجعلها وسيلة لتحقيق أهدافها تحت غطاء المساواة والحرية. فيكون القرن
__________________________
1- في ظلال القرآن، سيد قطب، مجلد2، ص263.
العشرين قد طوق المرأة باغلال جديدة ناجمة عن الشطب على حقيقة ان المرأة لها خصائصها واستعداداتها ورسالتها الخاصة في الحياة، مثلما كانت الاغلال القديمة ناجمة عن التفكير الذي لا يقر للمرأة انسانيتها واعتبارها مخلوقاً أقل شأنا من الرجل.
والتغافل عن انوثة المرأة ووضعها الطبيعي والفطري قد ساعد إلى حد كبير على ضياع حقوقها وطمس معالم شخصيتها والغاء دورها الذي لا يقل في اهميته عن دور الرجل، إن لم يتفوق عليه، بل ان هذا التغافل قد ألقى على كاهل المرأة أعباءً جديدة أخرى تضاف إلى مالديها من أعمال أولاً وتتناسب مع النظام الخلقي الذي جبلت عليه ثانياً وهو ما يُعدّ ظلماً مضاعفاً، لأن المرأة مخلوقة ومهيأة جسمياً ونفسياً لأداء نوع خاص من الأعمال وأداء شكل معين من الممارسات.. اما ان تأتي لتؤدي أعمال الرجل الشاقة اضافة إلى أعمالها الخاصة بها، فماذا يمكن ان نصف مثل هذا الموقف من المرأة؟ فهل تكون قد ساوت الرجل؟ وهل تعني المساواة ان تمارس أعمال الرجل اضافة إلى أعمالها.. وإذا لم تفعل ذلك فلا ينطبق عليها مفهوم المساواة؟
أما الإسلام فقد ساوى بين الرجل والمرأة في كافة الحقوق آخذاً بنظر الاعتبار طبيعة كل منهما.. فقد أقر لها حقوقها الطبيعية كافة مثلما أقر للرجل حقوقه الطبيعية كافة، وهذا ما يعبر اروع التعبير عن المساواة التي يراها الإسلام.. المساواة القائمة على العدالة في النظرة إلى الجانبين والتعامل معهما. فالاسلام لم ينظر إلى الرجل على انّه كائن كامل ولا إلى المرأة على انها كائن ناقص كما يحاول البعض ان يصور ذلك. فالخالق تعالى لم يخلق واحداً كاملاً وآخر ناقصاً، بل خلق الاثنين معاً فردين مزوّدين بكل ما من شأنه ان يصل بهما إلى الكمال النسبي، وذلك عبر الاستخدام الصحيح الواعي لعناصر الاستعداد التي اودعها سبحانه في كل منهما.
فالمساواة الإسلامية بين المرأة والرجل اذن قائمة على أساس المماشاة مع الفطرة والانقياد لنظام الخلق، ولهذا لم يلغ انوثة المرأة ولا رجولة الرجل باسم المساواة والحرية. فقد نظر اليها وتعامل معها كما هما في الطبيعة. ومن هذا نلاحظ الانسجام الكامل بين الصورة التي يرسمها القرآن للمرأة وبين صورة المرأة في الطبيعة. وبعبارة أخرى ان المرأة في القرآن هي نفسها المرأة في الطبيعة.
وهنا لابد من الاشارة إلى قضية مهمة وهي ان الغرب حينما يطرح المساواة بين المرأة والرجل لا يريد بهما المساواة وإنما يريد بها «التشبه»، والتشابه أمر غير ممكن لانه يتعارض مع نظام التكوين والفطرة. فالغرب يسعى ان تكون القوانين والحقوق والوظائف والتكاليف واحة للرجل والمرأة غير آخذ بنظر الاعتبار الاختلافات الغريزة والعضوية والنفسية بين المخلوقين(1).
الإسلام لا يعارض المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، لكنه يعارض «التشابه». وهذا نابع من الأهمية الكبيرة التي يوليها الإسلام لعملية التوازن في المجتمع، هذه العملية التي لا يمكن الحفاظ عليها إلاّ من خلال الحفاظ على الاستعدادات الطبيعية لدى كل من الرجل والمرأة، واستخدامها ضمن الاطار المتلائم معها. أما عند الاستخدام المحرف لهذه الاستعدادات وعند زجها في عملية لا تتناسب معها، فعندئذ سينعكس ذلك الاستخدام المحرف على أوضاع المجتمع ليظهر على شكل اصطدام القوى والامكانات ببعضها، الأمر الذي لابد وان يؤدي إلى خروج المجتمع الإنساني عن مساره الطبيعي وانزلاقه إلى منزلقات لا يحمد عقباها مثلما هو حادث اليوم في المجتمعات الغربية.
فالمجتمع الإنساني لا يمكن ان تستقيم أموره بفقدان أي من الدورين الرجالي والنسائي.. لأن المجتمع والحياة بشكل عام بحاجة إلى الدورين معاً وفي آن واحد. فأي فاجعة ستلحق بذلك المجتمع لو اُريد للمرأة أن تؤدي دور الرجل
__________________________
1- راجع نظام حقوق المرأة، ص 7 ـ 4.
وتشابهه في كافة المعايير؟ فعندئذ سيبقى دور المرأة فارغاً، مما يعني حدوث خلل كبير في عملية التوازن الاجتماعي، الأمر الذي ينذر بوقوع فاجعة انسانية.
فالاسلام اذن لم يفضل في يوم ما الرجل على المرأة ولا المرأة على الرجل، بل ينظر إلى هذين العنصرين نظرة واحدة لا انحياز فيها لطرف ولا تفضيل لأحد على الآخرين، بل ساوى بين الاثنين في كافة الحقوق الإنسانيّة ولم يفرق بينهما حتى في المسائل الاخروية كالجزاء والحساب والثواب والعقاب فنشاهد القرآن الكريم يقول بصراحة:
(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً)(1).
(ومن عمل صالحاً من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب)(2).
وغيرهما من الآيات القرآنية التي تقرن المرأة بالرجل في عمل الصالحات واستحقاق المثوبة وتسجيل الأعمال. وهل هناك نظرة للمرأة أسمى من هذه وموقف حيال المرأة أروع من هذا الموقف الذي لا يفرق بينهما وبين الرجل في القرب من الله تعالى والحصول على نعمائه ورضوانه؟ وهل هناك مبدأ آخر غير الإسلام يرفع من شأن المرأة إلى هذه الدرجة ويضفي عليها هذه القدسية ويقربها من منابع الفيض الإلهي؟ فأي فرق بين الرجل والمرأة اذن من وجهة النظر الإسلامية؟ لا فرق بينهما مطلقاً.. فبامكان أي منهما أن يسمو ويرتفع بعمله عبر الطريق إلى الله تعالى، وبامكان المرأة أن تسبق الرجل وتجتازه مادام الشرط الوحيد هو العمل الصالح والسلوك الحسن لا فرق في ذلك بين أن يكون السالك رجلاً أم امرأة.
وقد صرح القرآن الكريم ان أساس التفاضل بين الناس هو «التقوى».. التقوى ولا غير، سواء كانت تلك التقوى صادرة عن رجل أو انثى، مادام كل منهما يشترك في تكوينه ذكر واُنثى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(3).
«فجعل تعالى كل انسان مأخوذاً مؤلفاً من انسانين ذكر وانثى هما معاً وبنسبة واحدة مادة كونه ووجوده، وهو سواء كان ذكراً أو انثى مجموع المادة المأخوذة منهما... بل جعل تعالى كلاً مخلوقاً مؤلفاً من كل. فعاد الكل أمثالاً، ولا بيان أتم ولا أبلغ من هذا البيان، ثمّ جعل الفضل في التقوى»(4).
لقد أورد القرآن الكريم إلى جانب كل عظيم وقديس عظيمة وقديسة من نساء آدم وإبراهيم إلى أمهات موسى وعيسى. وإذا كان قد أشار إلى امرأتي نوح ولوط كشخصيتين منحرفتين، فقد أشار إلى امرأة فرعون كشخصية قويمة صالحة، وكأنما أراد القرآن أن يحفظ التوازن بين الرجل والمرأة حتى في قصصه وآياته(5).
وجسّد الرسول الأكرم(ص) الموقف الاسلامي في التعامل مع المرأة أروع تجسيد عندما قال: «خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم النساء إلاّ كريم ولا أهانهن إلاّ لئيم»(6). وفي حديث آخر: «خيركم، خيركم لنسائه ولبناته»(7)كما قال (ص): «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر اليها سرته، وإن أقسم عليها ابشرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله»(8).
__________________________
1- سورة النساء /124.
2- سورة غافر/40.
3- سورة الحجرات /13.
4- الميزان، ج2، ص269 ـ 270.
5- نظام حقوق المرأة، ص117.
6- نهج الفصاحة، الحديث رقم 1520.
7- نفس المصدر، الحديث رقم 1522.
8- نفس المصدر، الحديث رقم 2615.
وتعبر عن مقام المرأة الآية القرآنية القائلة: (ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)(1).
فهذه الآية الكريمة تعتبر المرأة من الرجل.. من نفسه وليست غريبة عليه... فهي من سنخه وهو من سنخها.. وجعلها سبحانه سكناً واطمئناناً للرجل تربطها به رابطة المودة والرحمة، لا رابطة التسلّط أو الاستضعاف. فالعلاقة بين الرجل والمرأة من وجهة نظر الإسلام إذن علاقة حب وعطف وحنان. ولا يتولد هذا الحب ما لم يكن هناك احترام متبادل وثقة متبادلة. فكل من الرجل والمرأة اذن «يشكل وحدة كاملة متآلفة يتمم بعضها بعضاً في انسجام عجيب وتوافق غريب، فلا يستطيع الرجل الحياة بدون المرأة، ولا تستطيع المرأة ان تعيش بدون الرجل، فكل منهما خلق للآخر، وكل واحد منهما اُعطي من الكفاءات والمؤهلات بحيث يقوم بجانب معين من الحياة لتتم مسيرة الحياة على نظام التكامل والمحبة والتعاون»(2).
فالاسلام ضد الرأي القائل: ان المرأة خُلقت للرجل»، فهو قول فيه اضاعة لشخصية المرأة وكيانها، بل يقول ان كلاً منهما قد خُلق للآخر، تصرح بذلك الآية القرآنية: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)(3).
ونلاحظ في تاريخ الإسلام نماذج نسوية رائعة ذات شأن في الإسلام والتاريخ الاسلامي واكتسبت هذا الشأن وتلك المنزلة الرفيعة بفضل الإسلام وتعاليمه السامية، حتى وصل الأمر بالمرأة إلى أن تكون راوية للحديث النبوي الشريف وهو مقام يعز على كثير من الرجال. فنجد من بين هؤلاء النسوة من روى عن الرسول(ص) كفاطمة بنت الرسول(ص) وأم سلمة، وعائشة زوجتي الرسول(ص) وأم أيمن، وزينب العطارة، وأم هاني بنت أبي طالب، وصفية بنت عبد المطلب. ومنهن من روى عن الإمام علي(ع) كحبابة الوالبية ونضرة الازدية. ومنهن من روى عن الإمام الصادق(ع) كأم فروة، وأم بكر السلمي وكلثوم بنت يوسف، وأم سعد الأهمصية، وأم البدا وسلمة مولاة أبي عبد الله.
فالاسلام لم يكن ضد المرأة في يوم من الايام ولا سبباً من أسباب تخلفها كما تبوق الأبواق المأجورة، وإذا كان هناك ظلم لحق بالمرأة ـ وهو لا يصل إلى الظلم الذي لحقها في المجتمعات الغربية ـ فليس سببه الإسلام بل المجتمع الاسلامي المتخلف عن حركة الإسلام وكذلك الحكومات التي تحكم العالم الاسلامي دون ان ترجع في حكها إلى الإسلام.
الزواج وأهميّته
لما كانت قوانين الإسلام مصاغة على أساس الفطرة وحاجاتها، وتلبية حقيقة لذلك الصوت المنبعث من الفطرة، كان الزواج أيضاً قائماً على هذا الأساس الفطري.. فهو في الحقيقة استجابة صحيحة ومهذّبة للنزعة الجنسية المودعة في فطرة الإنسان فالحاجات الفطرية في الواقع يجب ان تُلبّى، لكن شريطة ان تكون تلك التلبية وفق المقدار المعقول المتزن وضمن الاطار المعقول المتزن أيضاً بحيث لا يلحق الضرر لا بالفرد ولا بالمجتمع، ولا يسيء إلى عملية التوازن الاجتماعي.
فالحاجة الفطرية عادة إذا لم يُستجاب لها، فلابد ان تعبر عن نفسها بشكل خطير ومرعب أشبه بالسيل المدمر الذي يأتي على كل شيء ويقتلع كل شيء.. كما انها إذا لم تُهذّب وتُقنّن فستلحق من الاضرار بالمجتمع الإنساني مالا يُحمد عُقباها وعلى كافة الأصعدة.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة فقد انبرى الإسلام لتنظيم الحاجات الفطرية وتوجيهها الوجهة الصحيحة عبر سلسلة من القوانين والأصول التي تسمح باشباع تلك الجاجات من جهة وتنظيمها وقولبتها بالشكل الذي لا تشكل فيه خطراً على
__________________________
1- سورة الروم/21.
2- طابع الزوجية في المخلوقات، المنطلق، العدد4، 1399.
3- سورة البقرة /187.
المجتمع والحياة الاجتماعية من جهة أخرى. وبعبارة ان الإسلام قد قام بعملية تهذيب لغرائز ـ ومنها الجنسية ـ وتوجيهها بالصورة التي تعمل على اصلاح المجتمع واسعاده لا تدميره.
وبناءً على ذلك فقد شجع الإسلام الزواج بشكل لا نجد أي نظير له في أي عقيدة أخرى متوخياً من ذلك اشباع الغريزة الجنسية وصيانة المجتمع وديمومة النوع الإنساني بالاسلوب النقي المهذّب السليم. فالزواج من وجهة النظر الإسلامية وسيلة لا هدف، وسيلة لانشاء مجتمعات صالحة نافعة خيرة.
فالزواج لا يعني وفق الرؤية الإسلامية اشباع الغريزة الجنسية فحسب، بل هو ـ وان تضمن ذلك ـ رابطة روحية وجسمية بين الرجل والمرأة «تنبع من الشعور العميق بالحاجة إلى أن يكمل الإنسان ـ رجلاً وامرأة ـ ذاته من خلال ارتباطه بالجنس الآخر، انطلاقاً من الفطرة التي فطر الله الناس عليها الكامنة في تكوينه الإنساني، الذي تختلط فيه الحاجة الروحية إلى الزوجية بالحاجة الجسدية إلى ارواء الرغبة في اطار روحي حميم»(1).
واروع تعبير قرآني عن الرابطة الزوجية المقدسة قوله تعالى: (ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة).
فالعلاقة الزوجية وفق هذه الآية الكريمة ليست علاقة شهوة عابرة، ولا علاقة تقوم على مصلحة مادية، ولا علاقة فيزيائية تزول بزوال المؤثر، بل علاقة حميمة ممتدة بامتداد العمر تقوم على المودة والرحمة والحب والتآلف.. ولابد ان يترك الشعور بهذا النوع من العلاقة تأثيره الكبير الواضح على نفسية الزوجين وطبيعة السلوك المشترك.
فالحياة الزوجية وفق النظرة الإسلامية لا توفر الراحة الجسمية فحسب، بل توفر أيضاً هدوء الروح وصفاء الفكر، وتحول دون هدر الطاقة وضياع الوقت وتمرد الغريزة. وهذا ما يُعدّ بدوره أساساً وأرضية صالحة لنمو عناصر الخير في النفس الإنسانيّة وتبلور السجايا الحميدة، فضلاً عن تفجير الطاقات العلمية والعملية لدى الإنسان ودفعه باتجاه العمل الصالح وإعمار الأرض واداء دوره كانسان على أفضل وجه.
وما اروع ما استشعره العلامة فضل الله من هذه الآية الكريمة حينما قال: «قد نستشعر من الآية الكريمة في تأكيدها على السكن والمودة والرحمة كطابع الحياة الزوجية في مفهوم الإسلام، نوعية الأجواء التي يريد للزوجين أن يعيشها في ظل حياتهما الجديدة. فليست هي الأجواء التي يحقق فيها كل واحد منهما مصالحه الذاتية، أو اطماعه الخاصة لدى الآخر، وليست هي الأجواء التي تتحفز فيها الشهوة الغريزية المجردة لتكون الأساس المتين لبناء هذه الحياة، بل هي الأجواء التي تؤكد الإنسانيّة فيها ذاتها عندما تنطلق العلاقة من منطلق انساني رحيب صاف يشعر فيه كل طرف بأنه مشدود إلى طرفه الآخر برباط المودة والمحبة، الأمر الذي يجعل كلاً منهما باحثاً عما لدى الآخر من أسس المحبة الدائمة المرتكزة على التأمل والتفكر لئلا تكون مجرد عاطفة طارئة لا تلبث ان تتضاءل او تذوب أمام حالات الرغبة المضادة.
واذا استطاعا ان يعيشا هذا الشعور العقلاني بالمحبة والمودة، فستخضع حياتهما المشتركة للعفوية والعطاء والسماح في كل ما يجد فيها من متاعب ومشاكل وآلام.
ثم نجد في كلمة الرحمة ايحاءاً جديداً بطبيعة العلاقة الزوجية من جانب آخر، وهو الجانب الذي يتصل بالفهم الواعي المسؤول لدى كل منهما عن الآخر من خلال ظروفه العائلية والنفسية والاجتماعية. فاذا عاش كل منهما ظروف الآخر أمكنه ان يتعامل معه على أساس تقديره لتلك الظروف ويتعايش معه من خلال محاولة الانسجام ـ مهما أمكن ـ مع الأجواء التي تفرضها، والمشاعر التي تخلقها داخل النفس، فيبتعدان في هذه الأجواء عن الأنانيات الذاتية التي تحطم الحياة الزوجية عندما يندفع كل منهما ليفكر بنفسه بعيداً عن مصلحة رفيقه، فيبدأ بالبحث عن أفضل السبل لاستغلال هذه
__________________________
1- على طريق الأسرة المسلمة، محمد حسين فضل الله، ص7.
العلاقة لمصالحه ومزاجه وأطماعه. وتأتي الرحمة لتبدل كل هذه المشاعر والوسائل فيتجه التفكير من جديد إلى أن هناك حياة مرتبطة بحياته، وان لهذه الحياة ظروفاً تختلف عن ظروف حياته، وأن للانسان الآخر الذي يعيش معه، أجواء فكرية وروحية ونفسية تختلف عن أجوائه فيما عاشه من بيئة مختلفة عن بيئته واسلوب في التربية مختلف عن اسلوب تربتيه، وتأثيرات عاطفية وفكرية متنوعة لا تتفق مع التاثيرات التي شاركت في تكوين شخصيته، فيعمل على مراقبة ذلك كله عندما يتعامل مع الكلمة التي ينطقها، أو الحركة التي يطلقها، أو العمل الذي يقوم به، الأمر الذي يجسد الرحمة بالممارسة بدلاً من تجسيدها بالشعور الطيب الساذج فيرحم كل منهما آلام الآخر واحلامه وتطلعاته من خلال تأثيرها في حياته... وبذلك تتحول الحياة الزوجية إلى سكن يسكن إليه كل منهما في حياته الداخلية والخارجية حيث يعيشان الهدوء الروحي والعقلي بعيداً عن المشاحنات والمنازعات التي تشوه جمالها وتسيء إلى طبيعتها الرحبة»(1).
وهناك آية قرآنية أخرى تؤكد على خلق الذكر والأنثى من نفس واحدة، وعلى حالة «السكن» التي يستشعرها الرجل عند المرأة، والراحة الحقيقية التي يجدها بين يدي هذا المخلوق العظيم، هذه الآية هي: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)(2).
ويعلّق الشهيد سيد قطب على هذه الآية: «فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها وان اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى، وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجته ويستريح اليها، وهذه هي نظرة الإسلام لحقيقة الإنسان ووظيفته الزوجية في تكوينه. وهي نظرة كاملة وصادقة جاء بها هذا الدين منذ أربعة عشر قرناً يوم كانت الديانات المحرفة أصل البلاء الإنساني. والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والانس والاستقرار ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب، وينتج فيه المحصول البشري الثمين، ويؤهل فيه الجيل الناشىء لحمل تراث التمدن البشري والاضافة إليه. ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة. كما انّه لم يجعله شقاقاً ونزاعاً وتعارضاً بين الاختصاصات والوظائف أو تكراراً لها كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث»(3).
ومن هذا نفهم لماذا حث الإسلام على الزواج وشجع عليه، بل جعله في مقدمة القضايا التي اهتم بها. حتى ان الرسول (ص) قد اعتبره في أحاديث عديدة سنته وعد التارك لهذه السنة ليس منه. كما ورد عنه(ص) أيضاً: «من تزوج أحرز نصف دينه»(4).
«ركعتان يصليهما متزوج أفضل من رجل اعزب يقوم ليله ويصوم نهاره»(5).
كما ان الإمام محمد الباقر(ع): «ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله عز وجل من التزويج»(6).
ليس هذا فحسب، بل اعتبر الرسول(ص) حب المرأة من أخلاق الأنبياء(7)، وذلك للحث على الزواج ولتبيان أهمية المرأة بالنسبة للرجل والعلاقة التي يجب ان تربطه بها.. أي ان تكون تلك العلاقة قائمة على الحب الذي هو أقوى الأسس التي يمكن ان تقوم عليها علاقة.
هذا على العكس من موقف الكنيسة حيال الزواج. فبنفس الحجم الذي يوليه الإسلام للزواج ويشجع عليه وعلى تشكيل الأسرة، تعقد الكنيسة أمر الزواج وتنظر إليه نظرة تشاؤم وقرف. فالأساقفة والرهبان يحرمون الزواج على
__________________________
1- نفس المصدر، ص9 ـ 10.
2- الأعراف /189.
3- في ظلال القرآن، مجلد 3، ص700.
4- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج14، باب 1، حديث11.
5- نفس المصدر، ج14، باب 2، حديث2.
6- نفس لمصدر، ج14، باب 1، حديث4.
7- نفس المصدر، ج14، باب 3، حديث2.
انفسهم ويعدون العزبة فضيلة وتقرباً إلى الله تعالى. وطبيعي ان نمط تفكير الكنيسة الكاثوليكية الخاطىء حول الزواج كان ذا تأثير كبير على إشاعة الفاحشة والمفاسد الناجمة عن جموح الغريزة الجنسية في العالم المسيحي «فالغريزة الجنسية مثل سائر الغرائز لابد لها وان تأخذ مجراها وطريقها لا ان تُكبت وتُطوّق. فلو وضع في طريقها الموانع والعراقيل ولم تشبع بالحد الطبيعي الصحيح فستظهر على شكل انحرافات جنسية هي مصدر كلثير من الفساد والانهيارات الاجتماعية»(1).
فالابحاية الغربية والتحلل الخلقي الراهن ردة فعل طائشة وخاطئة على ممارسات الكنيسة ومواقفها غير المشجعة على الزواج ومطالبتها الناس بالتريض والرهبنة. وبعبارة اُخرى تعد الكنيسة مسؤولة عن جزء من الانحرافات الجنسية وعن كثير من الويلات الاجتماعية التي يعاني منها العالم الغربي.
الاُسرة والاُمومة
الاُسرة من المنظار الاسلامي الخلية الاُولى والأهم في البناء الاجتماعي، والأساس الذي يصلح بصلاحه المجتمع ويفسد بفساده.. فهي أول مدرسة يضع الطفل فيها اقدامه، مدرسة الأمن والهدوء والقيم.. المدرسة التي ينمو فيها جسم الطفل وروحه أيضاً.. تلك الروح التي تحتاج في نموها إلى جو الأسرة.. ويعجز أي جو آخر عن توفير فرصة نمو سالم صحيح للطفل.. فالاُسرة أول محيط تنمو فيه قابلياته واستعداده، وتتبلور فيه كفاءاته وابداعاته.
الاسرة إذا كانت صالحة وسليمة عكست صلاحها وسلامتها على أفرادها، ووفرت لهم المحيط المناسب لترعرع السجايا الخلقية الفاضلة والخصال الحميدة، وخلقت منهم رجالاً للغد، قادرين على العطاء وأداء الدور الإنساني على أحسن وجه.
ولا ننس دور الاُم في الأسرة، فهي نواة الاُسرة، والعنصر الذي يتحكم في صلاح الاُسرة وفسادها.. فلو فسدت الاُم فسدت الأسرة ولو صلحت صلحت الأسرة أيضاً. وهنا يتجلى دور المرأة كاُم.. ذلك الدور المشرف الرائد الذي يعتمد عليه صلاح المجتمع والإنسانيّة بأسرها. ولهذا حظيت الاُم في الإسلام بمكانة رفيعة جداً ومنزلة عظيمة لا ترقى اليها منزلة «وحظيت الاُم بالاهتمام على اعتبار الدور الذي تؤدّيه في الأسرة والمتمثّل في إعداد الأطفال وتربيته. والاُم بدون اداء واجبات الاُم لا يمكن ان تستحق أي اهتمام بل وتؤاخد على تقصيرها في وظيفتها التربوية»(2).
وليس الدور التربوي الذي تؤدّيه الاُم بالشيء السهل أو بالأمر العادي، بل في غاية الصعوبة. والاُم بحاجة إلى كيان الأسرة أولاً، والى الأخلاق الحسنة والسلوك القويم، والعاطفة والحنان، فضلاً عن الوقت الكافي كي تتمكن من اداء هذا الدور على أحسن وجه وأجمل صورة.. لهذا لا يمكن لأي جهة أخرى ـ مهما تفرغت ـ ان تقوم بمهمة الام، لأن الاُم معدة اعداداً خاصاً جسمياً ونفسياً لهذه المهمة، وتمتلك من المواهب الطبيعية والامكانات الذاتية القادرة على بناء الإنسان وتخريجه انساناً نافعاً لمجتمعه. بل تعجز حتى الاُم أحياناً عن أداء تلك المهمة عندما لا تكون بمستوى تحمل المسؤولية ولا تتفاعل مع هذا الدور تفاعلاً حقيقياً. «وتشير الدراسات والمطالعات بين النوابغ والعلماء والمفكرين في العالم ان هؤلاء إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بفضل التربية الصحيحة والجهود المثابرة التي بذلتها أمهاتهم»(3).
ومن هنا تتجلى قيمة الأسرة وقيمة الاُم باعتبارها مركز الحركة في الاسرة «في هذا الجو الذي تتيحه للطفل في الارتواء العاطفي الذي يوحي له بالمحبة والحنان ويجعله موضع الاهتمام والرعاية المباشرة من الأبوين مما لا تتيحه له المحاضن الكبيرة التي تتحول الحاضنات فيها إلى موظفات يمارس المهمة بعقلية المهنة، لا بروحية الرسالة مما يفسح المجال
__________________________
1- حقوق الأسرة في الإسلام حسين الحقاني، ص42.
2- نفس المصدر، ص255.
3- نفس المصدر، ص255.
للمزيد من الجفاف الرومي والاهمال التربوي»(1).
وما من شك ان دور الاسرة ودور الاُم فيها امر لا يمكن في يوم من الأيام ان يضمحل أو تقل أهميته طالما ان المجتمع بحاجة إلى أفراد صلحاء والى أناس سالمين.. ولا يمكن ان يتوفر مثل هؤلاء الأفراد إلاّ وفي أحضان الاُم.. الاُم الصالحة.
لكننا وللأسف نشاهد في الغرب بشكل خاص هشاشة هذا النظام المقدس وعدم والالتزام به، ذلك الالتزام الذي يحفظ له استقلاليته وشرعيته وكرامته.. بل ونشاهد حالات تمرد عنيف عليه.. ونسمع الصيحات هنا وهناك المطالبة بالغائه نهائياً ودفنه إلى الأبد لأنه من وجهة نظر هؤلاء لم تعد هناك حاجة ماسة إليه، بل يراه البعض سبباً من اسباب تخلف المرأة وعاملاً يحول دون تمتعها بحريتها إلى أقصى ما يمكن! «ويحاول هؤلاء ان يضعوا البديل لنظام الأسرة في المحاضن الكبيرة التي تحول الأعداد الكبيرة من الأطفال إلى أسرة كبيرة واحدة تشرف عليها مربيات متخصصات بأحدث وسائل التربية والرعاية، حيث تتوفر لهم الحياة الجماعية الواسعة، والتربية الموحدة في الوقت الذي تتوفر للآباء والأمهات الحرية الكاملة في ممارسة حياتهم على حسب ما يشتهون، وتفجير طاقاتهم المتنوعة كما يريدون بعيداً عن ضغوط المسؤوليات المترتبة على الأبوة، والأمومة من خلال نظام الأسرة... قد يضيف بعضهم إلى ذلك إننا لا نحتاج إلى اعطاء العلاقات الجسنية صفة الشرعية في اطار الزواج، لأن مهمة الزواج هي المحافظة على النوع البشري إلى جانب الاستجاب للحاجة الغريزية، ونحن لا نشعر بالضرورة إلى اخضاع ذلك للقوانين التي تجعل للعلاقة حدودها الشرعية القانونية... وقد يطرح بعضهم موضوع (انابيب الاختبار) كموضوع يلغي متاعب الحمل والولادة ويجعل قضية امتداد البشرية في الوجود خاضعة للمزارع المستقبلية للانسان تماماً كمزارع الدجاج وغيره. ولكن هذا التفكير لا يعطي لعلاقة الرجل والمرأة أي بعد روحي، بل يعتبرها قضية مادية ككل القضايا المادية الجامدة الجافة الخاضعة لنظام الآلات والأرقام... اننا نشاهد الإنسان وهو يعيش الجفاف والقسوة ويتحول إلى انسان جائع، لا للمال، ولا للشهوات بل للحنان والعاطفة... ولهذا فاننا نعيش الآن في زمن الأطفال الكبار الذين يبحثون في طفولتهم الجديدة عن الروح التي تجعل من طفولتهم شيئاً حياً يبني لهم روحهم كما يبني لهم ماديتهم»(2).
وطبيعي ان هشاشة صرح الأسرة في الغرب وتعالي دعوات الانتفاض عليه بهذه الذريعة أو تلك، انما هو ناجم في الحقيقة عن مردود الفعل التى حدثت ـ كما اشرنا ـ تجاه العادات والقوانين الجائرة بحق المرأة التي كانت سائدة في أوربا في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. كما ان اولئك الذين فكروا في الغاء تلك الحالة المتعسفة كانوا على نمطين: نمط حاول انتهاز ذلك الوضع المأساوي لجر المرأة إلى منحدر يصب آخر المطاف في مجرى مصالحه الخاصة، وآخر اخطأ في تقديراته فسلك سلوكاً خاطئاً آخر ظناً منه انّه سينتشلها به من هوة السقوط، فكان ان نجم عن سلوك هذين تمرد المرأة على الرجل وبالتالي على الأسرة ووقوع الأطفال وبالتالي المجتمع ضحية ذلك التمرد القائم على رؤية مشوهة وتقديرات خاطئة.
غير ان الخطوة التي خطاها الإسلام على طريق حقوق المرأة تختلف اختلافاً أساسياً عما تم في الغرب «ففي عين الوقت الذي فتح الإسلام عين المرأة على حقوقها ومنحها الشخصية والحرية والاستقلال، إلاّ انّه لم يدعُها إلى التمرد على الرجل، ولم يحرضها على عصيانه، ولم يخلق لديها نظرة تشاؤمية حياله. فحركة المرأة المسلمة حركة بيضاء ـ لا سوداء ولا حمراء، لا زرقاء ولا بنفسجية ـ أكدت على احترام المرأة للأب والزوج وعلى حفظ الصرح الاُسري»(3). طبعاً في مقابل احترام الرجل للمرأة والاعتراف بحقوقها كاملة غير منقوصة.
__________________________
1- على طريق الأسرة المسلمة، ص13.
2- نفس المصدر، ص14 ـ 16.
3- نظام حقوق المرأة، ص70.
ان هشاشة كيان الأسرة وانهياره هنا وهناك قد ألقى بالبشرية على أعتاب فاجعة انسانية واجتماعية رهيبة. وهذا ما أكد عليه العديد من الخبراء والمتخصصين في علمي النفس والاجتماع وحذروا من مغبة الاستمرار في النهج الرامي إلى تهميش الأسـرة وتقويضها لما ينتظر الانتسانية جراء ذلك من أخطار مرعبـة(1).
فتظهر الأرقام في الدول الغربية عن عدم وجود رغبة لدى الشباب بالزواج وتزايد نسبة غير المتزوجين بشكل مفزع. وقد درس علماء الاجتماع هذه الظاهرة فوجدوا ان الجزء الأعظم منها يعود إلى انهيار نظام الأسرة وما تلاه من تحلل وتفسخ وزنى وفجور يمارس تحت ستار الحرية. وقد انتشرت الجرائم بشكل عنيف ومروع بين الأطفال والصبية ـ فضلاً عن الكبار، «وقد اظهرت أرقام محاكم الأطفال ان 80% من سباب انحراف الاطفال ولجوئهم إلى السرقة والفساد يعود إلى عدم اهتمام الآباء بالأطفال والى مشاكل تتعلق بكيان الاُسرة والاُم»(2).
قيمومة الرجل
من الطبيعي انّه لا يمكن لأي مجتمع مهما كان صغيرا ان يشق طريقه، وينجز أعماله، ويؤدي ما أوكل إليه على الوجه الصحيح ما لم يكن لهذا المجتمع قيم او رئيس او مسؤول يأخذ على عاتقه ادارة شؤون هذا المجتمع وتوجيهه الوجهة الصحيحة، وهذا أصل مهم من أصول أي عمل منظم هادف. وبدون ذلك القيم أو الأمير لا يمكن لأي متمع مهما كان ان ينطلق عبر المسار الحياتي انطلاقة موفقة، ولن يُكتب للمجتمع الذي لا رئيس له يوجهه اي نجاح يذكر، لان الفوضى لا يتمخض عنها إلاّ فوضى واضطراب وانفلات الأمور. ولا يُستثنى مجتمع الأسرة الصغيرة من هذه القضية المبدئية الواضحة، بل هو بحاجة إليها اكثر من أي مجتمع آخر نظراً لكونه نواة المجتمع الكبير.
ونشاهد حالة أخرى برزت هذا اليوم في المجتمعات الغربية وهي التقليل من دور الرجل وحذف أي نوع له من أنواع القيمومة على الأسرة، وترك المجال حراً لأفراد هذه الأسرة ـ سيما المرأة ـ للتحرك بحرية كاملة والعمل ما يحلو لها، دون ان يُعطى للرجل الحق في التدخل أو الاعتراض أو ابداء الرأي على الاقل. وهذا يعني ترك أفراد الأسرة بلا رئيس ولا مسؤول ولا موجه مما ينعكس على الأسرة في شكل فوضى وتسيب وانفلات.
ان مجتمع الأسرة ومثل أي مجتمع آخر بحاجة إلى قيم ورئيس وموجه.. ونحن في هذه الحالة أمام خيارين: فأما ان يكون هذا القيم هو الرجل وأما ان تكون المرأة، وطبيعي ان المرأة وبما الزمها الله من وظائف مهمة داخل كيان الأسرة، وما حدده لها من وظيفة مقدسة، فليس بامكانها ولا يسمح لها وقتها وطبيعة تلك الوظيفة ان تمارس القيمومة إلى جانب أعمالها الكثيرة.. فقد جعل الله سبحانه «من وظائف المرأة ان تحمل وتصنع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل، وهي وظائف ضخمة أولاً وخطيرة ثانياً، وليست هينة ولا يسيرة بحيث تؤدى بدون أعداد عضوي ونفسي وعلي عميق غائر في كيان الانثى! فكان عدلاً كذلك ان ينوط بالشطر الثاني ـ الرجل ـ توفير الحاجات الضرورية، وتوفير الحماية كذلك للأنثى كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة، ولا يحمل عليها ان تحمل وتضع وترضع وتكفل، ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد! وكان عدلاً كذلك ان يُمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على اداء وظائفه هذه، وان تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك... كما ان تكليف الرجل بالانفاق ـ وهو فرع من توزيع الاختصاص ـ يجعله بدوره أولى بالقوامة لأن تدبير المعاش للمؤسسة ومن فيها داخل في هذه القوامة والاشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته
__________________________
1- حقوق الأسرة في الاسلام، ص15.
2- نفس المصدر، ص18.
فيها»(1).
وقوامة الرجل في الأسرة لا تعني السيادة المطلقة للرجل أبداً، بل هي وظيفة من وظائفه داخل الأسرة لا حق له في اساءة استخدامها، ولا ان يظلم ويقسو، او يتحول إلى دكتاتور لا يسمح بالمناقشة والتشاور والاعتراض:
(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)(2).
وهذه القيمومة للرجل إنما هي في الحقيقة «تفضيل في التجهيز بما ينتظم به أمر الحياة الدنيوية احسن تنظيم، ويصلح به حال المجتمع اصلاحاً جيداً، وليس المراد به الكرامة التي هي الفضيلة الحقيقية في الإسلام وهي القربى والزلفى من الله سبحانه. فان الإسلام لا يعبأ بشيء من الزيادات الجسمانية التي لا يستفاد منها إلاّ للحياة المادية، وإنما هي وسائل يتوسل بها لما عند الله»(3).
كما ان الآية (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)(4)، هذه الآية «لم تجعل للرجال إلاّ درجة يتميز بها في القوامة التي استحقها نتيجة بعض الميزات الطبيعية وقيامه بمسؤولية الانفاق على البيت الزوجي. وربما كان لهذا التحديد في مواجهة المسؤولية وممارستها اثره في تخفيف النظرة المتعالية التي ينظر فيها الرجل إلى دوره ازاء المرأة، ليعرف ان القضية ليست قضية سيادة وعبودية، بل قضية مراعاة بعض الميزات الأساسية المحددة من الناحية العامة»(5).
فهذه اقوام اذن «ليس من شأنها الغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني ولا الغاء وضعها المدني، وإنما هي وظيفة داخل كيان الأسرة لادارة هذه المؤسسة الخطيرة وصيانتها وحمايتها. ووجود القيم في مؤسسة ما لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها والعاملين في وظائفها»(6).
تعدد الزوجات
الشيء الذي يجب ان نضعه نصب اعيننا دائماً هو ان الإسلام دين واقعي منسجم مع فطرة الإنسان وآيأخذ بنظر الاعتبار كافة العوامل الطارئة والمتغيرة لا يشيح في يوم ما عن حقائق ربما يتصورها البعض انها غير مهمة، أو يمكن تجاوزها وعدم الالتفات اليها. فالاسلام لم يفترض الناس ملائكة ولا المجتمع الإنساني مجتمعاً ملائكياً.. انّه يتعامل معهم كبشر بما لديهم من عواطف وخير وشر، وما يعترضون له عبر المسار الحياتي من مشاكل وأزمات وملابسات.. فكان لابد للاسلام من ان يضع حلولاً ويقدم برامج واضحة تتناسب مع الحالات الطارئة، ولمواجهة أي ازمة اجتمعية محتملة، وان يتكهن بكافة الاحتمالات مع النظر إلى الامور من جميع الزوايا، وإلاّ لفقد المجتمع الإنساني توازنه وشطت به السبل إلى حيث الضرر والخسارة.
ومن هنا نقول ان ظاهرة تعدد الزوجات التي أقرها الإسلام وسمح بها، لم تخرج عن هذا الاطار وتقع ضمن هذا الخط العريض او المبدأ المنطقي. وقد اثبتت الوقائع والدراسات والاحصاءات ان عدد النساء المستعدات والمؤهلات للزواج يفوق عدد الرجال المؤهلين للزواج. وبات هذا واقعاً في حياة الناس لا سبيل إلى انكاره، ويعود جزء منه إلى بلوغ المرأة قبل الرجل من جهة ومقاومة المرأة لعدد من الأمراض التي تقل مقاومة الرجل لها، وتعرض الرجل لاخطار العمل
__________________________
1- في ظلال القرآن، مجلد 2، ص354 ـ 355.
2- سورة النساء/34.
3- الميزان، ج4، ص217.
4- سورة البقرة /228.
5- على طريق الأسرة المسلمة، ص11 ـ 12.
6- في ظلال القرآن، مجلد 2، ص356.
والاخطار الخارجية أكثر من المرأة من جهة اخرى. الأمر الذي يرفع من نسبة وفيات الرجال... بل ان الحروب التي تقع بين فترة واخرى في هذا الجزء من العالم أو ذاك تحصد اكثر ما تحصد الرجال «فقد بلغت الخسائر في ارواح الرجال خلال الحربين الكونيتين حوالي 70 مليون شخص»(1)، كما ازداد بعد الحرب الكونية الثانية عدد النساء غير المتزوجات والأرامل في الدول التي شاركت في هذه الحرب بشكل هائل، حتى ان هؤلاء النسوة قد طالبن الحكومة في المانيا بالغاء قانون الزوجة الواحدة وفسح المجال لتعدد الزوجات. غير ان الكنيسة عارضت ذلك الطلب معارضة شديدة على اعتبار انّه نهج اسلامي(2).
طبعاً هذا فضلاً عن امتداد فترة الاخصاب في الرجال إلى سن السبعين أو أكثر بينما هي تقف في المرأة عند الخمسين «فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الاخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة. وما من شك ان من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما امتداد الحياة بالاخصاب والانسال وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار. فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة ان نكف الحياة من الانتفاع بفترة الاخصاب الزائدة في الرجال. ولكن مما يتفق مع الواقع الفطري ان يسن التشريع هذه الرخصة لا على سبيل الالزام الفردي، ولكن على سبيل ايجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري ويسح للحياة ان تنتفع به عند الاقتضاء، وهو توافق بين واقع الفطـرة وبين اتجاه التشريع ملحوظـاً دائماً في التشريع الإلهي»(3).
ولهذالا يبدو صحيحاً ما قيل من ان تعدد الزوجات يسيء إلى مكانة المرأة ويعني ان منزلتها الاجتماعية أقل منزلة الرجل، أو ان قيمة الرجل الواحد تساوي امرأتين او أكثر. وقدعلمنا ان القانون الذي لا ينطبق مع الحاجات الطبيعية والمشاعر الفطرية ولا ينسجم مع المقتضيات لا يمكن ان يكون قابلاً للاجراء والتطبيق ولا يمكن ان يأخذ صفة الاستمرارية. فاذا لم يلجأ إلاسلام إلى تشريع الزواج باكثر من واحدة ويفتح هذا الباب بشكل شرعي وسليم، فماذا سيكون مصير النساء الفائضات؟ وماذا سيكون بانتظار الملايين من النساء غير المتزوجات بعد الحروب المدمرة التي تطحن الرجال؟ فلابد في مثل هذه الحالات ان تكون للرجل امرأة شرعية وعدة نساء غير شرعيات.. وهنا الابد ان نسأل ايضا: هل ستتضرر مكانة المرأة الثانية او الثالثة عندما تكون العلاقة بها قائمة على أساس الزواج الشرعي الصحيح، أم عندما تكون تلك العلاقة سرية وغير شرعية؟ فماذا يبقى لهذه المرأة من منزلة وشخصية وهي تضحي هذا الشكل القبيح بشرفها وكرامتها؟ وإذا كان ولابد ان تختار المرأة أحد الطرفين فمن الطبيعي ان الطريق الشرعي أفضل واشرف لانه يحفظ لها كرامتها وشرفها وحقوقها. والعجيب ان نرى «برتراند راسل» ـ الذي يعترف بسلبيات ومعايب قصر الزواج على واحدة ـ يقترح حلاً لمشكلة النساء الفائضات يتمثل في اعطائهن الفرصة لاصطياد الرجال وانجاب أولاد بدون آباء. ويقترح على الحكومة تقديم دعم اقتصادي لهن في فترة الحمل والحضانة لتحمل محل الأب(4)! ونحن لا نعلق على هذا بشيء سوى قولنا هل ان حلاً كهذا يحفظ للمرأة كرامتها ومكانتها ولا يسىء إلى شخصيتها؟
أما الحل الاسلامي للفائض من النساء المؤهلات للزواج فيختلف عن هذه الحلول المشينة منطلقاً من نظرته القائمة على احترام المرأة. فالاسلام يرفض ان تظل في المجتمع الإنساني امرأة واحدة بدون زواج وبدون اسرة لتعارض ذلك مع الفطرة والرغبة التي اودعها الله في هذا المخلوق للعيش مع الرجل تحت سقف واحد وانجاب الأطفال. كما انّه يعارض بشدة ان تسلك المرأة سلوكاً منحرفاً فترتبط بالرجل ارتباطاً غير شرعياً، لأن عملاً كهذا سيؤدي إلى ايجاد مجتمعات غير
__________________________
1- نظام حقوق المرأة، ص322.
2- نفس المصدر، ص321.
3- في ظلال القرآن، مجلد23، ص246.
4- نظام حقوق المرأة، ص326.
نظيفة مهددة بالفناء فضلاً عن الحط من شأن المرأة والهبوط بمستواها إلى مستوى الحيوانات التي لا تعرف غير اطفاء غريزة الجنس.. فالاسلام يسمح بزواج الرجل بأكثر من واحدة إلى الأربع زوجاً جهرياً على رؤوس الاشهاد وعلى مرأى ومسمع كل الناس، وذلك «لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء. يختاره متمشياً مع واقعيته الايجابية في مواجهة الإنسان كما هو ـ بفطرته وظروفه وحياته ـ ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر، ومع نهجه في التقاط الإنسان من السفح والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة، ولكن في يسر ولين وواقعية»(1).
طبعاً هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار توفر الشروط المالية والأخلاقية والجسمية في الرجل المتقدم للزواج بأكثر من واحدة، وان لا يفرق قط بين الزوجة الثانية والأولى ولا بين أولادهما، وان يراعي العدل بشكل كامل «والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة. اما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس فلا يطالب به أحد من بني الإنسان لانه خارج عن ارادة الإنسان»(2).
والاكتفاء بزوجة واحدة ـ في الحقيقة ـ أفضل من عدة زوجات، وهو أساس تشكيل الأسرة في الإسلام غير ان الإسلام لم يغلق الباب بوجه من يريد الزواج بأكثر من واحدة للضرورات التي أشرنا اليها منقبل ولغيرها. وبناءً على ذلك يمكن ان نقول بأن تعدد الزوجات في الإسلام «يعد من أهم العوامل في انقاذ الزواج بواحدة والحفاظ على الزوجة الواحدة.. ففي الظروف التي يزداد فيها عدد النساء اللاتي بحاجة إلى زواج، لو لم يُعترف بحق هؤلاء النسوة بالزواج ولم يسمح للرجال واجدي الشرائط بالزواج بأكثر من زوجة، فمن الطبيعي ان يُفسح المجال لظهور حالة العشيقة والخدينة، مما يشكل تهديداً حقيقياً للزواج بواحدة... ولهذا أصبح الزواج بواحدة هو الحالة العامة بين الأسر المسلمة»(3).
ويعد منع تعدد الزوجات في النهاية تهديداً ليس لكيان الأسرة فحسب، بل لكيان المجتمع بأسره، لأن النساء المحرومات من الزواج سيجدن انفسهن مضطرات لسلوك الطريق اللا شرعي والعمل على اغواء الرجال وايقاعهم في شراكهن.. الأمر الذي سينجم عنه تهديداً للزواج الشرعي الصحيح وتلاعباً بمستقبل الأطفال وحقوقهم القانونية. «ولن ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل تسعى زوجات هؤلاء الرجال الخائنين إلى الانتقام من أزواجهن والذي لابد وان يتبلور على شكل خيانة أيضاً... وهكذا لن ينتهي أمر قصر الزواج على واحدة بفساد وانحراف الرجل فحسب، بل ان شعلة تلك النار ستأتي آخر الأمر على اذيال الزوجة القانونية ايضاً»(4).
ويجب ان نلفت الانتباه هنا إلى ان الإسلام لم يخترع تعدد الزوجات.. فقد جاء وتحت الرجال عشر نسوة أو أك ثر أو اقل بدون حد ولا قيد. فمما كان من الإسلام إلاّ ان قام بتعديل تلك الحالة التي كانت سائدة فوضع قيدين أساسيين على الزواج بأكثر من واحدة: القيد الأول انّه حدده بأربع زوجات.. وتتحدث الروايات ان الرسول(ص) أجبر بعض المسلمين على طلاق ما زاد عن أربع من نسائهم كغيلان بن اسلمة ونوفل بن معاوية. والقيد الثاني انّه وضع شرط العدالة ـ كما اسلفنا ـ ولم يسمح أبداً بأي تمييز ولا مساواة بين الزوجات (فان خفتم الا تعدلوا فواحدة)(5).
فرخصة التعدد اذن «تلبي واقع الفطرة وواقع الحياة وتحمي المجتمع من الجنوح ـ تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة ـ إلى الانحلال او الملال. والقيد ـ قيد العدل ـ يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال ويحمي
__________________________
1- في ظلال القرآن، مجلد2، ص245.
2- نفس المصدر، ص248 ـ 249.
3- نظام حقوق المرأة، ص333.
4- نفس المصدر، ص337.
5- سورة النساء/3.
الزوجة من الجور والظلم، ويحمي كرامة المرأة ان تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل... فاذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة، إذا راح رجال يتخذون من هذه الرخصة فرصة لاحالة الحياة الزوجية مسرحاً للذة حيوانية... فليس ذلك شأن الإسلام وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام ان هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام ولم يدركوا روحه النظيف»(1).
الطّلاق
الطلاق لفظة غير محببة إلى النفس الإنسانيّة ويعد من أبغض الخطوات التي يقدم عليها المرء خلال حياته الزوجية لانه يعني انفصام عرى الزواج وافتراق شريكين كانا. بمثابة نفس واحدة وشعور واحد، يجمعها هدف واحد ويتطلعان إلى افق رحب يجسد ذلك الهدف ويرسم صورة المستقبل.
ويقف الإسلام موقفاً متشدداً من الطلاق ولا يسمح به إلاّ في ظل ظروف خاصة لا يعد معها ممكناً استمرار الحياة الزوجية وفي حالة تحول تلك الحياة إلى جحيم لا يطاق. والمطلاق (الكثير الطلاق) من وجهة نظرة الإسلام شخص منبوذ من قبل الله تعالى. فقد ورد عن الإمام الصادق(ع): «ان الله يبغض المطلاق الذواق»(2).
وهناك دعوات حاد ترتفع من هنا وهناك ـ لا سيما من عالم الغرب ـ تدين الإسلام لسماحه بالطلاق، معتبرة هذا السماح انتهاكاً لحقوق المرأة وظلماً لا يرقى إليه ظلم. غير اننا يجب ان نؤكّد ثانية ان الإسلام دين واقعي يأخذ كافة القضايا والاحتمالات والظروف الطارئة بنظر الاعتبار، وليس ديناً تعسفياً يولي ظهره للمشاكل، ويفرض على الأشياء حالة خاصة بعينها لا يمكن تجاوزها في شتى الظروف. والطلاق الذي يقرّه الإسلام هو جزء من الموقف الاسلامي العام من الحالات والظواهر الطارئة.
فالاسلام لم يفتح باب الطلاق على مصراعيه ولم يغلقه نهائياً.. بل يفتحه احياناً إذا لم يكن هناك بد من فتحه، وحينما يصبح اللجوء إليه أمراً ضرورياً ولازماً شأنه شأن العملية الجراحية التي تستاصل عضواً مهما من أعضاء بدن الإنسان في حال الضرورة القصوى.
فلا يختلف اثنان في قدسية الزواج ووجوب دعمه والمحافظة عليه.. ولكن قد تطرأ امور ومتغيرات تجعل من استمرار هذا الرباط المقدس امراً مستحيلاً.. فماذا يمكن ان يُفعل في هذه الحالة؟ هل يجب ان يُقال لهما عيشاً هكذا في حالة صراع وتقاتل إلى الأبد ولا حق لكما في الخروج من هذه الحالة الماساوية لأن قدركما ان تعيشا إلى الأبد في ظل وضع كهذا؟ وهل من المنطقي ان يُفرض على مثل هذين الزوجين العيش معاً بقوة القانون؟ ثم هل يصح ان نطلق على علاقة غير حميمة كهذه «علاقة زوجية»؟ الا يُعد مثل هذا التعامل الجائراساءة لمفهوم الزواج والاسرة
ان الزواج عقد واتفاق يختلف عن باقي العقود والاتفاقات الاجتماعية الأخرى كالبيع والضمان والكفالة والوكالة. فمثل هذه العقود لا دخل للطبيعة والغريزة فيها، على العكس من عقد الزواج الذي يجب ان يصاغ على أساس رغبة طبيعية من الجانبين. ولهذا ليس عجيباً اذا كان لعقد الزواج قوانين خاصة تختلف عن باقي العقود والاتفاقات.
فاتفاق الزواج بما انّه قائم على الحب المتبادل والود، فهو يفقد مصداقيته عندما يختفي هذا الحب.. والحب امر نفسي لا يمكن فرضه على الزوجين ولا يمكن شراؤه من السوق، بل نابع من الذات والوجدان والعاطفة.
فالآلية الطبيعية للزواج والتي وضع الإسلام قوانينها بما يتناس معها، هي ان تحب الزوجة الزوج ويحب الزوج الزوجة.. فهذا الحب هو وقود استمرارية الزواج والمشغل لما كنته. فلو اُطفئت شعلة الحب بسبب او بآخر فهذا يعني
__________________________
1- في ظلال القرآن، مجلد2، ص248.
2- الفروع من الكافي، الكليني، مجلد 6 كتاب الطلاق، الحديث2.
انطفاء شعلة رابطة الزواج أيضاً.. ولا معنى لاستمرار رابطة ميتة وعلاقة لا حس فيها ولا حركة. وعلى هذا الأساس لا يرى الإسلام أي فائدة تُرجى من استمرار وضع مأساوي لا ينبض فيه الحب ولا تتفاعل فيه العاطفة.. بل ان وضعاً مثل هذا سيكون بؤرة للمشاكل والمشاحنات الاجتماعية. ورغم هذا لا يستعجل الإسلام ابداً في اطلاق رصاصة الرحمة على زواج متعثر كهذا، بل يبذل المحاولة تلو المحاولة لانقاذه واعادة الحياة إليه، ويماطل كثيراً قبل ان يتخذ قراره النهائي في الفصل بين الزوجين بعد ان يكون قد اقتنع نهائياً أن لا جدوى من كافة اساليب المصالحة، ويتضاءل أمل احتمال إعادة المياه إلى مجاريها حتى يصل إلى الصفر.
الإسلام يستقبل برحابة صدر أي خطوة تحول دون طلاق الرجل لزوجته، ووضع من الشرائط والقيود ما يعمل على تأخير حدوث الطلاق ومن ثم الغائه واعادة الحياة الطبيعية إلى أجواء الأسرة. انّه يمنح الزوجين مزيداً من الوقت لمراجعة نفسيهما والخروج من حالة التأثر النفسي والأزمة النفسية وفسح المجال للعقل والحكمة لكي يقولا قولهما.
وهنا لابد ان نشير إلى قضية مهمة يعتمد عليها الإسلام في آليّة الطلاق، وهي انّه قد وضع مفتاحه بيد الرجل. وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على التفاوت بين نفسية الرجل والمرأة. فتشير الدراسات النفسية إلى طبيعة العلاقة بين الزوجين قائمة على أساس استجابة المرأ للرجل. ولا يخرج عن هذه الاستجابة حبها للرجل وتعلقها به. أي ان حبها له بالأساس انما هو استجابة لحبه لها ومدى تعلقه بها. فالرجل متى ما أحب المرأة ووفى لها، فمن الطبيعي ان تحبه ايضا وتفي بحبها له.
ومن هذا نفهم ان الرجل يمتلك مفتاح الحب أيضاً، فحبه للمرأة يقودها إلى حبه، ومقته لها وعدم رغبته فيها سيخلق لديها ردة فعل تنعكس على شكل مقت وكراهية وصدود. أما اذا كان العكس وهو شعور المرأة بالبغض تجاه الرجل.. فقد ذكرت الدراسات النفسية ان ذلك لن ينعكس على الرجل على شكل بغض ونفور... بل قد يؤجج أحياناً رغبة الرجل فيها وحبه لها. وبعبارة أخرى فان بردود الرجل وانطفاء شعلة الحب فيه سيؤدي إلى موت الزواج والحياة الزوجية، غير ان برود المرأة وانطفاء جذوة الحب عندها سيؤدي إلى اصابة العلاقة الزوجية بوعكة هناك أمل في ايجاد علاج لها. فبإمكان الرجل المحب ان يعيد الحب إلى قلب زوجته من خلال اظهار الحب لها، والتودد اليها، واشعارها بأنه يفهمها ويشاطرها مشاعرها وآمالها وآلامها. فحب الرجل وحنانه لزوجته ومحاولة التفاهم معها وتلبية مطالبها العادلة كلها امور ضرورية لاستمرار الحياة الزوجية، وقادرة على كسب قلب الزوجة والاحتفاظ به.
الإسلام يعارض بشدة الطلاق اللئيم (الطلاق حباً في الاستبدال لا غير)، لكن الحل من وجهة نظره ليس في اجبار الرجل العازف عن زوجته على الاحتفاظ بها رغم انفه. فمثل هذا الارغام سيكون مغايراً للقانون الطبيعي للحياة الزوجية.
فلو ظلت الزوجة بقوة القانون في بيت الزوج، فبامكانها ان ترغم الزوج على الاحتفاظ بها، لكن ليس بإمكانها ان ترغمه على حبها واحترامها. والإسلام غير مستعد لإجبار المرأة على الالتصاق بهكذا رجل تحت مطرقة القانون، وغير مستعد أيضاً على إجبار الرجل على العيش مع زوجة لا يشعر بالحب نحوها، لأنه يكون قد ظلم المرأة فضلاً عن الرجل.
ونلفت الانتباه هنا إلى ان الإسلام ومثلما وضع مفتاح الطلاق بيد الرجل، إلاّ انّه لم يغلقه نهائياً بوجه المرأة. فللمرأة في حالات خاصة محددة سلفاً حق الطلاق والانفصال عن الرجل، ويكون ذلك بشرط شرط مكتوب ضمن عقد الزواج تشترط فيه اُموراً إذا أخل فيها الرجل تعتبر نفسها مطلقة عنه.
هذا فضلاً عن ان الرجل لو اظهر عدم استعداده لاداء التكاليف الزوجية، وخرجت علاقته الزوجية عن مجراها الطبيعي ولم يؤد حقوق الزوجة ولم يحسن معاشرتها.. فلابد له في هذه الحالة إما ان يغير سلوكه ويعيد للحياة الزوجية طابعها وطبيعتها.. أو ان ينفصل عنها باحسان. اما اذا جعل منها هدفاً لصبّ جام غضبه وانتقامه، فلابد في هذه الحلة من تدخل الحاكم الشرعي لفرض الطلاق على الزوج.. فالاسلام لا يتحمل أن يسىء الرجل استخدام حق الطلاق.. بل يفرض عليه ان يطلّق عندما يتحوّل مفتاح الطلاق الذي يمتلكه إلى أداة لتعذيب المرأة وتحطيمها(1).. وهذا نابع من القاعدة القرآنية التي تتحكّم في العلاقة الزوجية (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)(2).
_______________________________
1- راجع بحث الطلاق في كتاب نظام حقوق المرأة، ص229 ـ 283.
2- البقرة /229.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com