للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا

ملفات حواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الواقع الحياتي العرفي في الأسرة ينشئ وضعاً حقوقياً

* الشيخ محمد مهدي شمس الدين
إن قصة الخدمة المنزلية ذات أهمية قصوى في الحياة الزوجية للغالبية الكبرى من الأزواج والزوجات (الأسر) عند المسلمين وغيرهم من البشر. ومثل ذلك في الأهمية رعاية الأطفال والعناية بهم مادياً ومعنوياً. وفي بعض الفئات الاجتماعية تحتل قضية العمل في مجال الكسب الاقتصادي في الزراعة والحرف الأخرى، أهمية كبيرة في العلاقات الزوجية عند إرادة تكوين الأسرة.
وقد جرى عرف أغلب البشر على قيام الزوجة بالأعمال المنزلية المألوفة من إعداد الطعام، وترتيب المنزل، ورعاية الأطفال، وغير ذلك مما يتصل به ويناسبه.
كما جرى عرف كثير من البشر ـ في بعض الفئات الاجتماعية (الفلاحين مثالاً) ـ على مشاركة الزوجة لزوجها في العمل لكسب المال والثروة، كالعمل الزراعي في الحقول، أو تولى بيع السلع في الدكان، أو القيام بأعمال مأجورة في المنزل الزوجي، من قبيل الغزل والنسج والخياطة والتطريز وغيرها من الأعمال الحرفية، وذلك لأجل المساهمة في نفقة الأسرة.
ولدى غالبية الناس ارتكاز ذهني بأن هذه الأمور من واجبات الزوجة (خاصة العمل المنزلي) ومن حقوق الزوج عليها، بحيث لو طرحت قضية أن الزوجة لا تجب عليها الخدمة في بيت الزوجية، ولا رضاعة الأطفال ولا خدمتهم وحضانتهم، لامتنع كثير من الرجال ـ بل لعل أكثرهم ـ من الزواج بامرأة لن تقوم بهذه المهمات (وخاصة الخدمة المنزلية ورعاية الأطفال) أو يشكون بذلك منها. ولصرحوا ـ في حالة زواجهم ـ بها باشتراط قيام الزوجة طوعاً ومجاناً. ولو علمت النساء بأنه ليس عليهن مسؤوليات من هذا القبيل لفاجئهن ذلك واعترتهن الدهشة والتعجب منه.
ولعل روايتي تقسيم العلم بين الإمام علي (ع) والسيدة فاطمة (ع) تعبران عن هذا الارتكاز العرفي عند الناس، بقطع النظر عن صحة وعدم صحة سندهما، فهذا يتوقف عليه حجيتهما في الدلالة على الحكم الشرعي، ولسنا بصدد استفادة ذلك منهما هنا، بل بصدد استفادة وجود هذا الارتكاز، وهما تدلان عليه وإن كانتا موضوعتين، إذ إنهما تعبران عن واقع حياتي موجود وراسخ في حياة الناس العائلية والاجتماعية، وإلا فمن غير الممكن أن يخترع الواضع أمراً غير مألوف عند الناس ويدعي حكماً شرعياً له، لأنه سيبين كذبه بوضوح، فلا بد أن يكون المورد من الأمور المألوف في حياة الناس في المجال المدعى ورود الحكم الشرعي فيه.
وقد بينا أن الروايات غير الواجدة لشرائط الحجية يمكن الاستفادة منها في مقام الاستنباط في باب السيرة المتشرعية والعرف العام والأعراف الخاصة.
وهذا الارتكاز لا يتنافى مع حصر حق الزوج في الاستمتاع والمساكنة على النحو الذي تقدم بيانه، حيث أن ذلك لا يقتضي حصر المشروعية به، وعدم مشروعية قيام الزوجة بأية خدمة لزوجها ولأسرتها، بل غاية ما يقتضي عدم إلزامها بذلك بدعوى أنه من مقتضيات عقد الزوجية بمقتضى طبعه وأصل تشريعه، وهذا لا ينافي قيامها بذلك أو ببعضه تبرعاً أو لسبب من عقد أو شرط.
إن هذا الواقع الحياتي العرفي المرتكز في الأذهان على نحو ارتكاز البديهيات والمسلمات التي لا يلتفت العرف إلى لزوم ذكرها في العقود، يجعل من (الخدمة المنزلية ـ في الجملة ـ ورعاية الأطفال ـ في الجملة ـ ) من الشروط الارتكازية الضمنية التي يبنى عليها العقد، من قبيل الصحة في المبيع، والتسليم في بلد العقد، كون الثمن بنقد البلد، وما إلى ذلك.
ولكن متعلق هذا الارتكاز مجهول المقدار من حيث الكثرة، ولذا فلا بد من الاقتصار في مقام استيفائه على القدر المتيقن، وهو الحد الأدنى الذي ليس منه رضاعة الأطفال وحضانتهم الذي نصّ القرآن على أنه عمل تستحق الزوجة ـ الأم عليه الأجرة.
ولذا فإنه في حالة وجود هذا الارتكاز، واعتبار العقد مبنياً عليه عند الالتفات إلى قضية الخدمة، لا يجوز للزوج أن يطلب أية خدمة يشك كفي كونها داخلة في القدر المتيقن، وللزوجة الامتناع عن القيام بها أو المطالبة بالعوض عليها.
هذا، ولكن المعروف السائد في المجتمعات الإسلامية هو غلو الأزواج في استيفاء الخدمة المنزلية ورعاية الأطفال من الزوجة، بل يتعدى بعضهم ـ جهلاً وظلماً ـ في الأرياف والبيئات الجاهلة، إلى مطالبة الزوجة أن تشارك في أعباء العمل الزراعي والحرفي الذي يقوم به الزوج، إضافة إلى الأعمال المنزلية ولوم الزوجة وتعنيفها إذا تراخت في ذلك أو امتنعت من القيام به.
وهذا واقع في الأسرة المسلمة لا يقره الشارع الإسلامي تكابد منه الزوجة قساوة أوضاع مفروضة عليها في حياتها الزوجية العائلية تحولها إلى خادم بلا كرامة ولا حقوق.
وهذا وضع يجب على المهتمين بتصحيح حياة المسلمين وترشيدها على هدى الإسلام، أن يولوه اهتمامهم على مستوى التعلم والإرشاد والتثقيف من جهة، وعلى مستوى تنظيم تشريع عقود الزواج وتفصيلها على نحو حفظ الزوجة من أن تكون ضحية استغلال ناشئ من جهل الزوج أو ظلمه استناداً إلى أعراف وعادات مخالفة لنص الشريعة، وأخلاقيات الإسلام، وحقوق الإنسان في الإسلام.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com