حقوق و قوانين

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

ما بعد الثورة الإيرانية.. تثقيف النساء بحقوقهن
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

محمد إبراهيم مبروك
عندما سألت الإيرانيين: إنكم تعلون من شأن الإمام "آية الله محمد باقر الصدر"، ولكن الصدر عراقي الأصل؛ فهل لديكم بين الإيرانيين من يناظره فكريا؟ قالوا: نعم، الشهيد "آية الله المطهري". استقصيت في الأمر، فوجدت للإمام "مطهري" حوالي 20 مجلدًا تتناول أعمق القضايا الفكرية والفلسفية، ومن بين ذلك كتاب له عن "حقوق المرأة في الإسلام".
ولأن "آية الله المطهري" هو أحد كبار صانعي الثورة الإيرانية، والذي ما لبث أن قُتل إثر نجاح الثورة على يد العلمانيين في إحدى هجماتهم على رجال الثورة؛ فقد كان طبيعيا أن يكون كتابه المشار إليه دستورا ملهما لوضع التشريعات الخاصة بالمرأة والأسرة بوجه عام في إيران بعد الثورة.
هذا بالإضافة إلى ما يمثله من مرجعية هامة للإيرانيات بوجه عام للاطلاع على حقوقهن التي أوجبها لهن الإسلام، خصوصا أن الثورة قد حرصت كثيرا على تثقيف النساء بتلك الحقوق، وهو الأمر الذي يفسر بعض ما تتميز به المرأة الإيرانية من قوة وطموح تجسدا بوجه خاص في اعتلائها العديد من المناصب العليا.
"تساوي أم تماثل؟" السؤال التقليدي
المسألة المحورية التي يناقشها آية الله مطهري في كتابه هي: "هل الحقوق الطبيعية والإنسانية للمرأة والرجل متساوية أم متماثلة؟" وفكُّ هذا الارتباط بين التساوي والتماثل يظل همَّه الأساسي على امتداد صفحات الكتاب؛ حيث ينطلق من خلاله إلى شرح حقوق المرأة في الإسلام، وعلاقتها بتكوينها الطبيعي على حسب ما أدت البحوث العلمية والنفسية، مقارنا ذلك بوضع هذه الحقوق في المجتمع الغربي، وهو يذهب بداية -كما هو معروف لدى الباحثين في حقوق المرأة- أنه حتى أواخر القرن التاسع عشر، فإن كل ما قيل حول حقوق الإنسان هو ما يتعلق بحقوق الشعوب مقابل حكوماتها.
أما الاهتمام بحقوق المرأة فقد جاء كأحد نتائج الثورة الصناعية وكاستجابة لمطامع الرأسماليين: "فأصحاب المعامل من أجل اجتذاب المرأة من البيت إلى المعمل واستثمار طاقاتها اقتصاديا رفعوا شعارات: حقوق المرأة - والاستقلال الاقتصادي للمرأة - حرية المرأة- مساواة المرأة بالرجل في الحقوق، وكما ينقل عن "ول ديورانت" كانت العاملات أقل أجرًا من العمال، وكان أصحاب المعامل يفضلونهن على الرجال لكثرة تمردهم.
ومنذ القانون الذي صدر في عام 1882 أصبحت نساء بريطانيا العظمى يتمتعن بميزة لم يسبق لها مثيل هي أن من حقهن الاحتفاظ لأنفسهن بالمال الذي يكسبنه، ومنذ ذلك العام أدى البحث عن الربح الذي يقاوم -على حد وصف ديوارنت- إلى أن تتحرر النساء من العذاب والاستعباد في البيت؛ لتصبح رهن العذاب في المتجر والمعمل.
ثم يعلق "آية الله مطهري" على ذلك، فيقول: إن تكامل الآلة والزيادة اليومية للإنتاج فوق ما يحتاجه واقع الإنسان، والرغبة في استنزاف المستهلك بألف حجة وحيلة، واستعمال الوسائل السمعية والبصرية والفكرية والشعورية والفنية والشهوانية من أجل صنع إنسان مستهلك بلا إرادة- أدت مرة أخرى إلى أن تحتاج الرأسمالية إلى جهود المرأة.
ولكن هذه المرة لم تكن الحاجة إلى قدرتها البدنية وطاقاتها الإنتاجية كعامل بسيط يشارك الرجل في الإنتاج، إنما الحاجة إلى جاذبيتها وجمالها وتخليها عن شرفها وكرامتها، وإلى قدرتها السحرية على تسخير الفكر والإرادة واستثمارها في فرض السلع على المستهلك.
الرعاية.. سر المودة
ويرى "آية الله مطهري" أن دعاة المساواة بمعنى التماثل الكامل غير منطقيين في دعوتهم؛ لأن إهمال الوضع الطبيعي والفطري للمرأة لن يؤدي إلى اكتساب المرأة المزيد من الرفاهية والسعادة، وإنما سوف يؤدي إلى إهدار حقوقها أكثر فأكثر؛ فلو أن الرجل أقام جبهة ضد المرأة، فقال لها: أنت فرد وأنا فرد، فيجب أن نتشابه في الأعمال والمسئوليات والأرباح والأجور والجزاء، ويجب أن تشاركيني الأعمال صعبها وثقيلها على السواء، فتأخذي أجرك بمستوى عملك لا تنتظري مني احتراما ولا دفاعا عن نفسك، وعليك أن تتكفلي جميع مصروفاتك، وتشاركيني في نفقة أطفالنا، وتدفعي عن نفسك الأخطار، وتنفقي عليّ بمقدار ما أنفق عليك من مال.
وفي هذه الحال تكون المرأة في وضع لا تُحسد عليه؛ ذلك أن طاقة المرأة وإنتاجها بالطبع أقل من الرجل، واستهلاكها للثروة أكثر منه، علاوة على صعوبات أيام الحمل والولادة وحضانة الرضيع، وهو ما يجعل المرأة محتاجة إلى حماية الرجل، وأن تكون مسئولياتها أقل وحقوقها أكثر، وهذا لا يخص الإنسان وحده؛ فكل الحيوانات التي تحيا حياة زوجية تكون هكذا؛ ففي جميع الأحياء يبادر الذكر إلى رعاية الأنثى بحكم الغريزة.
فاطمة سُئلت في علي
يواجه "مطهري" في هذا الموضوع ظروفا مشابهة في الواقع الإيراني لما يحدث في الواقع العربي، وذلك فيما يتعلق بالتقاليد السائدة التي تحجر على الفتيات حرية اختيار الزوج، ويتخذ الكثير من أولياء الأمور شرط موافقتهن على الزواج ذريعة في حرمان الفتيات من حق الاختيار، يقول مطهري: لقد زوّج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) عددا من بناته دون أن يصادر حقهن في الاختيار، وعندما خطب علي بن أبي طالب عليه السلام الزهراء عليها السلام من أبيها (ويقصد بالزهراء السيدة فاطمة رضي الله عنها)، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إن رجالا آخرين كانوا قد طلبوا يدها، وإنه -صلى الله عليه وسلم- أخذ رأيها فيهم، فكانت تشيح بوجهها (أمارة على عدم رضاها)، وأنه (صلى الله عليه وسلم) سوف يأخذ رأيها في الخاطب الجديد، وذهب الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى ابنته الزهراء، وأطلعها على الموضوع، بيد أن الزهراء لم تعرض هذه المرة كما كانت تفعل من قبل، وعبرت عن رضاها بسكوتها؛ فخرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من عندها وهو يكبر.
ويذهب "آية الله مطهري" إلى أن الفتاة إذا كانت ثيبا فإنها تملك أمرها كاملا كما هو الحال بالنسبة للفتى، وأنه لا خلاف أيضا حول حق الفتاة البكر في اختيار الزوج، وإنما الخلاف يقع حول موافقة الأولياء في الزواج هل هي شرط في صحته الزواج أم لا. ويذهب أيضا إلى أنه لا خلاف في هذه الحالة "إذا لم يأذن الأب بزواج ابنته ولم يكن لديه سبب معقول، فإن ولايته تسقط، ويحق للبنت أن تختار الزوج المناسب لها باتفاق كافة الفقهاء".
ويرى المطهري أن الذي يجب الاعتراض عليه في هذا المجال هو سلوك المسلين وليس القانون الإسلامي؛ فغالبية الآباء يعطون لأنفسهم السلطة المطلقة على بناتهم كما كان الأمر في أيام الجاهلية، ويعتبرون تعبير البنت عن رأيها في اختيار زوجها وشريك حياتها وأبي أولادها في المستقبل لونا من عدم الحياء وخروجا عن اللياقة الأدبية، ولا يقيمون وزنا للنضج الفكرى للفتاة، مع أن رأى الفتاة في الزواج أمر ثابت في الإسلام.
الرشد لا البلوغ
ويتعرض "آية الله المطهري" لقضية شديدة الخطورة، وهي أن الشرط في موافقة الفتاة للزواج لا يتعلق ببلوغها فقط، وإنما يجب التثبت من رشد الفتاة، فيقول في ذلك: ما أكثر عقود الزواج التي تقع قبل رشد الفتيات فتكون باطلة، ولا يترتب عليها أي أثر.. إن العاقدين لا يتثبتون من رشد الفتيات، ويعتبرون البلوغ وحده كافيا، بينما نعلم جميعا كيف كان كبار العلماء يتثبتون من النضج العقلي والفكري للفتيات قبل إجراء عقد قرانهن، كما تشير إلى ذلك الكثير من القصص، كما أن بعض العلماء كانوا يعتبرون النضج الديني للفتيات شرطا، فلا يعقدون قران البنت التي لا تستطيع أن تستدل فكريا على أصول الدين، ولكن الذي يؤسف له أن معظم أولياء الأطفال والعاقدين لا يراعون ذلك.
تُرى كم هي المسافة بين الواقع الذي نعيشه وتساق فيه الكثير من الفتيات كالشياه إلى الذبح أو حتى إلى الكلأ الوفير، وبين هذه الصورة النموذجية؟ فالمشكلة أساساً أن الكثير من الفتيات في المجتمعات لا يدركن أصلا مدى الحق الذي أوجبه لهن الإسلام في تلك المسألة الخطيرة والمصيرية (مسألة اختيار الزوج)، ومن ثَم يكُن في حالة استسلام مبدئي لهذا المصير.
حواء برئت من الغواية
ويتعرض "آية الله المطهري" للفكرة الإنسانية عن إخراج حواء لآدم من الجنة، فيقول: نجد القرآن يطرح فكرة جنة آدم بدون أن يشير أبدا إلى أن الشيطان أو الثعبان قد أغويا حواء، وأن حواء أغوت آدم، بل إنه لا يجعل حواء مسئولا رئيسا ولا يخرجها من الحساب، فالقرآن يقول: "يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما"، ثم حين يتطرق إلى وسوسة الشيطان نجده يتحول إلى التثنية في الحديث فيقول: "فوسوس لهما الشيطان فدلاهما بغرور وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين".
ويؤكد مطهري إلى أن الجزاء الأخروي والقرب من الله لا يرتبط بجنس الفرد ذكر أو أنثى، بل بالإيمان والعمل الصالح، سواء من قبل المرأة أو من قبل الرجل، ثم يضع القرآن بجانب كل رجل عظيم ومقدس امرأة عظيمة ومقدسة، فيذكر بكل تقدير زوجات آدم وإبراهيم وأمهات عيسى وموسى، وإذا كان قد أشار إلى زوجتيْ نوح ولوط على أنهما زوجتان غير صالحتين فقد أشار إلى زوجة فرعون على أنها امرأة عظيمة ابتليت برجل فاجر، وكأن القرآن قد حفظ في قصصه التوازن بين المرأة والرجل، ولم يقصر البطولة على الرجال فقط.
وفي سياق حديثه عن بلوغ بعض النساء الدرجات الكبرى في الإسلام فيقول: في التاريخ الإسلامي ذاته قديسات كثيرات وجليلات؛ إذ لم يبلغ الدرجة التي بلغتها خديجة الكبرى (رضي الله عنها) من الرجال إلا القليل، كما لم يبلغ درجة الزهراء (سلام الله عليها) رجل غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والإمام علي (عليه السلام)؛ فهي أفضل من أبنائها مع أنهم أئمة، وأفضل من كل الأنبياء غير الرسول (صلى الله عليه وسلم).
صاحبة الذمة المالية
قد يبدو مما هو شائع أن حق كفالة الرجل للمرأة يقابله في الإسلام حق رعاية المرأة للرجل، ولكن ما هو ثابت في الإسلام أن المرأة غير مسئولة عن خدمة الزوج بوجه ملزم، وهذا ما يجهله الكثيرون من مثقفينا أنفسهم، ويقول آية الله مطهرى في هذا الصدد من مسلمات الدين الإسلامي: "إن الرجل لا حق له في مال المرأة ولا عملها؛ فلا يمكن أن يأمرها بعمل ما، وإذا ما عملت، وحصلت على مال نتيجة عملها؛ فليس للرجال حق التصرف فيه بدون رضاها، ومن هذه الناحية يتساوى وضع المرأة والرجل، وعلى خلاف العادة المتبعة في أوربا المسيحية حتى أوائل القرن العشرين؛ فالمرأة المتزوجة في الإسلام ليست تحت قوامة الرجل في معاملاتها وعلاقاتها الحقوقية بل لها استقلال وحرية كاملة في إنجاز معاملاتها، والإسلام في الوقت الذي منح الزوجة مثل هذا الاستقلال الاقتصادي في مقابل الزوج، ولم يجعل للزوج حقا في مالها ولا عملها ولا معاملاتها".
مهرا لا ثمنا
وفي رده على إحدى العلمانيات التي ذهبت في وصفها للمهر أنه كما يدفع الرجل مبلغا من المال ليحوز بستانا أو حصانا، فإنه يدفع النقود من أجل شراء المرأة، كتب آية الله مطهري يقول: "لو كان الإسلام أعطى للرجل حق استخدام المرأة، ثم مصادرة ما تحصل عليه من مال لقاء علمها، لكانت فلسفة إنفاق الرجل على المرأة واضحة، لكن الإسلام لا يرى للرجل مثل هذا الحق، بل أعطى المرأة الحق في أن تملك، وأن تكسب المال، ولم يجعل للرجل حق التصرف في ثرواتها، بل اشترط على الرجل في نفس الوقت أن يؤمن مصروف العائلة ونفقات الزوجية والأولاد والخادم والمسكن ومختلف المصاريف".
وفي تفسير تكليف الإسلام للرجل الكفالة المالية للمرأة، يقول مطهري: "إن الطبيعة وضعت على عاتق المرأة مسئولية تعب ومعاناة عملية إنتاج النسل. كما إن إعفاء المرأة من السعي الجبري المنهل لقوامها من أجل لقمة العيش ليس في مصلحتها فقط، وإنما لمصلحة الرجل والمؤسسة الأسرية أيضا". وقد تكون هذه الفقرة الواقعية هي خير ما نختم به عرضنا لهذا السجل الحافل لفكر الإيرانيين عن حقوق المرأة في الإسلام.
-----------------------------
المصدر : اسلام اون لاين

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com