عبد الحليم ابو شقة
فند الدكتور يوسف القرضاوي أدلة المعارضين لحق المرأة في الترشيح ورد على الشبهات التي أثاروها ويرى أن مشاركة المرأة في المجالس النيابية لا تتعارض مع المصلحة الاجتماعية بل إن المصلحة الاجتماعية تقتضي هذه المشاركة. فيقول:
((هناك من يستدلون على منع المرأة من الترشيح للمجلس النيابي بأن هذا ولاية على الرجال، وهي ممنوعة منها. بل الأصل الذي أثبته القرآن الكريم أن الرجال قوامون على النساء، فكيف نقلب الوضع وتصبح النساء قوامات على الرجال؟ وأود أن أبين هنا أمرين:
الأول: أن عدد النساء اللائي يرشحن للمجلس النيابي سيظل محدوداً. وستظل الأكثرية الساحقة للرجال، وهذه الأكثرية التي تملك القرار، وهي التي تحل وتعقد فلا مجال للقول بأن ترشيح المرأة للمجلس سيجعل الولاية للنساء على الرجال.
الثاني: أن الآية الكريمة التي ذكرت قوامية الرجال على النساء، إنما قررت ذلك في الحياة الزوجية فالرجل هو رب الأسرة، وهو المسؤول عنها، بدليل قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض . وبما أنفقوا من أموالهم) (سورة النساء) فقوله: (بما أنفقوا من أموالهم) يدلنا على أن المراد القوامة على الأسرة. وهي الدرجة التي منحت للرجال في قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهم بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (سورة البقرة). أما ولاية بعض النساء على بعض الرجال ـ خارج نطاق الأسرة ـ فلم يرد ما يمنعه بل الممنوع هو الولاية العامة للمرأة على الرجال.
والحديث الذي رواه البخاري عن أبي بكرة (رض) مرفوعاً: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) إنما يعني الولاية العامة على الأمة كلها أي رئاسة الدولة كما تدل عليه كلمة (أمرهم) فإنها تعني أمر قيادتهم ورياستهم العامة. أما بعض الأمر فلا مانع أن يكون للمرأة ولاية فيه، مثل ولاية الفتوى أو الاجتهاد أو التعليم أو الرواية والتحديث أو الإدارة ونحوها. فهذا مما لها ولاية فيه بالإجماع، وقد مارسته على توالي العصور، حتى القضاء أجازه أبو حنيفة فيما تشهد فيه. أي في غير الحدود والقصاص. مع أن من فقهاء السلف من أجاز شهادتها في الحدود والقصاص، كما ذكر ابن القيم في (الطرق الحكمية). وأجازه الطبري بصفة عامة، وأجازه ابن حزم، مع ظاهريته. وهذا يدل على عدم وجود دليل شرعي صريح يمنع من توليها القضاء وإلا لتمسك به ابن حزم وجمد عليه وقاتل دونه كعادته.
ومن الشبهات التي أثارها بعض المعارضين لترشيح المرأة في المجلس النيابي قولهم: إن عضو المجلس أعلى من الحكومة نفسها. بل من رئيس الدولة نفسه، لأنها ـ بحكم عضويتها في المجلس ـ تستطيع أن تحاسب الدولة ورئيسها. ومعنى هذا أننا منعناها من الولاية العامة، ثم مكناها منها بصورة أخرى. وهذا يقتضي منا إلقاء الضوء بالشرح والتحليل لمفهوم العضوية في المجلس الشورى أو النيابي. ومن المعلوم أن مهمة المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية الحديثة ذات شقين، هما المحاسبة والتشريع. وعند تحليل كل من هذين المفهومين يتضح لنا ما يأتي:
المحاسبة في تحليلها النهائي حسب المفاهيم الشرعية ترجع إلى ما يعرف في المصطلح الاسلامي بـ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وبـ (النصيحة في الدين) وهي واجبة لأئمة المسلمين وعامتهم. والأمر والنهي والنصيحة مطلوبة من الرجال والنساء جميعاً. والقرآن الكريم يقول بصريح العبارة: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وما دام من حق المرأة أن تنصح وتشير بما تراه صواباً من الرأي. وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقول: هذا صواب وهذا خطأ بصفتها الفردية فلا يوجد دليل شرعي يمنع من عضويتها في مجلس يقوم بهذه المهمة. والأصل في أمور العادات والمعاملات الإباحة إلا ما جاء في منعه نص صحيح صريح. وما يقال من أن السوابق التاريخية في العصور الاسلامية لم تعرف دخول المرأة في مجالس الشورى فهذا ليس بدليل شرعي على المنع، وهذا مما يدخل في تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال. والشورى لم تنظم في تلك العصور تنظيماً دقيقاً لا للرجال ولا للنساء، وهي من الأمور التي جاءت فيها النصوص مجملة مطلقة وترك تفصيلها وتقييدها لاجتهاد المسلمين حسب ظروفهم الزمانية والمكانية وأوضاعهم الاجتماعية.
والشق الثاني من مهمة مجلس الشعب يتعلق بالتشريع. وبعض المتحمسين يبالغون في تضخيم هذه المهمة زاعماً أنها أخطر من الولاية والإمارة، فهي التي تشرع للدولة وتضع لها القوانين، لينتهي إلى أن هذه المهمة الخطيرة الكبيرة لا يجوز للمرأة أن تباشرها. والأمر في الحقيقة أبسط من ذلك وأسهل فالتشريع الأساسي إنما هو لله تعالى وأصول التشريع الآمرة الناهية هي من عند الله سبحانه، وإنما عملنا نحن البر هو استنباط الحكم فيما لا نص فيه أو تفصيل ما فيه نصوص عامة. وبعبارة أخرى عملنا هو (الاجتهاد) في الاستنباط والتفصيل والتكييف. والاجتهاد في الشريعة الاسلامية باب مفتوح للرجال والنساء جميعاً. ولم يقل أحد إن من شروط الاجتهاد ـ التي فصل فيها الأصوليون ـ الذكورة، وأن المرأة ممنوعة من الاجتهاد.
ومما لا جدال فيه أن ثمة أموراً في التشريع تتعلق بالمرأة نفسها وبالأسرة وعلاقاتها، ينبغي أن يؤخذ رأي المرأة فيها وألا تكون غائبة عنها ولعلها تكون أنفذ بصراً في بعض الأحوال من الرجال...
على أننا حين نقول بجواز دخول المرأة في مجلس الشعب، لا يعني ذلك أن تختلط بالرجال الأجانب عنها بلا حدود ولا قيود، أو يكون ذلك على حساب زوجها وبيتها وأولادها، أو يخرجها ذلك عن أدب الاحتشام في اللباس والمشي والحركة والكلام. بل كل ذلك يجب أن يراعي بلا ريب ولا نزاع من أحد).
|