د.احسان الأمين
لا بدّ أن يكون برنامج الحفاظ على الأسرة في مقدّمة برامج الدول والمؤسسات الشعبية ضمن تخطيط متكامل يلاحظ فيه ما يلي :
1 ـ الحفاظ على كيان الأسرة في أيّة خطّة تنموية شاملة أو برامج اقتصادية واجتماعية أو ثقافية ، ويلاحظ موضوع تأمين السّكن أو مساعدات الزواج والأولاد ، والتحاق الزوجة بزوجها أو العكس في مكان الإقامة والعمل .
إنّ مشكلة السّكن أو تردِّي الوضع الاقتصادي ، كان طبقاً لبعض التقارير من أكثر العوامل المعيقة للزواج ، لذا كان من الواجب وضع الخطط لتيسيرها وتهيئة وحدات سكنية صغيرة ومناسبة .
2 ـ الحفاظ على شخصية المرأة المتميِّزة بالاحترام والرعاية والتقدير ، وإلغاء أيّة تشريعات تسيء إلى المرأة ، أو تعرِّضها لظروف عمل أو دراسة أو سكن لا تناسبها ، وضمان حقوق المرأة زوجةً وأمّاً ، وإقرار مبدأ الكفالة الاقتصادية والاجتماعية لها من قِبَل الزوج ، أو الأبناء ، والمجتمع والدولة .
إنّ التفريط بأنوثة المرأة فاجعة كبيرة على الحياة النفسية للمجتمع ، لأ نّها ستفقد بذلك سحرها وجمالها ، وسـتجعل الرجال أقلّ ميلاً لتشكيل الأسرة ، لتوفّر الجسد الرخيص وفقدان روعة الروح وتألّقه .
3 ـ محاربة كافّة أشكال الفساد من بغاء ودعارة ، أو انحرافات جنسية وخلقية ، كأكثر الوسائل التي تهدم الأسرة ، وتعيق نموّ المجتمع وتكامله ، وتضرّ بسلامة الأفراد : رجالاً ونساءً ، إذ هي الوسائل الأكثر فاعلية في نقل الأمراض ، إضافة إلى سقوط الذِّمم والأخلاق .
وممّا يؤسَف له أن تتواجد بيوت الدعارة علانية في العديد من الدول العربية والاسلامية ، دون أي رادِع من ضمير أو وجدان ، أو صدٍّ من تشريع وقانون ، مع الموقف الشديد للاسلام من هذه الرذيلة التي تحطِّم المجتمع ، وتُنزِل بالمرأة والرجل إلى مستوى البهيمية ، وعلى الرغم من الحظر الدولي للدعارة .
4 ـ ومن العوامل الرئيسـة التي تفتك بحياة الأسرة وتنخرها من الداخل ، هي الاستفادة من الكحول والمخدّرات ، فإنّ هذه تفقد مدمنها والمستفيد منها عقله ووعيه وتضعف إرادته ، وبالتالي يعرِّض أهله لسوء المعاملة وربّما الإدمان أيضاً ، ويواجه أطفال المدمنين ـ على الخمر ـ جوّاً من القلق والإضطراب ووضعاً نفسياً مريضاً مصحوباً باليأس والخيبة . وقد لوحظ أنّ كثيراً من نساء المدمنين ربّما يلجأنَ للانتحار تخلّصاً من الوضع الذي يواجهنه ، وأنّ نصف أولادهم يبتلون بالإدمان في المستقبل ، ويتطلّب ذلك خططاً لمواجهة تفشِّي تناول الخمر والعمل على حظر ذلك وتوعية الناس خصوصاً الشباب بمخاطره .()
5 ـ ومن العوامل الرئيسـة في إعاقة الزواج ، العادات والتقاليد والسنن الاجتماعية في الزواج ، ومنها ارتفاع قيمة المهر ، وإجراء مراسم الزواج بشكل مُكلِّف للزّوج ، وعدم تناسب شرائط وأوضاع الزواج مع الظروف والحياة والعمل الجديدة .
إنّ أوضاع الزواج في معظم مجتمعاتنا لا تطابق الدِّين ولا تلائم العصر والزمان ، فالدِّين أكّد على انخفاض المهر وتسهيل عملية الزواج ، ووفّر شرائطه ، والزمان المعاصر يتم فيه تسجيل الزواج بدقائق ، وربّما بدون مراسم وتشريفات .
6 ـ تتطلّب الحياة الحديثة من ظروف لإكمال الدراسة الجامعية وتحصيل العمل المناسب وتوفير السّكن سنوات عديدة قد تمتد حتى يتجاوز الشبّان : فتياناً وفتيات المرحلة المزدهرة والممتعة من العمر من دون زواج ، إمّا بالكبت والحرمان ، ولهذا آثاره السلبية ، وإمّا بالعلاقات غير المشروعة ، ولتلك مآسيها وآثامها ، لذا ينبغي على أولياء الاُمـور : ساسة وعلماء وآباء وأمّهات أن يعملوا على توفير فرص للزواج ضمن الدراسة أو العمل وبأجواء سهلة وبتكاليف بسيطة ، لا تعيق عمل الفرد أو دراسته ، ولا تعرِّضه للضغوط النفسية والمشاكل الصحية والاجتماعية الناتجة عن تأخّر الزواج ، ويحتاج ذلك إلى التعامل مع هذه الأمور بوعي وواقعية ، فيمكن مثلاً إجراء العقد بين الزوجين وتأجيل المراسم أو الاقتران العملي لما بعد ، حتى يستثمرا شبابهما بالعلاقات الشرعية والحبّ النظيف لحين توفّر فرصة العيش المشترك بعد ، وتعمل الجامعات والمؤسسات الخيرية لتوفير السّكن الجامعي البسيط للمتزوِّجين ، وأن يتقبّل الأزواج الجدد العيش مع أهاليهم والتمتّع بحمايتهم ورعايتهم لحين توفّر سكن مستقل .
7 ـ العمل على تحصين الشباب ، فتياناً وفتيات ، بالثقافة الحياتية المطلوبة والوعي الديني الملتزِم ، لغرض مواجهة موجات الفساد والإفساد العالمية بموقف رصين وإرادة صلبة تستند إلى الموقف الشرعي والمعرفة المتكاملة بما ينبغي عمله وما يجب تجنّبه ، وإحاطة جيِّدة بالمخاطر الصحية والاجتماعية لكل الآفات الاجتماعية ، كالزِّنا والانحراف الجنسي والكحول والمخدّرات ، والانسياق النفسي وراء المظاهر الزائفة التي تهزّ شخصية الانسان وتعرِّضه للاضطراب وتعيق حركة رشده وتكامله .
8 ـ لا شكّ أنّ لوسائل الدعاية والاعلام بمختلف أنواعها دوراً كبيراً في تشكيل الرؤى والاتجاهات عند الانسان ، وفي تحريك ميوله وإثارة غرائزه ، أو العكس ، وبالتالي في نفس الوقت الذي يجب العمل على الاستفادة من التطوّر العالمي لوسائل الاتصال والأجهزة المعلوماتية ، وتسخير هذه الفرصة الثمينة للاطلاع على نتاجات البشرية الثقافية... يجب العمل على تحديد تأثير هذه الوسائل على الشباب سلبياً بأقل ما يمكن ، وعدم فسح المجال لقنوات التلفزة وبرامج الانترنيت المبتذلة ، والتي تعمل على هدم أسس المجتمع وتحطيم كل شيء مقابل لذّة وقتية لا تدوم .
إن الخطط التربوية في السابق ربّما كانت تقوم على أساس حجب المعلومات المضرّة عن الفرد الناشئ ، وبسبب عالمية وسائل الاتصال اليوم وتداخل بعضها مع البعض، أصبح هذا الأمر غير ممكن، لذا يجب أن تتوجّه خطط الارشاد والتوعية على أساس تنمية قدرة الانتخاب وإرادة الاختيار لدى الفرد رغم اطِّلاعه على السيِّئ من الأمور . تماماً كما هو الحال مع الأفراد الراشدين والذين يعيشون في مجتمعات غربية إباحية ، ولكنّهم رغم ذلك ، وبسبب التربية والوعي ، يحافظون على أنفسهم ولا يخلّون بالتزاماتهم الدينية والأخلاقية ، ومتابعتهم بالنّصح والتوجيه اللاّزمين .
balagh.com
|