دبلوماسية البيت

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

لماذاالحلول السليمة أفضل في معالجة إضطرابات الأولاد؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* د. خليل محسن
بعد أن تحدثنا ملياً عن الأساليب الطبيعية اللازمة للتربية العائلية الصحيحة، سنتكلم عن قوّة العضلات التي يعتمدها عدد كبير من الأهل، قاصدين من خلالها تأديب وتهذيب الأولاد. إنني لا أتهجم على هذا النمط من الأساليب القديمة، مع العلم بأنني من الذين لا يحبذون هذه الطريقة في التربية ولا أشجعها.
رغبتي الوحيدة تتمثل بضرورة حل المشاكل العائلية عن طريق المفاوضات المباشرة التي تعتبر خير أسلوب للبقاء على توازن عائلي صحيح وسليم.
الحلول السليمة تبقى أفضل من غيرها في معالجة أكثر الاضطرابات التي تصدر عن الأولاد.
على كل حال وفي بعض الحالات القصوى، وفي حال نفاذ أكثر الحلول السلميّة اعتقد بأنه يتوجب على الأهل استعمال الشدّة، لمحاولة إعادة الولد الشاذ إلى الصراط المستقيم.
بعض المواقف الشاذة التي يصدر عنها تأخر الولد وتراجعه وتقهقره والتي تنعكس بوضوح على مجمل دراسته ومستقبله وتعرض حياته للضياع الكامل، يجب لجمها عن طريق استعمال القوّة.
خلال هذه الفترة الصعبة من حياة العائلة، يجب الاستعانة بأحد أطباء النفس، لأنه قد يلعب دوراً مهماً في عملية إعادة الولد إلى صوابه.
الواقع أن التصادم عن طريق قوّة العضلات لا يحدث إلا مع الأولاد الكبار داخل البيت الواحد، لأن الصغار نادراً ما يعاندون الأهل بشكل واضح كما يفعله عادةً الكبار.
مثال ذلك: أم لثلاثة أولاد.
*الأول: فتى في الرابعة عشرة من عمره.
*الثاني: فتى في السادسة عشرة من عمره.
*الثالث: فتاة في السابعة عشرة من عمرها.
لم يكن للأم أي سلطة عائلية على أولادها الثلاثة بحيث أن الرفض كان تاماً لكل ما كانت تطلبه منهم، وبعد أن ضاقت ذرعاً من جراء هذا الوضع الشاذ والأليم في آن، مما يدل على مقدار تسلط الأولاد وعدم احترامهم للشرعية العائلية قررت أن تلجأ إلى مبدأ الإضراب العام بدل الاستمرار في إدارة شؤون المنزل مع التمنع عن إعطاء أولادها مصروفهم اليومي.
في البداية اعتقد الأولاد أن ما تفعله والدتهم هو مرحلي، وسوف تتراجع عن إضرابها هذا ذات يوم، معتمدين على ضعفها، وعاطفتها.. ولكن بعد فترة من الزمن، شعر الأولاد بجديّة ما تفعله والدتهم وبخطورة الوضع العائلي العام؛ كما شعروا بأهميتها وبضرورتها داخل المنزل، ومن ثم بوجوب مسالمتها ومصالحتها، هنا قبلت الأم العودة عن إضرابها وبإعادة الأجواء العائلية إلى طبيعتها على شرط مساعدتها من وقت إلى آخر وبالتناوب.
إن إعلان مبدأ الإضراب من جهة الأم. كان له الأثر الجيد على الوضع العائلي العام، لأنه ساعد على تراجع الأولاد عن غيهم وطغيانهم وحدّ من أنانيتهم، كما ساعد على اعترافهم بأهميتها وبضرورة التقرب منها ومساعدتها.
مثال آخر: عائلة لشاب في الثامنة عشرة من عمره، ترك المدرسة لأنه لا يحب العلم، لكنه من جهة ثانية لا يحب أن يعمل، يقضي أكثر أوقاته في المنزل والمقاهي ويدمن على التدخين ويعاشر شباب السوء؛ وبعد محاولات يائسة من قبل الأهل لإعادة ولدهم إلى رشده، وردعه عن الطريق الشاذ، قرر والده طرده نهائياً من المنزل، مع العلم بأن والدته كانت تتدخل دائماً لصالح ولدها.
في ذات يوم قال الأب لابنه: إذا كنت تريد متابعة دراستك، فأنا مستعد لإعادتك الى المدرسة التي ترغب. وإذا كنت لا ترغب بالعودة إلى المدرسة، ولا تريد مدرسيها، ولكن تحب العمل في حقل من الحقول، فلا بأس أيضاً، وأنا سأشجعك من كل قلبي، وسأساعدك حسب مقدرتي للنجاح في هذا المضمار؛ أما إذا كنت لا تريد أن تدرس ولا ترغب في العمل، بل تريد أن تبقى عالة على عائلتك ومجتمعك، فإنني أنذرك للمرّة الأخيرة، وأعطيك مهلة أسبوع للتفكير ملياً بما قلته لك؛ بعدها وفي حال رفضك لكل النصائح التي وجهتها لك، يمكنك ترك المنزل نهائياً، لأن الحالة أصبحت لا تطاق.
ولكن للأسف لم يحدث أي تبدل خلال الأسبوع، فطُرد الابن من المنزل، وأخذ يقضي أيامه متنقلاً ما بين جدته وجده وأقاربه وأصدقائه، إلى أن بدأ الجميع يتذمر من وضعه الشاذ، فقرر الإبن العمل في محطة للمحروقات، مع العلم بأنه كان يكره هذه المهنة كرهاً شديداً، ممّا مكنه من استئجار غرفة صغيرة لسكنه، وبعد فترة من الزمن، قرر العودة إلى المدرسة، وبعد أن تردد طويلاً اتصل بوالده، وعرض عليه مشروع الدراسة، فرحب والده بالفكرة وأعاده إلى المنزل، بعدها أخذ الابن يدرس من جديد إلى أن نال الشهادة الرسمية، وشهادة الاختصاص التي أمنت له مستقبلاً زاهراً، ومكاناً مرموقاً في المجتمع.
إذاً فالموقف الصارم والمتشدد الذي أخذه الأب عن طريق طرد ابنه من المنزل، كان قاسياً وعنيفاً، لكنه كان في الوقت نفسه مفيداً للإبن لأنه أشعره بقيمة نصائح الأب، ووضعه مباشرة أمام قساوة الحياة، مما دفعه إلى مواجهتها بما يتناسب وقدراته.
العودة إلى الطريق الصحيح لم تحصل إلاّ عن طريق استعمال القوة والحزم، من هنا كان موقف الأب الصارم ضرورياً، لأن بعض الصدمات النفسية قد تكون أشد وقعاً من الصدمات الجسدية التي تحصل عن طريق استعمال قوّة العضلات.
هنا، وفي مجال حديثنا عن التربية المنزلية أعود لأشدد على ضرورة استنفاذ جميع الوسائل التربوية السليمة لمعالجة شتى المشاكل العائلية العالقة، قبل التفكير باللجوء إلى مبدأ القوّة وخاصة قوة العضلات.
إن كل مُعضلة عائلية، تشبه إلى حدٍ كبير العملية الجراحية التي تتطلب حتى تكون ناجحة فطنة وذكاء ونباهة وهدوء أعصاب وعمل سليم.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com