أحمد فائز
إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية. وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة. فالاسلام يعترف بذلك الميل حقيقة واقعة، لا بد من مواجهتها بحلول واقعية إيجابية... هذه الحلول الواقعة هي تيسير الزواج، والمعاونة عليه، مع تصعيب السبل الأخرى للمباشرة الجنسية وإغلاقها نهائياً: يقول الله سبحانه: (وأنكحوا الأيامى منكم، والصالحين من عبادكم. ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. والله واسع عليم. وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله. والذين يتبغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ـ إن علمتم فيهم خيراً ـ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ـ إن أردن تحصناً ـ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا. ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم)..
الزواج هو الغاية النظيفة لهذا الميل الفطري. فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها. والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس. والاسلام نظام متكامل، فهو لا يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها، وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء. فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامداً غير مضطر.
لذلك يأمر الله الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال: (وأنكحوا الأيامى منكم. والصالحين من عبادكم وإمائكم. ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله)...
والأيامى هم الذين لا أزواج لهم من الجنسين.. والمقصود هنا الأحرار. وقد أفرد الرقيق بالذكر بعد ذلك: (والصالحين من عبادكم وإمائكم). وكلهم ينقصه المال كما يفهم من قوله بعد ذلك: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله).
وهذا أمر للجماعة بتزويجهم. والجمهور على أن الأمر هنا للندب. ودليلهم أنه قد وجد أيامى على عهد رسول الله (ص) لم يزوجوا. ولو كان الأمر للوجوب لزوجهم. ونحن نرى أن الأمر للوجوب، لا بمعنى أن يجبر الإمام الأيامى على الزواج، ولكن بمعنى أنه يتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج، وتمكينهم من الإحصان، بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية، وتطهير المجتمع من الفاحشة. وهو واجب. ووسيلة الواجب واجبة.
وينبغي أن نضع في حسابنا ـ مع هذا ـ أن الاسلام ـ بوصفه نظاماً متكاملاً ـ يعالج الأوضاع الاقتصادية علاجاً أساسياً، فيجعل الأفراد الأسوياء قادرين على الكسب، وتحصيل الرزق، وعدم الحاجة إلى مساعدة بيت المال. ولكنه في الأحوال الاستثنائية يلزم بيت المال ببعض الإعانات... فالأصل في النظام الاقتصادي الاسلامي أن يستغني كل فرد بدخله. وهو يجعل تيسير العمل وكفاية الأجر حقاً على الدولة واجباً للأفراد. أما الإعانة من بيت المال فهي حالة استثنائية لا يقوم عليها النظام الاقتصادي في الاسلام.
فإذا وجد في المجتمع الاسلامي ـ بعد ذلك ـ أيامى من فقراء وفقيرات، تعجز مواردهم الخاصة عن الزواج، فعلى الجماعة أن تزوجهم. وكذلك العبيد والإماء غير أن هؤلاء يلتزم أولياؤهم بأمرهم ما داموا قادرين.
ولا يجوز أن يقوم الفقر عائقاً عن التزويج ـ متى كانوا صالحين للزواج راغبين فيه رجالاً ونساء ـ فالرزق بيد الله. وقد تكفل الله بإغنائهم، إن هم اختاروا طريق العفة النظيف: (ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله).
وقال رسول الله (ص): ((ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)). وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنهم الله بالزواج: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله).. والله لا يضيق على من يبتغي العفة، وهو يعلم نيته وصلاحه.
وهكذا يواجه الاسلام المشكلة مواجهة عملية، فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج، ولو كان عاجزاً من ناحية المال، والمال هو العقبة الكؤود غالباً في طريق الإحصان.
ولما كان وجود الرقيق في الجماعة من شأنه أن يساعد على هبوط المستوى الخلقي، وأن يعين على الترخص والإباحية بحكم ضعف حساسية الرقيق بالكرامة الانسانية. وكان وجود الرقيق ضرورة إذ ذاك لمقابلة أعداء الاسلام بمثل ما يعاملون به أسرى المسلمين. لما كان الأمر كذلك عمل الاسلام على التخلص من الأرقاء كلما واتت الفرصة. حتى تتهيأ الأحوال العالمية لإلغاء نظام الرق كله، فأوجب إجابة الرقيق إلى طلب المكاتبة على حريته. وذلك في مقابل مبلغ من المال يؤديه فينال حريته (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم. إن علمتم فيهم خيراً)..
وأخطر من وجود الرقيق في الجماعة، احتراف بعض الرقيق للبغاء. وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها ـ وهذا هو البغاء في صورته التي ما تزال معروفة حتى اليوم ـ فلما أراد الاسلام تطهير البيئة الاسلامية حرم الزنا بصفة عامة، وخص هذه الحالة بنص خاص: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء، إن أردن تحصناً. لتبتغوا عرض الحياة الدنيا. ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم).
فنهى الذين يكرهون فتياتهم على هذا المنكر، ووبخهم على ابتغاء عرض الحياة الدنيا من هذا الوجه الخبيث. ووعد المكرهات بالمغفرة والرحمة، بعد الإكراه الذي لا بد لهن فيه.
قال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبدالله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين، وكانت له جارية تدعى معاذة، وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها، إرادة الثواب منه، والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر فشكت إليه ذلك، فذكره أبو بكر للنبي (ص) فأمره بقبضها. فصاح عبدالله بن أبي: من يعذرنا من محمد؟ يغلبنا على مملوكتنا! فأنزل الله فيهم هذا.
هذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء ـ وهن يردن العفة ـ ابتغاء المال الرخيص كان جزءاً من خطة القرآن في تطهير البيئة الاسلامية، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي. ذلك أن وجود البغاء يغري الكثيرين لسهولته، ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف. ولا عبرة بما يقال من أن البغاء صمام أمن، يحمي البيوت الشريفة، لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج. أو تهجم الذئاب المسعورة على الاعراض المصونة، إن لم تجد هذا الكلأ المباح!
ان في التفكير على هذا النحو قلباً للأسباب والنتائج. والميل الجنسي يجب أن يظل نظيفاً بريئاً موجهاً إلى امداد الحياة بالأجيال الجديدة. وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج. فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجاً خاصاً... وبذلك لا تحتاج إلى البغاء، وإلى إقامة مقاذر انسانية، يمر بها كل من يريد أن يتحفف من أعباء الجنس، فيلقي فيها بالفضلات، تحت سمع الجماعة وبصرها!
إن النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تعالج، بحيث لا تخرج مثل هذا النتن. ولا يكون فسادها حجة على ضرورة وجود المقاذر العامة، في صورة آدمية ذليلة.
وهذا ما يصنعه الاسلام بنظامه المتكامل النظيف العفيف، الذي يصل الأرض بالسماء، ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله.
|