|
*عبد الله القاق
تلعب المؤسسات الصحفية دوراً بارزاً في تجسيد ثقافة حقوق الإنسان في الأردن، وهذا بالطبع نابع عن إيمان الأردن المطلق في ضرورة الدفاع عن حقوق الإنسان وحريته وكرامته باعتبار ذلك واجباً مقدساً لا هوادة فيه.
والصحافة الأردنية لها دور مميز في نشر هذه الثقافة، لأنها تنطلق من منظور شمولي يتجاوز الحقوق المدنية إلى الحقوق الإنسانية والقضايا الإنسانية أيضاً بكل جوانبها، خاصة إذا ما علمنا أن هذه المؤسسات الصحفية تسعي إلى تطوير وتجذير نظام عالمي إنساني جديد يرتكز إلى منظومة أخلاقية وسلوكية تشارك في صياغته جميع الدول والثقافات ويحترم حرية الإنسان ويتم من خلاله التعامل علي أساس المصلحة العامة.
ولا شك أن أهمية أحداث التنمية الاجتماعية واحترام حقوق المرأة والتعاون بين جميع الدول لتحقيق هذا المفهوم لا سيما وأننا جميعا مواطنون في حضارة متعددة الثقافات تستدعي تطوير الحوار بين الحضارات في إطار من التعاون والتآزر وخلق وجه جديد للإنسانية.
وهذه الثقافات التي تنشرها الصحف تتمثل في نشر مبادئ حقوق الإنسان، والقيام بنقد هادف وبناء إذا ما ارتكز علي الموضوعية ومنظومة سلوكية توازن بين الحرية والمسؤولية، خاصة وإننا ما زلنا علي عتبة القرن الحادي والعشرين، وبإمكاننا التحكم في العولمة لبزوغ مجتمع عالمي يحترم التعددية وتنوع الثقافات وحقوق الآخر ونُكرس الفن الحضاري، خاصة إذا ما علمنا أن عصر المعلومات قد وفر فرصة ثمينة للاتصال الإنساني الذي يهيئ لتفهم الآخرين وتجاوز عصر المعلوماتية إلى المعرفة.
والواقع أن جميع الوثائق المتعلقة بحقوق الإنسان تعتبر ترجمة لمعني السلام، وهذا يعني أن كلمة السلام لا تعني فقط غياب الحرب بل هو تعاون بين جميع الجهات لتحقيق أمان الفرد وكرامته وتأمين حقوقه، وقد حرص الملك الراحل الحسين بن طلال طيب الله ثراه علي القول أن الإنسان أغلي ما نملك انطلاقا من أن الدستور ينص علي أن الناس لهم كافة الحقوق والواجبات والواضح أن التزام الأردن بمبادئ حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي هي مسألة مبادئ وثوابت وقيم تبناها الأردن كحقيقة مهمة أساسية، مشيرا إلى أن القرار الذي تتخذه أية أمة في ما يتعلق بأقدام وتطبيق حقوق الإنسان هي أيضاً نتيجة طبيعية ومرتبطة مع التطور الاقتصادي والتنموي.
أن احترام الدول للحقوق المدنية والسياسية مؤداه نتيجة حتمية وهي التطور والنماء الاقتصادي والاجتماعي، كما أن احترام حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية تصب بشكل مباشر في مؤسسة وقيام الحريات السياسية والمدنية.
فالدول ذات الأنظمة الديمقراطية تملك سجلاً جيداً نسبياً في مجال حقوق الإنسان مثل تايلاند وجمهورية كوريا واستطاعت الصمود في وجه الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالمنطقة مؤخراً، أكثر من دول أخري مثل إندونيسيا وماليزيا علي سبيل المثال.
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صيغة رمزية لها حرمتها وأصولها التي تبدأ طبيعياً من تفاصيل أساسية تتعلق بحق الإنسان في الغذاء المناسب والأمن الكافي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ولعل نظرة فاحصة إلى عمق الحكمة الربانية وفي هذين الحقين الأساسيين اللذين يشكلان جذور الحقوق الإنسانية تدلنا علي أن كل الحقوق التابعة تبقي مجرد شعارات تتردد أو يجري الحديث عنها ما لم يتوفر هذا الحق.
وبالنظر إلى الواقع المعيش حول حقوق الإنسان وبخاصة هنا في الأردن ومقارنة مع مجتمعاتنا النامية أو دول العالم الثالث يمكن القول أن حقوق الإنسان في الأردن بخير، فالأردن يتعرض أحياناً إلى انتقادات تتضمنها تقارير تتحدث عن حقوق الإنسان لبلد صغير المساحة محدود الموارد ظروفه العامة والمحيطة وبيئته الإقليمية لم تكن مريحة في يوم من الأيام، انتهكت حقوقه كدولة ومجتمع مرات ومرات ومرات عبر العقود التي انقضت من عمر الدولة الأردنية من خلال الحروب والمؤامرات والمخططات المعادية وحوصر في أهم مقومات حياته، ومع ذلك فان نتاج كل هذا كان إنساناً أردنياً متميزاً يعطي اكثر مما يأخذ بالمقاييس العلمية والمعنوية ليس لبلده وحسب وانما للمنطقة بأسرها ولأجزاء عديدة من هذا العالم ولست أخال أن هذا الإنسان الأردني المتميز يمكن بحال من الأحوال أن يكون نتاجاً طبيعياً لبيئة تقمع فيها الحريات وتسلب فيها حقوق أحد عند القول أن الأردن بلغ الكمال في مجال صون حقوق الإنسان لكنه قطع أشواطا بعيدة متطورة ورائعة في هذا الميدان إلا إذا كان هناك من يري أن ممارسة هنا أو هناك صادرة عن شخص هنا أو هناك تشكل في تقديره خرقا للمبدأ وتخليات عنه في هذا ظلم ومجافاة للحقيقة.
أن صورة الأردن تبدو مشرقة بين الجميع ولا أقول بين دول العالم الثالث أو الناس فقط وذلك وفق المعايير العالمية التي تحدد مدي احترام مبادئ حقوق الإنسان، وهذا يتطلب من الجميع العمل علي تضافر الجهود الرسمية والشعبية لاثراء تجربة الأردن الديمقراطية بما يعزز قيم الحرية والعدل والمساواة.
فالأردن بثقافته ودوره الطبيعي، ومؤسساته الصحفية التي تضطلع بمهمة المراقبة، والتمحيص تري أن الأردن يعتبر في طليعة الدول التي تجاوبت مع مواثيق حقوق الإنسان استناداً إلى رصيده العربي الإسلامي العميق واستنادا إلى دوره السياسي كوارث لحركة التجديد العربية المعاصرة التي مثلت ثورة الشريف الحسين بن علي انطلاقتها الأولى باعتبار أن الدستور الأردني تضمن المبادئ الأساسية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما تلاه من معاهدات واتفاقيات.
إن حقوق الإنسان وحمايتها كل لا يتجزأ من النسيج المؤسسي والتشريعي والأخلاقي للمجتمع الدولي ومثل هذا النسيج يجب أن يقوم علي المساواة بين الشعوب والدول واستعمال المعايير نفسها لتقييم أدائها، ولقد كانت مشاركات القيادة الأردنية في تطوير مفاهيم جديدة في مجال حقوق الإنسان محل اعتزازنا جميعاً، إذ أن عام 1948، مناطق كثيرة في العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط يتم فيها ومنذ عام، وهنا تكمن المفارقة وبسبب الصراعات السياسية، انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان بشكل فردي وجماعي وخاصة حقوق الشعب الفلسطيني وحقوق الشعب العراقي الذي أصبح يعاني افظع الويلات بسبب الحصار المفروض عليه، وكثيراً ما تغطي الصراعات السياسية علي هذه الانتهاكات وعلي المعاناة المأساوية للأفراد والجماعات.
ومن هنا تقدم الأردن في أواخر الثمانينيات بمشروع لكي يساعد علي تغطية هذا النقص في المواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، كما أن التركيز علي حقوق الإنسان في مجال المجتمع المدني كالديمقراطية والتعددية وحرية التعبير والمشاركة في الحكم كثيرا ما طغي علي الاهتمام بحقوق الإنسان الأساسية كالمأوي والغذاء والصحة والتعليم.
وعلي الرغم من أننا قطعنا شوطاً كبيراً في مجال حقوق الإنسان إلا انه للأسف ما تزال تصادف انتهاكات من جانب حكومات عربية وهذا دليل ما تعانيه بعض الشعوب العربية من حرمان وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وان عددا من هذه الدول ما يزال يرفض الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والكثير من أنظمة الحكم ما زالت تتسم بالفردية والتسلط وغياب الديمقراطية ومصادرة الحريات خاصة حرية الرأي والتعبير والاجتماع، وكثير من الدول ما زالت تطبق تشريعات استثنائية تضع القيود علي الحريات الأساسية وتعتبر حقوق الإنسان تدخلاً في شؤونها الداخلية داعيا الدول العربية إلى توفيق قوانينها وممارساتها لتصبح مواكبة للعصر الجديد وهو عصر حقوق الإنسان.
** التفهم العالمي للإسلام
ليس من شك في أن عالمنا يعاني من ميل الناس القديم للهيمنة والتوسع والسيطرة التي تأتي في معظم الأحيان مقنعة علي شكل قيم أخلاقية ومبادئ إنسانية وفي الكثير من الحالات نلاحظ أن المنظمات الدولية التي أسست لحماية هذه المبادئ والدفاع عن الحق والعدل يتم استغلالها كأدوات لتحقيق الطموحات والمصالح القومية لبعض القوي، فكثيراً ما شاهدنا اعتداءات عسكرية ترتكب ضده وعقوبات ظالمة تفرض عليها تحت علم الأمم المتحدة، كما شاهدنا انتهاكات لسيادة دول أخري وتجاهل حقوق بحجة كاذبة وهي الدفاع عن حقوق الإنسان، وقد ألقت هذه الممارسات ظلال الشك واليأس ودفعت الكثيرين من الناس للاعتقاد بان هذه المواثيق والمؤسسات لم تنشأ إلا للحفاظ علي الأمر الواقع ومنع الاستقطاب الذي سيؤدي إلى ظهور قوي جديدة.
وعلى الرغم من إدراكنا لهذه الحقوق المؤلفة وهي نتيجة الضعف الإنساني والرغبة في القوة والتسلط، فما زلنا نري في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أهدافاً نبيلة يمكنها أن تحقق متطلبات الإنسان في الأمن والسلام، ولذلك من الأهمية بمكان حماية وتطوير هذه المؤسسات وتزويدها بضمانات تتيح لها تحقيق أهدافها النبيلة بطريقة فعالة وهي تحقيق أحلام الإنسان التي تضمنها القرآن الكريم الذي يحث الناس علي التعاون لفعل الخير وليس التعاون لغاية ارتكاب اعتداءات شريرة وتعاونوا علي البر والتقوى ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان المائدة الآية الثانية.
ونحن كمسلمين نرفض هذه النظريات الفارغة ونؤمن بان النصر النهائي هو انتصار العقل علي التعصب ومستقبل افضل للجنس البشري، وقد دعا القرآن إلى وحدة الجنس البشري عن طريق التنوع والتعدد: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، هود الآية 118.
فالإسلام يعتبر تنوع الثقافات إضافة لجمال المشهد الإنساني واثراء لتجربته وبالتالي فان أي محاولة لفرض نمط معين من التفكير سيتسبب في المتاعب ومصيره الفشل في النهاية أما البديل فهو إفساح المجال لسيطرة العقل في توجيه سياسات الدول والتخلص نهائيا من أحلام السيطرة والتوسع بحيث يستطيع الناس أن يعملوا معا لبناء عالم مستقر تزدهر فيه جميع الحضارات والثقافات وتكون غايته حماية الجنس البشري وتطوير رفاهيته المادية والروحية، كما جاء في القرآن الكريم يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات الآية 13.
وهكذا فالإسلام يقبل التنوع والتعددية ويعتبرها جزءاً طبيعياً في هذه الحياة، والهدف من هذا التنوع وهذه التعددية هو تعارف الناس وتعاونهم مع بعضهم بعضاً وبالتالي القضاء علي التمييز بين الناس علي أساس اللون أو العرق أو الجنس، ومن أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم الشهيرة ما معناه أن افضل الناس هو من كان اكثر فائدة للآخرين.
وكلنا أمل في أن المجتمع الدولي سيتعاون ويضع وزنه إلى جانب السلام الذي يقوم علي العدل والي جانب الحقوق المشروعة حتى يستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة والقضاء علي جميع أسباب التوتر في المنطقة.
** الكرامة للجميع
يؤكد الله تعالي في القرآن الكريم كرامة الإنسان، وهذه الكرامة هبة عامة لا يستثني منها أحد.. فالنساء شقائق الرجال، كما يقول الرسول صلي الله عليه وسلم، ولهن حقوق وعليهن واجبات وتجدر الإشارة هنا إلى أن النساء في عصر الجاهلية كن يعاملن علي أنهن جزء من ممتلكات الرجل يرثهن الأبناء عن الآباء بالطريقة نفسها التي يرثون بها الممتلكات المادية الأخرى، وفي الوقت نفسه شهدت أوروبا انعقاد مجالس خاصة للبحث في روح المرأة، وما إذا كان بالإمكان اعتبارها من الآدميين أم لا ، وأتي الإسلام وسط تلك أل أجواء ليرفع مركز النساء ويؤكد حقوقهن.
وقد كتب حول هذا الموضوع نورمان دانييل في كتابه القيم الآلام والغرب ما يلي: إعادة ما يتم بحث حقوق المرأة في الاسلام، في الغرب من زاوية أنها مستعبدة ومسيطر عليها وإنها تؤخذ كحريم.. أما الحقيقة فقد ضمن الإسلام حقوق المرأة أكثر من الحقوق التي تضمنتها قوانين ملكية النساء المتزوجات.
فنساء الرسول صلي الله عليه وسلم ونساء الصحابة كن يُستشرن في شؤون الدولة كما أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عين نساء في وظائف عامة رفيعة، وتؤكد المصادر التاريخية الموثوقة أن النساء شاركن بفعالية في الأعمال العسكرية، وما يقال عن النساء يقال عن الاطفال، فقد تضمنت الشريعة الإسلامية حقوقاً مفصلة للطفل في جميع مراحل نموه حتى يبلغ سن الرشد، ويقول القرآن الكريم بهذا الصدد يوصيكم الله في أولادكم.
وقد حث النبي صلي الله عليه وسلم علي العناية بالبنات ومن ذلك قوله: بما معناه أي مسلم ترعي ابنتين ويحسن تربيتهما سيدخل الجنة .
والواقع أن المؤسسات الصحفية تبحث الكثير من المفاهيم في هذه الأيام لتحسين أداء منظمة الأمم المتحدة بحيث تصبح اكثر فعالية في حل النزاعات ومنع الحروب وإنهاء احتكار الدول العظمي للمنظمة الدولية، وهذه الأفكار جديرة بالاهتمام لوجود خلل في ميزان القوي الدولي وتنامي الشكوك في ما يتعلق بفائدة المنظمة والمواثيق الدولية وهو ما سيؤدي حتما إلى الكثير من المنازعات الكبرى والصغري التي تتعارض مع مصالح الجميع.
ومن العبث الاعتقاد بان أمة أو مجموعة من الأمم تستطيع فرض إرادتها علي العالم بأسره بالقوة المسلحة والي فترة غير محدودة، أن تاريخ العالم يثبت أن ذلك ليس في مصلحة حتى تلك القوي نفسها لما تنطوي عليه هكذا محاولة من مخاطر لأن الناس لا بد أن يثوروا ذات يوم للدفاع عن ثقافتهم واستعادة هويتهم القومية ولا شك أن ردود الفعل الحتمية هذه ستخلق أسباباً جديدة للحروب والمنازعات.
وقد أصاب شيشرون عندما قال أن الإمبراطورية الرومانية بدأت في الانهيار عندما بدأت فرض حضارتها وقوانينها علي الأمم المغلوبة لقد قيل الكثير عن الحاجة إلى التنوع الثقافي والتعددية، لكن لسوء الحظ فان الميول لفرض ثقافة معينة علي الآخرين ما زالت قوية بل أن لها دعاة ومبشرين ومنهم علي سبيل المثال البروفيسور صامويل هنتنغتون الذي لم يكتف بالثناء علي الحضارة العربية، وهو الإعجاب الذي نشاركه إياه لكنه تنبأ بوقوع صدام حتمي بين الحضارة الغربية والإسلام.
إن الإرث التاريخي والموقع الجغرافي للأردن والمفاهيم الحضارية والفلسفية لنظامنا السياسي تؤكد علي الدوام التوجه إلى وضع الأمور في نصابها الصحيح، والدعوة إلى التأني والدرس قبل إصدار الأحكام وتقرير المواقف واستعمال البصيرة قبل البصر في النظر إلى ما وراء ظواهر الأمور وفي بواطنها وعلي هذا فقد ارتكز الحكم في الأردن منذ لحظاته الأولى علي تعامل الدولة مع الشعب من خلال مفهوم الأسرة وضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية الضروري لتحقيق السلام الاجتماعي.
ومن متابعة الصحافة للأحزاب الأردنية نجد أن معظم الأحزاب تحرص علي تغليب بعض الحقوق علي بعضها الآخر: فأحزاب اليسار وبعض أحزاب الوسط تشدد مثلا علي الحق في العمل وعلي الحق في حرية الرأي وعد، (حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الوحدوي....).
العديد من الأحزاب يحرص أيضاً علي تمييز حقوق بعض الفئات كحقوق المرأة مثلا وضرورة مساواتها بالرجل وهذا (يتكرر في برامج أحزاب اليسار وبعض الأحزاب الليبرالية: حزب المستقبل، حشد، حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، حزب وعد، الحزب الديمقراطي الوحدوي وحزب اليقظة.) أما حزب جبهة العمل الإسلامي فهو يتحدث عن احترام كيان المرأة والتأكيد علي أهمية الأسرة.. وهو ما يمكن أن يعني ضمنيا رفض مساواة المرأة بالرجل انطلاقا من رؤية الحزب الفكرية والعقائدية... والأمر نفسه ينطبق علي برنامج حزب التقدم والعدالة وبرنامج حزب التجمع الوطني.
ومن بين الفئات الأخرى التي تحظى حقوقها باهتمام خاص في برامج الأحزاب: حقوق العمال والشباب وأحياناً حقوق الطفل (الحزب الشيوعي، حزب المستقبل، الحزب الديمقراطي الوحدوي، حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي، حزب التقدم والعدالة، حزب اليقظة). وهناك حزب واحد هو الحزب الديمقراطي الوحدوي يدعو في برنامجه إلى دعم وتوحيد جميع الأطر والمنظمات العاملة في مجال الحريات وحقوق الإنسان.
والواقع انه من خلال الدور الذي تلعبه الصحافة في نشر الثقافة والتأكيد علي أهمية حقوق الإنسان، يتضح أن سجل الأردن في حقوق الإنسان وفي احترام الحريات العامة والالتزام بالقوانين الدولية سواء من حيث الممارسة أو التشريع هو الأفضل في المنطقة خاصة وان الأردن يعتبر بقوانينه وتشريعاته المحلية من اكثر الدول النامية التزاما بالمواثيق الدولية فقد كفلت التشريعات الوطنية الأردنية الحقوق والحريات العامة من دون استثناء ــ والحقوق في الأردن ليست حكراً علي أحد من دون أحد وليس في الأردن اضطهاد ديني أو كبت طائفي أو منع معتقدات علي الإطلاق.
فالحكومة الأردنية تعمل علي تحويل المبادئ والمفاهيم الأساسية لحقوق الإنسان كجزء من نسيج الثقافة الوطنية، ومع انه ضمن هذا الإطار تبرز الدعوة إلى تبني مبادئ أساسية جوهرها الاحترام المتبادل، والفهم الدقيق لمعني المسؤولية وواجباتها وحقوقها، وكذلك الدعوة إلى الحوار الذي يعد ركيزة أساسية في الرؤية والفكر السياسي الأردني، سواء الحوار علي المستوي الداخلي بين المؤسسات الوطنية كافة حكومة، (نقابات، أحزاب، صحافة، مؤسسات المجتمع المدني) أو علي المستوي الدولي والعالمي، وترسيخ أسس التعامل وفق آليات المصارحة والشفافية والعلانية.
وهذا يوضح انه لا خلاف في أن تحويل الثقافة الوطنية باتجاه ثقافة الحريات: وحقوق الإنسان كما عبرت عنها الاتفاقيات الدولية تصطدم بعقبتين أساسيتين الأولى العقبة السياسية: حيث لا تزال حقوق الإنسان في المنطقة تنتهك أقصى الانتهاكات من قبل إسرائيل وفي مناطق مختلفة في العالم مما يوحي بازدواج المعايير وازدواج المقولات والمواقف مما ينعكس علي جدية الثقافة الداعية إلى حقوق الإنسان ومصداقيتها أو أهميتها العملية وهذا يعني انه في الوقت الذي تنهمك فيه المؤسسات الدولية والمنظمات بالدعوة إلى احترام حقوق الإنسان وحرياته يجب أن يكون لهذه المؤسسات والمنظمات دور حقيقي وحاسم في الدفاع عن حقوق الإنسان الذي يقع تحت الاضطهاد السياسي الذي تتبناه دولة بكاملها أو حزب بكامله، كذلك فان مثل هذه المؤسسات ينبغي أن يكون لها دور في التصدي للثقافات العنصرية والثقافات الشوفينية والثقافات والأيدلوجيات التي تقوم علي سحق الطرف الآخر وإنكار وجود الإنسان الآخر لكي يمارس الطرف الأول حقوقه علي حساب الآخرين.
إن حرية الإنسان وحقوقه كل لا يتجزأ بالمفهوم الوطني والإقليمي والدولي وهذا يعني أن مسؤولية الشعوب في عدم اضطهاد الشعوب الأخرى واستلابها حقوقها وأراضيها وحرياتها وهويتها ومياهها ووسائل تعليمها ومستقبلها ينبغي أن تكون مسؤولية واضحة وعملية ويجب أن تكون من صميم الثقافة الوطنية.
الثانية العقبة الاقتصادية: ذلك أن إنجاز ثقافة جديدة تنظم الحياة الاجتماعية بأسرها وتقوم علي مبادئ حقوق الإنسان بما في ذلك حقوق المرأة وحقوق الطفل والاقليات والشرائح المختلفة يتطلب برنامجاً وطنياً بعيداً، الأمر يتغلغل في برامج التعليم والتربية والإعلام ويطور الثقافات الإنسانية القطاعية بما يحقق بينها الانسجام والتواؤم ومثل هذا الإنتاج الثقافي يتطلب مساعدات دولية بسبب الكلفة العالية لمثل هذا البرنامج إذا أريد له أن يستكمل في وقت قصير.
أن حقوق الإنسان لا يمكن أن تعيش إلا في وجود ديمقراطي صحيح حيث الرأي والرأي الآخر، وحيث التعددية السياسية وفي ظل دولة القانون وفي إطار السيادة القانونية أن الأردن كان من بين الدول التي شغلتها حرية حقوق الإنسان وقد شهدت هذه الحركة سنوات من المد والجزر تبعا لطبيعة المرحلة السياسية وهيمنة السلطة التنفيذية علي بقية السلطات.
وقد بلغت حقوق الإنسان اوجها مع تشكيل اللجنة الملكية لمركز دراسات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي التي اجتمعت عشرات الاجتماعات وتمخض عنها وضع مسودة مشروع قانون لم ير النور بعد لقد ذكر ابراهام لنكولن تستطيع (أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت) فكيف يمكننا أن نقول أن العالم يطبق حقوق الإنسان بالنسبة للأشقاء العراقيين وهم يحرمون من الغذاء والدواء بقرار عالمي، وكيف نتحدث عن حقوق الإنسان في فلسطين في الوقت الذي تنكر فيه إسرائيل حق تقرير المصير وتطبق يوميا مبدأ العقاب الجماعي والتصفيات الجسدية وضم القدس الشريف.
إن حقوق الإنسان لا تنتهي بحقه في حرية التعبير، فالحكومة تعمل كل طاقتها علي توفير حقوقه المدنية والاجتماعية والاقتصادية الأخرى من خلال خطة تنمية اجتماعية واقتصادية شاملة، فهذه أيضاً حقوق إنسانية أساسية لتوفير العلاج، والمسكن اللائق، والماء النظيف، والحد من البطالة، ومحاربة الفقر.. أن هذه الحقوق التي تعمل الحكومة علي تأمين ما استطاعت منها.. هي حقوق مقدسة جوهرية لحياة الإنسان وبقائه، وهي أولوية أيضاً، كما هي الحريات السياسية وحرية التعبير.
فالديمقراطية لا تقوم إلا علي ساقي السلطة التنفيذية، والمعارضة، والمعارضة طرف رئيس وأساس في النهج الديمقراطي، ويجب علي أي معارضة أن تكون قوية في برامجها المدروسة وبياناتها الموثقة، وان لا تعارض من اجل المعارضة، ولكن من اجل تقديم البديل الأفضل، لان ذلك مصلحة الوطن والمواطن أن سيادة القانون تعني العدالة والمساواة، والحفاظ علي الحقوق الإنسانية، وان غيابها يعني الفوضي والانحلال. . وطالما أشار الدستور إلى عبارة وفق أحكام القانون، وجاء في المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الناس جميعا سواء أمام القانون وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون من دون تمييز.
إن السلطة التنفيذية واعني بها الحكومة إذا قامت بمعاقبة أي إنسان علي مخالفة أو جريمة ارتكبها تكون متعسفة جائرة ظالمة.. ولكن عندما تقدم السلطة التنفيذية هذه المخالفة أو الجريمة إلى القضاء، وهو سلطة مستقلة نزيهة عادلة فان القضاء هو الذي يفصل فيها أما بالإدانة أو البراءة فهذه هي العدالة وسيادة القانون التي نص عليها الدستور، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذه هي الديمقراطية التي تقوم أساساً علي حرية الفرد والمجتمع والتي تحميها سيادة القانون والواقع أن الولايات المتحدة التي تقصف حالياً أفغانستان بحجة مكافحة الإرهاب واجتثاثه تغمض عينيها عن قضية الاعتداءات الإسرائيلية علي الشعب الفلسطيني، وهذا يعني أن مسألة حقوق الإنسان لم توزع بالتساوي وبينما تكال في نظر الشعوب المتمدنة بمكيالين فالهجوم الحالي علي أفغانستان وقبله علي العراق، والسودان، يجعلنا نتساءل أين حقوق الإنسان وثقافته؟.
إن الأردن لا يعمل في فراغ، وانما في منطقة لم تشهد في تاريخها كله مثل هذا الضغط الداخلي والخارجي الذي تشهده الآن، وحياتنا التي تتأرجح ما بين بريق الأمل وحلكة القنوط لا يمكن أن تستوي إلا بالحوار الهادف مع الذات ومع الآخر.
صحيح أن هناك بعض القيم القادمة التي لا تستوي مع ثقافتنا وحضارتنا ولكن الإجابة ليست بالتقدم بإعلان لحقوق الإنسان خاص بنا، وكأننا نتحرك بجسد غريب علي الإنسانية وانما بالتقدم نحو الإنسانية من منطلق المصالحة وتقريب وجهات النظر، وإذا ما كنا نمثل حضارة تكافح من اجل البقاء في وسط عالم متغير فإننا لسنا وحدنا، ولنذكر ونتذكر في حوارنا مع ذاتنا والآخرين إن الخيوط التي تسير جميعها في اتجاه واحد لن تصنع نسيجا وان الفكرة أو القيمة التي لا تواجه التحدي قد لا تستحق الحياة.
بعض المعوقات البيروقراطية وبعض القوي التي لا تؤمن بالتقدم والتغيير قد أدت إلى تأخر إقرار القانون فان الاتجاه العام يسير نحو مزيد من الاهتمام بهذا الموضوع وتحقيق إنجازات مهمة علي صعيده وان تفضل رئيس الوزراء برعاية هذه الندوة لهو خير دليل علي الاهتمام الذي توليه الحكومات وبخاصة الحكومة الحالية لهذا الموضوع.
إن الأهمية الكبيرة التي يوليها الإعلام لمفهوم حقوق الإنسان واستخداماته في السياسة الدولية صبغته بالطابع السياسي والأيديولوجي إلى درجة الدول استخدمته في صراعها علي الساحة الدولية حوتي ظهر مؤخراً اتجاه للنظر لحقوق الإنسان نظرة فلسفية وأخلاقية واستخدم في عمليات تقييم السلوك السياسي علي المستوي الفردي والمؤسسي والدولي.
وأضاف لقد تباينت التصنيفات لحقوق الإنسان وتعددت الآراء في تحديدها وبيان أنواعها ففي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة بين أن حقوق الإنسان نوعان: الأول حقوق مدنية وسياسية، والثاني حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهناك من قسم حقوق الإنسان إلى الحقوق والحريات التقليدية ثم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ومن البديهي القول أن من الثقافة المطلوبة، يرتبط بتدريس حقوق الإنسان ارتباطاً وثيقاً بفكرة احترامها، فالتعليم والتوعية بحقوق الإنسان خطوة لا غني عنها لكفالة احترامها وضمان أعمالها علي ارض الواقع. وإلا فكيف يتصور أن يطالب شخص بما يجهل انه حقه؟؟ أو أن يلتزم آخر باحترام حقوق وحريات الغير إذا لم يكن يعلم أصلاً بوجودها، وإذا كان الشعور باحترامها لم يستقر في نفسه ويرسخ في عقيدته؟.
فالتعليم والتوعية بحقوق الإنسان ومضمونها وابعادها المختلفة هما نقطة البدء لتطبيقها واعمالها بصورة فعلية، باعتبارهما خطوة أساسية للخروج بتلك الحقوق من الحيز النظري إلى مجال التطبيق العملي... فتدريس حقوق الإنسان يؤدي إلى تنمية الحس الإنساني وتعميق الوعي بها وتعميق روح التفاهم والتعاون المشترك بما يخدم التمسك بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
وفي ضوء ذلك يتضح لنا أهمية أن يمتد تعليم حقوق الإنسان ليشمل جميع مراحل التعليم من التعليم الأساسي وحتى التعليم الجامعي والدراسات العالية كل مرحلة بالطبع بالقدر الذي يتلاءم مع قدرات طلبتها.
** جهود عربية وعالمية
بذلت علي الصعيد العالمي والعربي جهود كثيرة في مجال تعليم حقوق الإنسان وكان جانب من هذه الجهود يتناول قضية تعليم حقوق الإنسان بصفة عامة، أي في جميع مراحل التعليم، وجانب آخر يعني بتدريسها في المرحلة الجامعية وحدها، وجانب ثالث ركز جهده علي تعليم حقوق الإنسان بكليات الحقوق ولعل من ابرز الجهود المبذولة في مجال تعليم حقوق الإنسان بصفة عامة المؤتمر الدولي الذي عقدته منظمة اليونسكو في فيينا (النمسا) حول تدريس حقوق الإنسان، والذي طالب بإعادة موضوع تربية الشباب علي حقوق الإنسان وحرياته ودعا الأمم المتحدة إلى نشر برامج تهدف إلى بث الوعي لدي التلاميذ منذ دخولهم المدارس، بحقوق الإنسان وحرياته ونشر مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في كل مراحل التعليم، وبصفة خاصة مرحلة التعليم الجامعي.
** وماذا عن الأردن؟
لقد حث الميثاق الوطني الأردني علي ضرورة الالتزام بحقوق الإنسان واحترامها وأكد بأن الدولة هي دولة القانون هي الدولة الديمقراطية التي تلتزم بمبدأ سيادة القانون وتستمد شرعيتها وسلطاتها وفاعليتها من إرادة الشعب الحرة، كما تلتزم كل السلطات فيها بتوفير الضمانات القانونية والقضائية والإدارية لحماية حقوق الإنسان وكرامته وحرياته الأساسية التي ارسي الإسلام قواعدها وأكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجميع المواثيق الدولية والاتفاقات الصادرة عن الأمم المتحدة بهذا الخصوص الميثاق ــ الفصل الثاني ــ علي ضرورة الالتزام بالديمقراطية والعقلانية.
كيف يمكن لنا أن نصل إلى ما يحثنا عليه الميثاق من دون أن تنطلق في البلاد حركة تربوية وتثقيفية واسعة لتدريس حقوق الانسان؟ ان السنوات الطويلة الماضية! من الأوضاع الشاذة جعلت الكثير من المواطنين ينسون أصلاً بأن لهم حقوقاً وأن الارتقاء بالوضع الديمقراطي يتطلب من بين ما يتطلب الاهتمام بتدريس حقوق الإنسان منذ سن مبكر علي غرار ما يجري في البلدان الحريصة فعلاً علي الديمقراطية وعلي احترام حقوق الإنسان.
إننا ندعو المؤسسات التعليمية كافة وبالدرجة الأولى نتوجه إلى المسؤولين من اجل اتخاذ قرار شجاع ورائد بتخصيص مادة حقوق الإنسان في المؤسسات التعليمية مراحل أساسية وثانوية وجامعية لتدريسها وتكريس ساعة أسبوعية علي الأقل لهذا الغرض، إننا بذلك لن نفعل شيئاً آخر سوي الانسجام مع نصوص الميثاق الوطني وتوجهات جلالة الملك التي أكد فيها أكثر من مرة انتهاج الأردن لمبادئ حقوق الإنسان.
** حقوق الإنسان
وبخصوص المرأة وحقوقها، فقد طرأ تحسن كبير وسريع علي حقوق المرأة في الأردن، واصبح للمرأة حق الترشيح والانتخاب لمجلس النواب، وشاركت المرأة في الحكومات الأردنية منذ منتصف السبعينيات ولا تميز الدوائر الحكومية بين المرأة والرجل، بل علي العكس والواقع أن المؤسسات الثقافية لعبت دوراً بارزاً في تسليط الضوء علي مبادئ حقوق الإنسان التي تنص علي الالتزام بالشرعية واحترام الدستور واحترام العقل والإيمان بالحوار وحق الآخرين في الرأي الآخر وتساوي الأردنيين بالحقوق والواجبات ورفع المستوي الثقافي للمواطنين وحق المواطنين في التعبير وتأكيد حق المثقفين والمفكرين والأديان في الانفتاح علي الثقافات الأخرى.
أن دور الصحافة في القيام بحملات تثقيفية وإعلامية بين المواطنين تنطلق من السمة الحضارية للأردن، لكي يتم تنفيذ ذلك في إطار الثقافة والتقاليد الاردنية، وذلك لكي تتواكب مع التطورات والمتغيرات التي يعرفها القانون.. وتنطلق هذه الأهداف التثقيفية في إطار توعية حقيقية بأهمية المحافظة علي حقوق الإنسان، وابراز دور المفكرين والمثقفين في تطوير هذه العلاقات والعمل علي تحديث التشريعات والاستمرار في تشجيع مراكز دراسات حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، والإسهام في رفع مستوي الممارسة الديمقراطية وتأهيل مبادئ حقوق الإنسان في الأردن باستلهام رسالة الإسلام السمحة وتنظيم الحلقات الدراسية والندوات والسعي لتدريس مبادئ حقوق الإنسان في مستويات مختلفة.
*المصدر : موقع امان
|