دبلوماسية البيت

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

هل نسمح لأولادنا أن يعبروا عن جميع مشاعرهم؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د.خليل محسن
في البداية,يتوجب أن نحدد الفرق بين الأحاسيس والأفعال,فالأحاسيس عبارة عن حالات نفسية باطنية تجول في داخل كل منا مثل الشعور بالخوف والحب والفرح والحزن والغضب,هذه المشاعر قد يصعب السيطرة عليها عند الأولاد فهي تخالج أفكارهم ولايمكن لجمها أو إخمادها.أما الأفعال فهي تختلف تماماً عن الاحاسيس,ويستطيع الأولاد السيطرة عليها في جميع مراحل طفولتهم .
مثال ذلك: الطفل الذي يبلغ السنة من عمره قد يصعب عليه لجم غضبه تجاه أخيه,لكنه قد يمتنع عن ضربه.
هذا الفرق بين الإحساس والفعل يجب أن يتداركه الأهل,لأن فهمه الصحيح يعمل على حل أكثر المشاكل التي يمكن أن تنشأ بينهم وبين أولادهم أو بين الأولاد أنفسهم.
لو طلب مني أن أكتب عن نوع الأفعال التي يمكن الإغضاء عنها والأخرى التي يجب معاقبتها.فإنني أجيب بأنه من المستحيل سرد جميع الأفعال التي يمكن للأولاد ارتكابها,ذلك لأن بعضها قد يعتبر سليماً عند بعض الأهلين وشاذ عند البعض الآخر.
أما من جهة الأحاسيس التي تجول في خاطر كل ولد من أولادنا,فإنني أرى ضرورة تركهم يعبرون عنها بحرية في جميع المجالات والمناسبات,والخطأ هو منع بعض الأهلين أولادهم من التعبير بحرية عن كل مايشعرون به من أحاسيس وخاصة السلبية منها؟مع العلم بأنه يحق لكل ولد من أولادنا أن يعبر عن كل مايجول بخاطره من أحاسيس سلبية كانت أم إيجابية,دون أن يشعر بإنه يحظر عليه التعبير عن مشاعره السلبية,هنا يتوجب على الأهل معرفة النقاط التالية:
1- كل تربية تمنع الأولاد من التعبير عن كل مايشعرون به من أحاسيس قد تخلق منهم الآت ميكانيكية,غير قادرة على الحياة السليمة التي تتميز بمبدأ الحرية التامة.
2- إن السماح للأولاد بالتعبير فقط عن أحاسيسهم الإيجابية,دون أن نسمح لهم بالإفصاح عن مشاعرهم السلبية قد يخل بتوازنهم الداخلي ويؤثرعلى نفسياتهم.
مثال ذلك: السماح للولد بتلفظ كلمة "ماما..أنا أحبك" وعدم السماح له بتلفظ كلمة "ماما..أنا أكرهك".
3- إن بعض الأهلين قد يسمحون لولدهم الى جانب التعبيرعن أحاسيسه الإيجابية,أن يعبرعن أحاسيسه السلبية بلباقة وتهذيب,مع العلم بأن الأب والأم داخل المنزل الواحد,رغم حبهما لبعضهما قد يعبران بدون لباقة ولاتهذيب عن مشاعرهم السلبية في حال تصادمهما نتيجة لائقة الأسباب.
4- الحل الصحيح يكمن بأن يسمح الأهل لأولادهم بالتعبيرعن أحاسيسهم بحرية من سلبية وإيجابية مما يحول دون الاضطرابات النفسية,ويساعدهم على إيجاد توازن سليم جسدي وعقلي.ولكن لماذا يجب السماح لأولادنا بالتعبير عن جميع مشاعرهم؟
أولاً :للتخفيف من دفق حقدهم,مما يحول دون حصول تفجيرات عائلية مفاجئة...
فمبدأ التعبير عن الأحاسيس والمشاعر خاصة السلبية منها,يشبه الى حد كبير صمام الأمان الذي تزود به الآلات الميكانيكية والالكترنية,فالولد الذي يسمح له والده بالتعبير عن كل أحاسيسه,من الصعب أن يحقد أو ان ينفجر,وهنا لابد من ذكر حادثة الابن الذي قتل أمه وأبوه بواسطة المسدس مع العلم بأن أصدقاءه ومدرسيه وجيرانه يشهدون على أنه مثال للولد الخلوق الهادىء.
أنا لاأعرف ذلك الإبن,لكنني أعتقد أن تربيته المنزلية لم تكن تسمح له بالتعبير عن مشاعره السلبية تجاه أهله,ومع مرور الأيام تكرست هذه المشاعر السلبية في داخله وكبتت,ثم لم تجد لها منفذاً إلا على شكل جريمة بشعة ارتكبها الابن بشكل غير شعوري,ضد أقرب الناس إليه.
ثانياً: نادراً مايفرق بين الخير والشر,وكل كبت لأحاسيسه السلبية قد يؤثر بشكل غير مباشر على أحاسيسه الإيجابية بحيث يصبح الولد شخصاً آخر يتصرف بشكل غير طبيعي,هذا مايذكرني بذاك الذي يبلغ الثامنة من عمره,والذي حين أدخلته غرفة مهيأة للأولاد كتبوا أو رسموا على الجدران,قال:دكتور,هذه هي المرة الأولى التي ارى فيها غرفة غير منظمة وكثيرة الأوساخ..قلت: ماذا ترى أيضاً؟قال: لماذا تسمح يادكتور,للأولاد بالعبث في هذه الغرفة وبالكتابة على الجدران.قلت :أحب ذلك.
قال: عليك منعهم,لأن استمرارهم قد يؤثر على مستقبلهم.
هنا شعرت بأنه يتفحص شخصية والديه,فهو يتلفظ بألفاظهم,ويفكر كتفكيرهم,ويتصرف كتصرفاتهم,وهذا التصنع في التعبير عن المشاعر يظهر لنا,جسداً جديداً فأفكار قديمة.
ثالثاً: كل منع للأولاد عن الإفصاح عن كل مايجول في خاطرهم من مشاعر وأحاسيس,سوف ينعكس على على كامل شخصيته وتصرفاته عند الكبر,بشكل سلبي,وسأروي هنا حادثة تدل على صدق ماأقول: ذات يوم عدت الى المنزل,وعندما ذهبت لغسل يدي في المغسلة القريبة,فوجئت بأن المزهرية الصغيرة قرب المغسلة والتي تحتوي عادة على عدة ازهار,مملوءة بسائل أصفر اللون,أخذت أشم السائل بعدها حاولت أن أعرف الفاعل,استبعدت زوجتي وابني الأكبر من دائرة الشك,ووجهت الاتهام الى ابني الأصغر قائلاً له: لماذا فعلت ذلك,فأجاب :لقد رفضت والدتي أن تصحبني الى دار السينما,فقلت له :كان بإمكانك أن تعبر عن غضبك,فنحن لانمنعك من ذلك.
أجاب :كنت أريد أن أعبر عن اسيائي بشكل آخر.
من هذه الحادثة يتضح ضرورة ترك الأولاد يعبرون عن كل أحاسيسهم من إيجابية وسلبية,لأن ذلك قد يحد من غضبهم ويهدىء من اضطراباتهم,وكل كبت لهذه المشاعر نتيجة تسلط الأهل,فإنه سوف يظهر على شكل اضطرابات واضحة داخل المنزل وفي المدرسة ومن خلال العلاقات بين الزملاء والأصدقاء.
رابعاً: كل كبت لمشاعر الأولاد,عند الصغر,قد يؤدي بهم الى كبتها عند الكبر,وكثيراً مايجد طبيب النفس صعوبة كبيرة,للكشف عن أحاسيس هؤلاء الأشخاص.لأنهم لايدلون بأي شيء منها,كما لاحظوا أنه في حال استطاعتهم الدخول الى قلب كل منهم,للإفصاح عن كل مايشعر به,فغنه يدرك مدى تألمهم النفسي,الذي يأخذ بالانحسار تدريجياً.
اذا كان الأولياء يرغبون في ألا يتعرض أولادهم في المستقبل الى اضطرابات نفسية عليهم محاولة تربيتهم منذ الصغر على التعبير عن كل مايشعرون به من أحاسيس إيجابية كانت أم سلبية لأنها توفر لهم توازنهم الجسدي والنفسي.
Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com