|
* حياة الرايس
إن قصة ((الحياة بدأت للتو)) من مجموعة غادة السمان ((زمن الحب الآخر)).. تعالج مشكلة رجل وامرأة، تجمع بينهما علاقة حب، هي علاقة مثقف بمثقفة.
((أحمد)) رئيس تحرير مجلة ((وعيوش)) كاتبة قصة وصحفية بذات المجلة.. دخل عليها أحمد ذات يوم وهي تنتظره بلهفة وشوق وقد تخلصت من أعباء العمل لتتفرغ له كلياً، وقد تفتحت كل حواسها لاستقباله.
فإذا به يعود حاملاً كيساً من الملوخية وحزمة ((الكزبراء)) و ((الثوم)) قائلاً: ((لقد دعوت إلى العشاء بعض الصحفيين العراقيين الضيوف المعجبين بكتاباتك... وداعاً، أنا ذاهب إلى المجلة وسأعود معهم في الثامنة مساء أرجو أن يكون كل شيء جاهزاً)).
تجتاح ((عيوش)) موجات غضب ولمَ؟ وقد ظنت نفسها قد تخلصت من أسر الزواج التقليدي، وخرجت تماماً من نسقه. تقوم على المسؤولية المشتركة وعلى الديمقراطية والتشاور واحترام الآخر. فإذا بها، أمام زوج تقليدي يأسرها في المطبخ دون استشارتها ويلزمها بضيوف لا يأخذ رأيها في استضافتهم ويخرج إلى عمله دون اكتراث بعملها أو بمواعيد شغلها، أو بمدى استعدادها لتلك الدعوة.
تقول عيوش: ((غضبت لأنه مُصرّ على أن ألعب دور الأنثى كما يتخيله، هو يذهب إلى عمله، أنا أذهب إلى مطبخه وهو أيضاً مُصرّ على إقناع الزملاء بهذه الصورة: ها هي تطبخ لنا، أليس طبخها خيراً من كتاباتها.
قالها مساءً على العشاء، وأيده أحدهم بحماس، بينما نظر إليه آخرون بشفقة..)) تظن المرأة في كثير من الأحيان، أن مجرد لقائها بمثقف ,قد مهد لها أرضية من الحوار والديمقراطية والندية والتعامل الكفء، والسلوك الحضاري، وأنها قد رمت عنها آخر قيودها، ولم تعد تابعة خاضعة، بل طرفاً وشريكاً له رأيه وله كيانه ووجوده واستقلاليته، فإذا به يردها إلى أدوارها التقليدية الأولى ويتجرد من أقنعته ليظهر على حقيقته، سيداً متسلطا أنانياً، ذكراً يمارس كل صلاحياته الاجتماعية مستنداً في ذلك إلى نمط السلوك التقليدي السائد عند العامة، وفي خلفية المجتمع.
فإذا المثقف رجل عامي، لا يختلف عن الرجل التقليدي إلى في التنظير لخطاب مختلف، أما في السلوك فإنهما يلتقيان. على أرضية واحدة، وربما كان الرجل التقليدي أكثر نزاهة لأن خطابه لا يتناقض مع سلوكه بل هو يطرح نفسه كما هو.
نعود إلى القصة: تقول له عيوش، بعد انصراف الضيوف ((لا تكرر هذه المهزلة كي لا تفقدني)).. من واجبك في المرة القادمة، أن تستفسر عن مواعيد عملي ورغبتي في الطبخ أو لا، ورغبتي في لقاء فلان أو لا قبل أن تجرؤ وتحدد لي مخططي ا لحياتي دونما استشارة أو استئذان، قال ضاحكاً: ((لماذا أستشيرك؟ هذا عملك الأساسي، ولماذا العمل في الصحافة ما دمت قد وجدت عريساً ((أحمق)) هو أنا؟
وتقدم مني ليضمني إليه ويخدرني، هربت، قلت له إذا كان الزواج يعني هذا الإذلال السري، فإنني أنسحب من هذا المشروع..
تذكرت كيف كان يمتدح طبخي كلما حاول أحد الضيوف أن يحاورني عن كتاباتي فازداد غضبي التهاباً..)).
الخلاصة:
نستنتج من كل ما سبق مدى الإحباط والغربة والشعور بالإهانة التي يمكن أن تسقط فيها المرأة، بسبب الهوة التي تفصل بينها وبين الرجل وبسبب الاختلاف في مستوى الوعي.
لذلك فإن كل حركات التحرير التي تهتم بتوعية المرأة منفصلة عن توعية الرجل ومنفصلة عن دورة الحياة الاجتماعية وعن الخلفية التاريخية إنما هي حركات منقوصة غير سليمة، لأنها تتنفس برئة واحدة مبتورة وعاجزة كمن يصفق بيد واحدة..
قضية المرأة يجب أن تدمج في قضية المجتمع ووضعية المرأة لن تتغير إلا بتغيير التركيبة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والتربية.
ذلك أن قضية المرأة هي بالأساس قضية تربوية تتعلق بتكوين النشء وتأهيل الأجيال وتربيتهم على قيم الحق والمساواة والمسؤولية المشتركة.. وتتعلق بمحتوى برامج التعليم ومدى استجابتها لمشروع المجتمع المدني الذي نسعى إلى تحقيقه.
وهي قضية سياسية لأنها تتعلق بحرية الفرد رجلاً كان أو امرأة وتتعلق بالديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان وتشريك المرأة في صنع القرار وسن القوانين التي تخفف من حدة التمييز بين الجنسين.
وهي قضية اقتصادية، لأنها تتعلق بحق المرأة في العمل وتتعلق بعدالة توزيع الثروات وبالمساواة في الأجور وبإتاحة فرص العمل بالتساوي بين المرأة والرجل، ودخول المرأة ميادين عمل كانت حكراً على الرجل.. وبدور المرأة في التنمية.
وهي قضية ثقافية لأنها تتعلق باكتساب وعي جديد يقطع مع السائد ومع نظرية الفوارق الفطرية والامتيازات الربانية. لأنه لا أحد يولد متفوقاً متميزاً، وإنما يصبح كذلك بفعل تربية تقوم على التميز والتفرقة، تربية نسعى إلى تغييرها وزرع مكانها قيم الندية. وإعادة توزيع الأدوار واحترام الآخر واحترام حقه في الاختلاف خاصة. وهنا تحضرني قولة ((سيمون دي بوفوار)): ((لا تولد المرأة امرأة وإنما تصبح كذلك..)) تقصد بفعل التربية.
لذلك لن تتحرر المرأة حتى يتحرر الرجل من كل القيود التي تكبله، وأولها الوهم الكبير الذي يعيش عليه وهو اعتقاده بأنه حر..
أن يتحرر من حالة الانفصام وازدواجية الخطاب وأن يتحرر من كثير من الأساطير والصور البالية التقليدية التي ورثها عن المرأة.
وفي مرحلة انتقالية كالتي تعيشها مجتمعاتنا التي تطمح إلى تأسيس مشروع نهضوي سليل حركات الإصلاح الأولى، يكون امتداداً لها وتواصلاً معها. ليس أمام المرأة والرجل إلا أن يتحدا على إعادة النظر في كل شيء. وذلك بخلخلة الثوابت البائدة وزعزعة السائد والشك في التقليديات (على حد تعبير الغزالي) وتخطي المحرمات والتابو والتخلص من كل كوابيس الجنس..
وأن يضعا موضع السؤال نوعية علاقتهما، هذه العلاقة التي لا يجب أن تبقى محكومة بقوانين الإنسان الأول فكما أن الإنسان يتطور يجب أن تتطور علاقته بالآخر وبالعالم وبالأشياء. لقد حان الوقت للتخلص من القوالب الجاهزة والأنساق السائدة والأوهام المتغلغلة في العقليات وإعادة النظر في العادات والتقاليد، في التراث في مفهوم الحداثة، في الدين الذي يجب أن يقرأ قراءة جديدة، وعلى المرأة أن تشارك في هذه القراءة، وفي التأويل والاجتهاد لكي لا تبقى المفعول بها والمشرع لها دائماً.
يجب أن نكفّ عن اجترار العلاقات المريضة وأن نؤسس علاقات سليمة صحية في مجتمع الحرية والمسؤولية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
|