* زينب جمعة
الأمر الذي سأتناوله في هذه المقالة هو أن الرؤية التي طرحها الإمام الخميني حول المرأة أين هي من التطبيق؟ هل أخذت طريقها إليه أم ما زالت متعثرة؟ وإذا كانت كذلك فما هي أسباب تعثرها؟
وغذا ألقينا نظرة تاريخية على تطور الحركة الفقهية نجد أنها شهدت قفزات في القرون الأولى لظهورها ثم بدأت بالجمود منذ ما يزيد على ثلاثة قرون، حيث لم يتغير الكثير من الأحكام الفقهية إلا بشكل طفيف جدا.
وهذا الجمود قد أثر على وضعية المرأة في المجتمع والحياة. وكان موضوع المرأة أكثر الموضوعات إهمالا لدى علمائنا ومفكرينا.
ولم يثر هذا الموضوع من حيث كتابة المقالات وتأليف الكتب إلا في أواخر القرن الماضي ومطلع هذا القرن، وذلك بعد إثارة قضية حقوق المرأة في الغرب وما أسفر عنه ذلك من انعكاسات في عالمنا الإسلامي الذي كان يعاني من هجمة استعمارية ضخمة وغزو عسكري وثقافي.
فكان السبب المباشر لإثارة موضوع المرأة في الشرق هو نيلها حقوقها في الغرب، والواقع ان المرأة عندنا لم تكن تعاني من نفس المشكلة التي عانت منها المرأة الغربية، فالعديد من الحقوق التي نالتها المرأة الغربية في القرن العشرين كانت قد حصلت عليها المرأة المسلمة ــ نظريا ــ منذ بداية الرسالة الإسلامية.
ولكن ــ هنا بيت القصيد ــ فإن التطبيق السيئ والفهم القاصر للإسلام وحالة التخلف العامة التي كانت تسيطر على عالمنا الإسلامي كلها عوامل ساهمت في صبغ الإسلام بصبغة الرجعية والتخلف، واتهامه بظلم المرأة والحط من قدرها.
وانبرى الكتاب والمؤلفون ــ كل حسب وجهة نظره ــ للدفاع أو الهجوم. وقد مضى أكثر من ثلاثة أرباع القرن العشرين دون أن يتوصل احد من علمائنا ومفكرينا إلى رؤية شاملة وواضحة ومنصفة للمرأة. وغالبا ما عولج الموضوع انطلاقا من تجارب ذاتية وأوضاع شخصية كانت تعمم لتشمل النساء جميعا. وهذا ما جعلها قاصرة ومحدودة وتعبر عن ردات فعل أكثر مما تعبر عن رؤية موضوعية، وهذا برأيي سبب التخبط الأساسي في موضوع المرأة، بسبب تداخل الأفكار بالانفعالات والذاتي بالموضوعي، إلى أن قيض الله رجلا قد استطاع ببصيرته النافذة وفكره الثاقب وتجرده عن الأهواء وردات الفعل أن يقدم بشكل جلي وقاطع رؤية إسلامية حول المرأة.
إن أهم ما جاء به الإمام الخميني أنه احترم إنسانية المرأة وأوضح لها دورها وحدد لها ــ كقائد ــ مسؤوليتها في المشاركة في محاربة الظلم وإقامة العدل. لقد حرر الطاقات النسائية التي حرم منها الإسلام طويلا على حد تعبيره، وأطلقها لتأخذ دورها في الحياة والمجتمع.
ونظرة الإمام إلى المرأة لم تكن قط متجزئة ولا أحادية الجانب، فهو كما طلب منها المشاركة في المجتمع، اعتبر أن دورها في التربية يماثل عمل الأنبياء. وفرادة رؤية الإمام وتميزها تكمنان في أنه أعطى روحا جديدة للأدوار والوظائف المطلوبة من المرأة، وأصبحت تنظر إلى نفسها والى موقعها بطريقة مختلفة ملؤها الثقة والأمل والإحساس بالمسؤولية. ويكفي للدلالة على ما نقول أن نذكر قول الإمام "إن تكون المرأة امرأة فخر وشرف ومسؤولية".
ويبقى السؤال: أين هي رؤية الإمام حول المرأة في مجال التطبيق؟
إن الكلام على التطبيق يختلف بين إيران وخارجها. ففي إيران أوجدت آراء الإمام حول المرأة حركة فاعلة في المجتمع الإيراني نحو إعطاء المرأة حقوقها من خلال إيجاد قوانين وتشريعات أكثر إنصافا تجاهها، ومن خلال التجديد الجريء والشجاع في مجال قوانين الأحوال الشخصية التي تمثل لب المشكلة في كل المجتمعات الإسلامية، نظرا لجمودها وعدم تطورها منذ إيجادها إلا في ما ندر.
بينما نلاحظ أنه خارج إيران بالرغم من التأثر الذي أوجدته آراء الإمام على الصعيد الفكري إلا أن التطبيق العملي مازال بعيد المنال.
ومن العوائق التي تطرح أمام التطبيق ادعاءان:
ــ الأول: أن آراء الإمام الخميني (قده) كانت تخص المرأة وحدها ولا علاقة لسائر النساء المسلمات بها.
والثاني: هو أن آراء الإمام الخميني (قده) في المجال الاجتماعي غير ملزمة بعكس آرائه الفقهية. وهذه الاشكالية تعتمد كأساس لتبرير المواقف المتحيزة للبعض ضد المرأة وبالتالي تشكل عقبة كبيرة أمام التطبيق.
أما الادعاء الأول فواضح وهنه، لأن الإمام الراحل على الرغم من توجيه كلامه للمرأة الإيرانية تحديدا إلا أنه لم يكن يعنيها حصرا، بدليل حديثه في وصيته الخالدة عن حرمان الإسلام من طاقات النساء المعطلة عبر التاريخ، لم يكن يعني النساء في إيران وحدها بل كان يتحدث عن النساء المسلمات، خاصة أن حالة الحرمان قد أصابت جميع نساء العالم الإسلامي وليس النساء الإيرانيات وحدهن.
أما الادعاء الثاني، وهو الأهم، فقد كان ومازال مثار نقاش وأخذ ورد. ويبرز السؤال هنا، عندما أطلق الإمام دعوته للمرأة المسلمة لتأخذ دورها وموقعها في الحياة، لم يرفق ذلك بفتاوى فقهية موازية تدعم هذه الدعوة؟ وإذا لم يقم بنفسه بذلك فهل أغلق الباب أمام حركة تجديد الفقه أو وقف في وجهها؟
في الواقع ان عدم تقديم الإمام لفتاوى فقهية جديدة لا يضر مشروعه الكبير لإنصاف المرأة وإعطائها حقوقها. بل إنه لاحظ أن أحد أهم أسباب حرمان المرأة وظلمها كان بسبب الجمود والتحجر والجهل عند بعض علماء الدين. يقول الإمام في وصيته: "قد حررن أنفسهن (النساء) بكل شجاعة والتزام وأخرجن أنفسهن من أسر الخرافات التي أوجدها الأعداء بواسطة الجهلة وبعض المعممين الذين لا يفهمون مصالح المسلمين.
وهذا الكلام إذا ضممناه إلى كلام آخر للإمام في غاية الأهمية في بيانه الشهير إلى العلماء والحوزات الدينية عندما أشار إلى أن الفقه الإسلامي لا ينبغي أن يكون جامدا وأن الزمان والمكان عنصران أساسيان ومصيريان في الاجتهاد". كما طلب في نفس البيان أيضا من الحوزات الدينية والعلماء أن يحيطوا باحتياجات المجتمع المستقبلية، "وأن يكونوا دائما متقدمين خطوات على الحوادث ليكونوا قادرين على اتخاذ ردود الفعل الصحيحة تجاهها، فربما تتغير في السنين القادمة الأساليب المألوفة في قيادة الجماهير وتحتاج المجتمعات الإنسانية إلى الإسلام وأحكامه الجديدة ليحل مشكلاتها".
إذاً نستنتج من ذلك أن الإمام ربما لم يتسن له المجال ولا الوقت لأن يباشر هو بنفسه عملية التجديد والتطوير في مجال الفقه، لكنه أفسح المجال أمام سائر العلماء، بل طلب مهم أن يبدأوا في اعتبار عنصري الزمان والمكان عنصرين "أساسيين ومصيريين" في عملية استنباط الأحكام.
|